سورة
اية:

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: أرأيتكم أن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك، { إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته} الآية، فسكت عنهم واطمأنت نفسه قاله سعيد بن جبير رضي اللّه عنه ، وقوله: { إن إبراهيم لحليم أواه منيب} مدحٌ لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها. وقوله تعالى: { يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك} الآية، أي أنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

تفسير الجلالين

{ فلما ذهب عن إبراهيم الروع } الخوف { وجاءته البشرى } بالولد أخذ { يجادلنا } يجادل رسلنا { في } شأن { قوم لوط } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الْخَوْف الَّذِي أَوْجَسَهُ فِي نَفْسه مِنْ رُسُلنَا حِين رَأَى أَيْدِيهمْ لَا تَصِل إِلَى طَعَامه , وَأَمِنَ أَنْ يَكُون قُصِدَ فِي نَفْسه وَأَهْله بِسُوءٍ , وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِإِسْحَاق , ظَلَّ يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14151 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } يَقُول : ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْف , { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بِإِسْحَاق 14152 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بِإِسْحَاق , وَيَعْقُوب وَلَد مِنْ صُلْب إِسْحَاق , وَأَمِنَ مِمَّا كَانَ يَخَاف , قَالَ : { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء } 14 39 وَقَدْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ) أَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ يُرِيدُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14153 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } قَالَ : حِين أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى قَوْم لُوط , وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ يُرِيدُونَ 14154 - قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , وَقَالَ آخَرُونَ : بُشِّرَ بِإِسْحَاق وَأَمَّا الرَّوْع : فَهُوَ الْخَوْف , يُقَال مِنْهُ : رَاعَنِي كَذَا يَرُوعنِي رَوْعًا : إِذَا خَافَهُ , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيْفَ لَك بِرَوْعَةِ الْمُؤْمِن " وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَة أَهْلهَا وَسْط الدِّيَار تَسَفُّ حَبّ الْخِمْخِمِ بِمَعْنَى : مَا أَفْزَعَنِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 14155 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : الرَّوْع : الْفَرَق - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : الْفَرَق 14156 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : الْفَرَق * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْف وَقَوْله : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } يَقُول : يُخَاصِمنَا . كَمَا : 14157 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يُجَادِلنَا } يُخَاصِمنَا * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { يُجَادِلنَا } يُكَلِّمنَا , وَقَالَ : لِأَنَّ إِبْرَاهِيم لَا يُجَادِل اللَّه إِنَّمَا يَسْأَلهُ وَيَطْلُب مِنْهُ . وَهَذَا مِنْ الْكَلَام جَهْل , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَنَا فِي كِتَابه أَنَّهُ يُجَادِل فِي قَوْم لُوط , فَقَوْل الْقَائِل : إِبْرَاهِيم لَا يُجَادِل , مُوهِمًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { يُجَادِلنَا } يُخَاصِمنَا , أَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يُخَاصِم رَبّه جَهْل مِنْ الْكَلَام , وَإِنَّمَا كَانَ جِدَاله الرُّسُل عَلَى وَجْه الْمُحَاجَّة لَهُمْ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِل رُسُلنَا , وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَرَفَ الْمُرَاد مِنْ الْكَلَام حَذَفَ الرُّسُل . وَكَانَ جِدَاله إِيَّاهُمْ كَمَا : 14158 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر , عَنْ سَعِيد : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } قَالَ : لَمَّا جَاءَ جِبْرَائِيل وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا لِإِبْرَاهِيم : { إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيم : أَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَع مِائَة مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا ثَلَاث مِائَة مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعَة عَشْرَة مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَعُدّهُمْ أَرْبَعَة عَشَر بِامْرَأَةِ لُوط , فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسه قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعَة عَشْر مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَعُدّهُمْ أَرْبَعَة عَشَر بِامْرَأَةِ لُوط , فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسه . 14159 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ الْمَلَك لِإِبْرَاهِيم : إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَة يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمْ الْعَذَاب 14160 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُجَادَلَته إِيَّاهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَمُعَذِّبُوهَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . حَتَّى صَارَ ذَلِكَ إِلَى عَشْرَة , قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشْرَة أَمُعَذِّبُوهُمْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . وَهِيَ ثَلَاث قُرَى فِيهَا مَا شَاءَ اللَّه مِنْ الْكَثْرَة وَالْعَدَد - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ يَوْمئِذٍ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالُوا : إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبهُمْ . قَالَ : أَرْبَعُونَ ؟ قَالُوا : وَأَرْبَعُونَ . قَالَ : ثَلَاثُونَ ؟ قَالُوا : ثَلَاثُونَ . حَتَّى بَلَغَ عَشْرَة , قَالُوا : وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشْرَة , قَالَ : مَا قَوْم لَا يَكُون فِيهِمْ عَشْرَة فِيهِمْ خَيْر . قَالَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ مُحَمَّد بْن ثَوْر : قَالَ مَعْمَر : بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ فِي قَرْيَة لُوط أَرْبَعَة آلَاف أَلْف إِنْسَان , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ 14161 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } { قَالَ مَا خَطْبكُمْ أَيّهَا الْمُرْسَلُونَ } قَالُوا : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم لُوط فَجَادَلَهُمْ فِي قَوْم لُوط , قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مِائَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ ؟ قَالُوا : لَا . فَلَمْ يَزَلْ يَحُطّ حَتَّى بَلَغَ عَشْرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَقَالُوا : لَا نُعَذِّبهُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشْرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ثُمَّ قَالُوا : { يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَهْل بَيْت مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ لُوط وَأَهْل بَيْته , وَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : { يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْر رَبّك وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غَيْر مَرْدُود } 14162 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } يَعْنِي : إِبْرَاهِيم جَادَلَ عَنْ قَوْم لُوط لِيَرُدّ عَنْهُمْ الْعَذَاب قَالَ : فَيَزْعُم أَهْل التَّوْرَاة أَنَّ مُجَادَلَة إِبْرَاهِيم إِيَّاهُمْ حِين جَادَلَهُمْ فِي قَوْم لُوط لِيَرُدّ عَنْهُمْ الْعَذَاب . إِنَّمَا قَالَ لِلرُّسُلِ فِيمَا يُكَلِّمهُمْ بِهِ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مِائَة مُؤْمِن أَتُهْلِكُونَهُمْ ؟ قَالُوا : , لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا تِسْعِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا ثَمَانِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سَبْعِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سِتِّينَ ؟ قَالُوا لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا خَمْسِينَ ؟ قَالُوا لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا مُسْلِمًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرُوا لِإِبْرَاهِيم أَنَّ فِيهَا مُؤْمِنًا وَاحِدًا { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا } يُدْفَع بِهِ عَنْهُمْ الْعَذَاب , { قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } قَالُوا : يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْر رَبّك , وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غَيْر مَرْدُود . 14163 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ إِبْرَاهِيم : أَتُهْلِكُونَهُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ فِيهَا مِائَة مُؤْمِن ثُمَّ تِسْعِينَ ؟ حَتَّى هَبَطَ إِلَى خَمْسَة . قَالَ : وَكَانَ فِي قَرْيَة لُوط أَرْبَعَة آلَاف أَلْف 14164 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة , قَالَ : ثَنَا صَفْوَان , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى وَمُسْلِم أَبُو الْحُبَيْل الْأَشْجَعِيّ قَالَا : { لَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } . . إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ إِبْرَاهِيم : أَتُعَذِّبُ عَالَمًا مِنْ عَالَمك كَثِيرًا فِيهِمْ مِائَة رَجُل ؟ قَالَ : لَا وَعِزَّتِي وَلَا خَمْسِينَ ! قَالَ : فَأَرْبَعِينَ ؟ فَثَلَاثِينَ ؟ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى خَمْسَة . قَالَ : لَا وَعِزَّتِي لَا أُعَذِّبهُمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسَة يَعْبُدُونَنِي ! قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ } أَيْ لُوطًا وَابْنَتَيْهِ , قَالَ : فَحَلَّ بِهِمْ مِنْ الْعَذَاب , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَة لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم } وَقَالَ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } وَالْعَرَب لَا تَكَاد تَتَلَقَّى " لَمَّا " إِذَا وَلِيَهَا فِعْل مَاضٍ إِلَّا بِمَاضٍ , يَقُولُونَ : لَمَّا قَامَ قُمْت , وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : لَمَّا قَامَ أَقُوم . وَقَدْ يَجُوز فِيمَا كَانَ مِنْ الْفِعْل لَهُ تَطَاوُل مِثْل الْجِدَال وَالْخُصُومَة وَالْقِتَال , فَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ : لَمَّا لَقِيته أُقَاتِلهُ , بِمَعْنَى : جَعَلْت أُقَاتِلهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الْخَوْف الَّذِي أَوْجَسَهُ فِي نَفْسه مِنْ رُسُلنَا حِين رَأَى أَيْدِيهمْ لَا تَصِل إِلَى طَعَامه , وَأَمِنَ أَنْ يَكُون قُصِدَ فِي نَفْسه وَأَهْله بِسُوءٍ , وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِإِسْحَاق , ظَلَّ يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14151 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } يَقُول : ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْف , { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بِإِسْحَاق 14152 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بِإِسْحَاق , وَيَعْقُوب وَلَد مِنْ صُلْب إِسْحَاق , وَأَمِنَ مِمَّا كَانَ يَخَاف , قَالَ : { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء } 14 39 وَقَدْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ) أَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ يُرِيدُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14153 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } قَالَ : حِين أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى قَوْم لُوط , وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ يُرِيدُونَ 14154 - قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , وَقَالَ آخَرُونَ : بُشِّرَ بِإِسْحَاق وَأَمَّا الرَّوْع : فَهُوَ الْخَوْف , يُقَال مِنْهُ : رَاعَنِي كَذَا يَرُوعنِي رَوْعًا : إِذَا خَافَهُ , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيْفَ لَك بِرَوْعَةِ الْمُؤْمِن " وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَة أَهْلهَا وَسْط الدِّيَار تَسَفُّ حَبّ الْخِمْخِمِ بِمَعْنَى : مَا أَفْزَعَنِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 14155 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : الرَّوْع : الْفَرَق - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : الْفَرَق 14156 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : الْفَرَق * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } قَالَ : ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْف وَقَوْله : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } يَقُول : يُخَاصِمنَا . كَمَا : 14157 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يُجَادِلنَا } يُخَاصِمنَا * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { يُجَادِلنَا } يُكَلِّمنَا , وَقَالَ : لِأَنَّ إِبْرَاهِيم لَا يُجَادِل اللَّه إِنَّمَا يَسْأَلهُ وَيَطْلُب مِنْهُ . وَهَذَا مِنْ الْكَلَام جَهْل , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَنَا فِي كِتَابه أَنَّهُ يُجَادِل فِي قَوْم لُوط , فَقَوْل الْقَائِل : إِبْرَاهِيم لَا يُجَادِل , مُوهِمًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { يُجَادِلنَا } يُخَاصِمنَا , أَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يُخَاصِم رَبّه جَهْل مِنْ الْكَلَام , وَإِنَّمَا كَانَ جِدَاله الرُّسُل عَلَى وَجْه الْمُحَاجَّة لَهُمْ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِل رُسُلنَا , وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَرَفَ الْمُرَاد مِنْ الْكَلَام حَذَفَ الرُّسُل . وَكَانَ جِدَاله إِيَّاهُمْ كَمَا : 14158 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر , عَنْ سَعِيد : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } قَالَ : لَمَّا جَاءَ جِبْرَائِيل وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا لِإِبْرَاهِيم : { إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيم : أَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَع مِائَة مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا ثَلَاث مِائَة مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِن ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعَة عَشْرَة مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَعُدّهُمْ أَرْبَعَة عَشَر بِامْرَأَةِ لُوط , فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسه قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعَة عَشْر مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا : لَا . وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَعُدّهُمْ أَرْبَعَة عَشَر بِامْرَأَةِ لُوط , فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسه . 14159 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ الْمَلَك لِإِبْرَاهِيم : إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَة يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمْ الْعَذَاب 14160 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُجَادَلَته إِيَّاهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَمُعَذِّبُوهَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . حَتَّى صَارَ ذَلِكَ إِلَى عَشْرَة , قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشْرَة أَمُعَذِّبُوهُمْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . وَهِيَ ثَلَاث قُرَى فِيهَا مَا شَاءَ اللَّه مِنْ الْكَثْرَة وَالْعَدَد - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ يَوْمئِذٍ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالُوا : إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبهُمْ . قَالَ : أَرْبَعُونَ ؟ قَالُوا : وَأَرْبَعُونَ . قَالَ : ثَلَاثُونَ ؟ قَالُوا : ثَلَاثُونَ . حَتَّى بَلَغَ عَشْرَة , قَالُوا : وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشْرَة , قَالَ : مَا قَوْم لَا يَكُون فِيهِمْ عَشْرَة فِيهِمْ خَيْر . قَالَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ مُحَمَّد بْن ثَوْر : قَالَ مَعْمَر : بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ فِي قَرْيَة لُوط أَرْبَعَة آلَاف أَلْف إِنْسَان , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ 14161 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } { قَالَ مَا خَطْبكُمْ أَيّهَا الْمُرْسَلُونَ } قَالُوا : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم لُوط فَجَادَلَهُمْ فِي قَوْم لُوط , قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مِائَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ ؟ قَالُوا : لَا . فَلَمْ يَزَلْ يَحُطّ حَتَّى بَلَغَ عَشْرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَقَالُوا : لَا نُعَذِّبهُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشْرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ثُمَّ قَالُوا : { يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَهْل بَيْت مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ لُوط وَأَهْل بَيْته , وَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : { يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْر رَبّك وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غَيْر مَرْدُود } 14162 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } يَعْنِي : إِبْرَاهِيم جَادَلَ عَنْ قَوْم لُوط لِيَرُدّ عَنْهُمْ الْعَذَاب قَالَ : فَيَزْعُم أَهْل التَّوْرَاة أَنَّ مُجَادَلَة إِبْرَاهِيم إِيَّاهُمْ حِين جَادَلَهُمْ فِي قَوْم لُوط لِيَرُدّ عَنْهُمْ الْعَذَاب . إِنَّمَا قَالَ لِلرُّسُلِ فِيمَا يُكَلِّمهُمْ بِهِ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مِائَة مُؤْمِن أَتُهْلِكُونَهُمْ ؟ قَالُوا : , لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا تِسْعِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا ثَمَانِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سَبْعِينَ ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سِتِّينَ ؟ قَالُوا لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا خَمْسِينَ ؟ قَالُوا لَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا مُسْلِمًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرُوا لِإِبْرَاهِيم أَنَّ فِيهَا مُؤْمِنًا وَاحِدًا { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا } يُدْفَع بِهِ عَنْهُمْ الْعَذَاب , { قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } قَالُوا : يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْر رَبّك , وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غَيْر مَرْدُود . 14163 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ إِبْرَاهِيم : أَتُهْلِكُونَهُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ فِيهَا مِائَة مُؤْمِن ثُمَّ تِسْعِينَ ؟ حَتَّى هَبَطَ إِلَى خَمْسَة . قَالَ : وَكَانَ فِي قَرْيَة لُوط أَرْبَعَة آلَاف أَلْف 14164 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة , قَالَ : ثَنَا صَفْوَان , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى وَمُسْلِم أَبُو الْحُبَيْل الْأَشْجَعِيّ قَالَا : { لَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع } . . إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ إِبْرَاهِيم : أَتُعَذِّبُ عَالَمًا مِنْ عَالَمك كَثِيرًا فِيهِمْ مِائَة رَجُل ؟ قَالَ : لَا وَعِزَّتِي وَلَا خَمْسِينَ ! قَالَ : فَأَرْبَعِينَ ؟ فَثَلَاثِينَ ؟ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى خَمْسَة . قَالَ : لَا وَعِزَّتِي لَا أُعَذِّبهُمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسَة يَعْبُدُونَنِي ! قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ } أَيْ لُوطًا وَابْنَتَيْهِ , قَالَ : فَحَلَّ بِهِمْ مِنْ الْعَذَاب , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَة لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم } وَقَالَ : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْع وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط } وَالْعَرَب لَا تَكَاد تَتَلَقَّى " لَمَّا " إِذَا وَلِيَهَا فِعْل مَاضٍ إِلَّا بِمَاضٍ , يَقُولُونَ : لَمَّا قَامَ قُمْت , وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : لَمَّا قَامَ أَقُوم . وَقَدْ يَجُوز فِيمَا كَانَ مِنْ الْفِعْل لَهُ تَطَاوُل مِثْل الْجِدَال وَالْخُصُومَة وَالْقِتَال , فَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ : لَمَّا لَقِيته أُقَاتِلهُ , بِمَعْنَى : جَعَلْت أُقَاتِلهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏فلما ذهب عن إبراهيم الروع‏} ‏ أي الخوف؛ يقال‏:‏ ارتاع من كذا إذا خاف؛ قال النابغة‏:‏ فارتاع من صوت كلاب فبات له ** طوع الشوامت من خوف ومن صرد ‏ { ‏وجاءته البشرى‏} ‏ أي بإسحاق ويعقوب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف‏.‏ { ‏يجادلنا‏} ‏ أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره‏.‏ وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة؛ وذلك أنهم لما قالوا‏ { ‏إنا مهلكو أهل هذه القرية‏} [‏العنكبوت‏:‏ 31‏]‏ قال لهم‏:‏ أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأربعون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فثلاثون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فعشرون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإن كان فيها عشرة - أو خمسة شك حميد - قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال قتادة‏:‏ نحوا منه؛ قال فقال يعني إبراهيم‏:‏ قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم‏.‏ وقيل إن إبراهيم قال‏:‏ أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ فقال إبراهيم عند ذلك‏ { ‏إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين‏} [‏العنكبوت‏:‏ 32‏]‏‏.‏ وقال عبدالرحمن ابن سمرة‏:‏ كانوا أربعمائة ألف‏.‏ ابن جريج‏.‏ وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف‏.‏ ومذهب الأخفش والكسائي أن ‏ { ‏يجادلنا‏} ‏ في موضع ‏ { ‏جادلنا‏} ‏‏.‏ قال النحاس‏:‏ لما كان جواب ‏ { ‏لما‏} ‏ يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه؛ كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه‏.‏ وفيه جواب آخر‏:‏ أن يكون { ‏يجادلنا‏} ‏ في موضع الحال؛ أي أقبل يجادلنا؛ وهذا قول الفراء‏.‏ ‏ { ‏إن إبراهيم لحليم ‏أواه منيب‏} ‏ تقدم في ‏ { ‏براءة‏} ‏ معنى { ‏لأواه حليم‏} [‏التوبة‏:‏ 114‏]‏ والمنيب الراجع؛ يقال‏:‏ إذا رجع‏.‏ وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله تعالى في أمور كلها‏.‏ وقيل‏:‏ الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏يا إبراهيم أعرض عن هذا‏} ‏ أي دع عنك الجدال في قوم لوط‏.‏ ‏ { ‏إنه قد جاء أمر ربك‏} ‏ أي عذابه لهم‏.‏ { ‏إنهم آتيهم‏} ‏ أي نازل بهم‏.‏ { ‏عذاب غير مردود‏} ‏ أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 72 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والجدل هو أن تأخذ حُجَّة من مقابل؛ وتعطيه حُجَّة؛ لتصل إلى حق. والجدل يختلف عن المراء فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لأنك لا تريد أن تصل إلى الحق.

وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء، وأمرنا بأن نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن.

وهنا يبيِّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن الله تعالى سيرزقه بغلام، وعلم إبراهيم من الملائكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط:


{  قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ }
[الذاريات: 32ـ 34].

ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط، لم تكن ردّاً لأمر الله، ولكن طلباً للإمهال لعلهم يؤمنون؛ ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام؛ قلب رحيم.

ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ }


www.alro7.net