سورة
اية:

وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم ‏ { ‏فهم لها مالكون‏} ‏ قال قتادة‏:‏ مطيقون أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير، وقوله تعالى: { فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} أي منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار، { ومنها يأكلون} إذا شاءوا نحروا واجتزروا، { ولهم فيها منافع} أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين { ومشارب} أي من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك، { أفلا يشكرون} ؟ أي أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره؟

تفسير الجلالين

{ ولهم فيها منافع } كأصوافها وأوبارها وأشعارها { ومشارب } من لبنها جمع مشرب بمعنى شِرْب أو موضعه { أفلا يشكرون } المنعم عليهم بها فيؤمنون أي ما فعلوا ذلك .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم} هذه رؤية القلب؛ أي أو لم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا. { مما عملت أيدينا} أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. و { ما} بمعنى الذي وحذفت الهاء لطول الاسم. وإن جعلت { ما} مصدرية لم تحتج إلى إضمار الهاء. { أنعاما} جمع نعم والنعم مذكر. { فهم لها مالكون} ضابطون قاهرون. { وذللناها لهم} أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم ويضربه ويصرفه كيف شاء لا يخرج من طاعته. { فمنها ركوبهم} قراءة العامة بفتح الراء؛ أي مركوبهم، كما يقال : ناقة حلوب أي محلوب. وقرأ الأعمش والحسن وابن السميقع { فمنها ركوبهم} بضم الراء على المصدر. وروى عن عائشة أنها قرأت { فمنها ركوبتهم} وكذا في مصحفها. والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة، والحمول والحمولة. وحكى النحويون الكوفيون : أن العرب تقول : امرأة صبور وشكور بغير هاء. ويقولون : شاة حلوبة وناقة ركوبة؛ لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعا عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلا وأثبتوها فيما كان مفعولا؛ كما قال : فيها اثنتان وأربعون حلوبة ** سودا كخافية الغراب الأسحم فيجب أن يكون على هذا ركوبتهم. فأما البصريون فيقولون : حذفت الهاء على النسب. والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال : الركوبة تكون للواحد والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. فعلى هذا يكون لتذكير الجمع. وزعم أبو حاتم : أنه لا يجوز { فمنها ركوبهم} بضم الراء لأنه مصدر؛ والركوب ما يركب. وأجاز الفراء { فمنها ركوبهم} بضم الراء، كما تقول فمنها أكلهم ومنها شربهم. { ومنها يأكلون} من لحمانها { ولهم فيها منافع} من أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك. { ومشارب} يعني ألبانها؛ ولم ينصرفا لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد. { أفلا يشكرون} الله على نعمه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يس الايات 65 - 73


سورة يس الايات 73 - 81

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في { أَوَلَمْ يَرَوْاْ } [يس: 71] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية { أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً } [يس: 71] قوله { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ } [يس: 71] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونَّا فيه أحد، بل هو خَلْق لله وحده.

وكلمة { أَنْعاماً } [يس: 71] هي الأنعام التي ذُكرت في سورة الأنعام:
{  ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }
[الأنعام: 143-144].

وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاماً لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نِعَم واضحة في البيئة العربية.

ثم إن خَلْق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه { فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } [يس: 71] نعمة أخرى؛ لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تُملَك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها.

ثم نعمة التذليل { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ } [يس: 72] وإلا فإذا خلقها الله ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذَلَّله وسخَّره، أما الثعبان فمع صِغَر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه؛ لأن الله لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه.

إذن: فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملّكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النِّعَم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نَشْر دعوتهم.

وقوله سبحانه: { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } [يس: 72] أي: ما يُركب من الدواب. ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب يعني: تُحلب { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [يس: 72] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ { وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ } [يس: 73] مشارب جمع مشرب. والمراد القِرْبة التي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات أو يُراد بالمشارب ما يُشرب من ألبانها، واللبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملتْ ما كان منها اللبن.ثم تُختم هذه النِّعَم بقوله سبحانه { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } [يس: 73] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة:
{  لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }
[إبراهيم: 7].

إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله المنعِم الذي يُوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولِمَ لا والإنسان حينما يكون موظفاً يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بُدَّ أن يُحيِّيه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُشكر؟

وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول:

{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ... }.


www.alro7.net