سورة
اية:

إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجّار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها صلى اللّه عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

تفسير الجلالين

{ إذاً } لو ركنت { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة وضعف } عذاب { الممات } أي مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } مانعا منه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ رَكَنْت إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد شَيْئًا قَلِيلًا فِيمَا سَأَلُوك إِذَنْ لَأَذَقْنَاك ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة , وَضِعْف عَذَاب الْمَمَات . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي : ضِعْف عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . 17009 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { ضِعْف الْحَيَاة } قَالَ : عَذَابهَا { وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الْآخِرَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17010 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } : أَيْ عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . 17011 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة } مُخْتَصَر , كَقَوْلِك : ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة { وَضِعْف الْمَمَات } فَهُمَا عَذَابَانِ , عَذَاب الْمَمَات بِهِ ضُوعِفَ عَذَاب الْحَيَاة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ رَكَنْت إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد شَيْئًا قَلِيلًا فِيمَا سَأَلُوك إِذَنْ لَأَذَقْنَاك ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة , وَضِعْف عَذَاب الْمَمَات . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي : ضِعْف عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . 17009 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { ضِعْف الْحَيَاة } قَالَ : عَذَابهَا { وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الْآخِرَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17010 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } : أَيْ عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . 17011 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات } يَعْنِي عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي قَوْله : { إِذًا لَأَذَقْنَاك ضِعْف الْحَيَاة } مُخْتَصَر , كَقَوْلِك : ضِعْف عَذَاب الْحَيَاة { وَضِعْف الْمَمَات } فَهُمَا عَذَابَانِ , عَذَاب الْمَمَات بِهِ ضُوعِفَ عَذَاب الْحَيَاة .' وَقَوْله { ثُمَّ لَا تَجِد لَك عَلَيْنَا نَصِيرًا } يَقُول : ثُمَّ لَا تَجِد لَك يَا مُحَمَّد إِنْ نَحْنُ أَذَقْنَاك لِرُكُونِك إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَوْ رَكَنْت إِلَيْهِمْ , عَذَاب الْحَيَاة وَعَذَاب الْمَمَات عَلَيْنَا نَصِيرًا يَنْصُرك عَلَيْنَا , وَيَمْنَعك مِنْ عَذَابك , وَيُنْقِذك مِمَّا نَالَك مِنَّا مِنْ عُقُوبَة .وَقَوْله { ثُمَّ لَا تَجِد لَك عَلَيْنَا نَصِيرًا } يَقُول : ثُمَّ لَا تَجِد لَك يَا مُحَمَّد إِنْ نَحْنُ أَذَقْنَاك لِرُكُونِك إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَوْ رَكَنْت إِلَيْهِمْ , عَذَاب الْحَيَاة وَعَذَاب الْمَمَات عَلَيْنَا نَصِيرًا يَنْصُرك عَلَيْنَا , وَيَمْنَعك مِنْ عَذَابك , وَيُنْقِذك مِمَّا نَالَك مِنَّا مِنْ عُقُوبَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولولا أن ثبتناك} أي على الحق وعصمناك من موافقتهم. { لقد كدت تركن إليهم} أي تميل. { شيئا قليلا} أي ركونا قليلا. قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين). وقيل : ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف. والمعنى : وإن كادوا ليركنونك، أي كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم؛ فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا؛ كما تقول لرجل : كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت؛ ذكره المهدوي. وقيل ما كان منه هم بالركون إليهم، بل المعنى : ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل؛ ذكره القشيري. وقال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه. وقوله { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة؛ قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد. وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم. قال الله تعالى { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب : 30] وضعف الشيء مثله مرتين، وقد يكون الضعف النصيب؛ كقوله عز وجل { لكل ضعف} [الأعراف : 38] أي نصيب. وقد تقدم في الأعراف.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ إِذاً } أي: لو كِدتَ تركن إليهم شيئاً قليلاً لأذقناك ضِعْف الحياة وضِعْف الممات، وبهذا التهديد يرفع الحق سبحانه سخيمة الكُرْه من صدور القوم لمحمد، وينقلها له سبحانه وتعالى.

ومعنى { ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ.. } [الإسراء: 75]الضعْف: مضاعفة الشيء مرة أخرى. أي: قَدْر الشيء مرتين، ولا يُذاق في الحياة إلا العذاب، فالمراد: لأذقناك ضِعْف عذاب الحياة وضِعْف عذاب الممات، لكن لماذا يُضَاعَف العذاب في حَقِّ محمد صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: لأنه أُسْوة كبيرة وقُدْوة يقتدي الناس بها، ويستحيل في حقِّه هذا الفعل، ولا يتصور منه صلى الله عليه وسلم، لكن على اعتبار أن ذلك حدث منه فسوف يُضاعَف له العذاب، كما قال تعالى في نساء النبي:
{  يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً }
[الأحزاب: 30]

ذلك لأنهن بيت النبوة وأمهات المؤمنين، وهنَّ أُسْوة لغيرهنّ من نساء المسلمين، وكلما ارتفع مقام الإنسان في مركز الدعوة إلى الله وجب عليه أنْ يتبرأ عن الشبهة؛ لأنه سيكون أُسْوة فعل، فإنْ ضَلَّ فلن يضل في ذاته فقط، بل سيضل معه غيره، ومن هنا شدَّد الله العقوبة وضاعفها للنبي ولزوجاته.

وقد اختار الحق سبحانه لفظ { لأذَقْنَاكَ }؛ لأن الإذاقة من الذَّوْق، وهو أعمّ الملكَات شُيوعاً في النفس، فأنت ترى بعينك وتسمع بأذنك وتشمُّ بأنفك، لكن المذاق تشترك فيه كل الملكات.

ثم يقول تعالى: { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً } [الإسراء: 75]

أي: لا تجد مدافعاً يدافع عنك؛ أو ناصراً ينصرك؛ لأن مددَك مني وحدي، فكيف يكون لك ناصر من دوني؟

ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا }.


www.alro7.net