سورة
اية:

وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجّار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها صلى اللّه عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

تفسير الجلالين

{ وإن } مخففة { كادوا } قاربوا { ليفتنونك } ليستنزلون { عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا } لو فعلت ذلك { لاتخذوك خليلاً } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْفِتْنَة الَّتِي كَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَفْتِنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَنْ الَّذِي أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ إِلَى غَيْره ; فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ الْإِلْمَام بِالْآلِهَةِ , لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ دَعَوْهُ إِلَى ذَلِكَ , فَهَمَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17003 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِم الْحَجَر الْأَسْوَد , فَمَنَعَتْهُ قُرَيْش , وَقَالُوا : لَا نَدَعهُ حَتَّى يَلُمّ بِآلِهَتِنَا , فَحَدَّثَ نَفْسه , وَقَالَ : " مَا عَلَيَّ أَنْ أَلُمّ بِهَا بَعْد أَنْ يَدْعُونِي أَسْتَلِم الْحِجْر , وَاَللَّه يَعْلَم أَنِّي لَهَا كَارِه " , فَأَبَى اللَّه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } الْآيَة . 17004 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة إِلَى الصُّبْح يُكَلِّمُونَهُ وَيُفَخِّمُونَهُ وَيُسَوِّدُونَهُ وَيُقَارِبُونَهُ , وَكَانَ فِي قَوْلهمْ أَنْ قَالُوا : إِنَّك تَأْتِي بِشَيْءٍ لَا يَأْتِي بِهِ أَحَد مِنْ النَّاس , وَأَنْتَ سَيِّدنَا وَابْن سَيِّدنَا , فَمَا زَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُقَارِفَهُمْ ثُمَّ مَنَعَهُ اللَّه وَعَصَمَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } قَالَ : أَطَافُوا بِهِ لَيْلَة , فَقَالُوا : أَنْتَ سَيِّدنَا وَابْن سَيِّدنَا , فَأَرَادُوهُ عَلَى بَعْض مَا يُرِيدُونَ فَهُمْ أَنْ يُقَارِفَهُمْ فِي بَعْض مَا يُرِيدُونَ , ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّه , فَذَلِكَ قَوْله : { لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } الَّذِي أَرَادُوا فَهُمْ أَنْ يُقَارِفَهُمْ فِيهِ . 17005 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قَالُوا لَهُ : اِئْتِ آلِهَتنَا فَامْسَسْهَا , فَذَلِكَ قَوْله : { شَيْئًا قَلِيلًا } وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ أَنْ يُنْظِر قَوْمًا بِإِسْلَامِهِمْ إِلَى مُدَّة سَأَلُوهُ الْإِنْظَار إِلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره وَإِذًا لَاِتَّخَذُوك خَلِيلًا } وَذَلِكَ أَنَّ ثَقِيفًا كَانُوا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُول لِلَّهِ أَجِّلْنَا سَنَة حَتَّى يُهْدَى لِآلِهَتِنَا , فَإِذَا قَبَضْنَا الَّذِي يُهْدَى لِآلِهَتِنَا أَخَذْنَاهُ , ثُمَّ أَسْلَمْنَا وَكَسَرْنَا الْآلِهَة , فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيهِمْ , وَأَنْ يُؤَجِّلهُمْ , فَقَالَ اللَّه : { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَادُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَمَّا أَوْحَاهُ اللَّه إِلَيْهِ لِيَعْمَل بِغَيْرِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه ; وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذِكْر أَنَّهُمْ دَعَوْهُ أَنْ يَمَسّ آلِهَتهمْ , وَيَلُمّ بِهَا , وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ أَمْر ثَقِيف , وَمَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلُوهُ مِمَّا ذَكَرْنَا ; وَجَائِز أَنْ يَكُون غَيْر ذَلِكَ , وَلَا بَيَان فِي الْكِتَاب وَلَا فِي خَبَر يَقْطَع الْعُذْر أَيْ ذَلِكَ كَانَ , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ مَوْجُود عَلَى مَا ذَكَرْنَا , فَلَا شَيْء فِيهِ أَصْوَب مِنْ الْإِيمَان بِظَاهِرِهِ , حَتَّى يَأْتِي خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِبَيَانِ مَا عُنِيَ بِذَلِكَ مِنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْفِتْنَة الَّتِي كَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَفْتِنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَنْ الَّذِي أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ إِلَى غَيْره ; فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ الْإِلْمَام بِالْآلِهَةِ , لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ دَعَوْهُ إِلَى ذَلِكَ , فَهَمَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17003 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِم الْحَجَر الْأَسْوَد , فَمَنَعَتْهُ قُرَيْش , وَقَالُوا : لَا نَدَعهُ حَتَّى يَلُمّ بِآلِهَتِنَا , فَحَدَّثَ نَفْسه , وَقَالَ : " مَا عَلَيَّ أَنْ أَلُمّ بِهَا بَعْد أَنْ يَدْعُونِي أَسْتَلِم الْحِجْر , وَاَللَّه يَعْلَم أَنِّي لَهَا كَارِه " , فَأَبَى اللَّه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } الْآيَة . 17004 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة إِلَى الصُّبْح يُكَلِّمُونَهُ وَيُفَخِّمُونَهُ وَيُسَوِّدُونَهُ وَيُقَارِبُونَهُ , وَكَانَ فِي قَوْلهمْ أَنْ قَالُوا : إِنَّك تَأْتِي بِشَيْءٍ لَا يَأْتِي بِهِ أَحَد مِنْ النَّاس , وَأَنْتَ سَيِّدنَا وَابْن سَيِّدنَا , فَمَا زَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُقَارِفَهُمْ ثُمَّ مَنَعَهُ اللَّه وَعَصَمَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره } قَالَ : أَطَافُوا بِهِ لَيْلَة , فَقَالُوا : أَنْتَ سَيِّدنَا وَابْن سَيِّدنَا , فَأَرَادُوهُ عَلَى بَعْض مَا يُرِيدُونَ فَهُمْ أَنْ يُقَارِفَهُمْ فِي بَعْض مَا يُرِيدُونَ , ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّه , فَذَلِكَ قَوْله : { لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } الَّذِي أَرَادُوا فَهُمْ أَنْ يُقَارِفَهُمْ فِيهِ . 17005 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قَالُوا لَهُ : اِئْتِ آلِهَتنَا فَامْسَسْهَا , فَذَلِكَ قَوْله : { شَيْئًا قَلِيلًا } وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ أَنْ يُنْظِر قَوْمًا بِإِسْلَامِهِمْ إِلَى مُدَّة سَأَلُوهُ الْإِنْظَار إِلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْره وَإِذًا لَاِتَّخَذُوك خَلِيلًا } وَذَلِكَ أَنَّ ثَقِيفًا كَانُوا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُول لِلَّهِ أَجِّلْنَا سَنَة حَتَّى يُهْدَى لِآلِهَتِنَا , فَإِذَا قَبَضْنَا الَّذِي يُهْدَى لِآلِهَتِنَا أَخَذْنَاهُ , ثُمَّ أَسْلَمْنَا وَكَسَرْنَا الْآلِهَة , فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيهِمْ , وَأَنْ يُؤَجِّلهُمْ , فَقَالَ اللَّه : { وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَادُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَمَّا أَوْحَاهُ اللَّه إِلَيْهِ لِيَعْمَل بِغَيْرِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه ; وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذِكْر أَنَّهُمْ دَعَوْهُ أَنْ يَمَسّ آلِهَتهمْ , وَيَلُمّ بِهَا , وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ أَمْر ثَقِيف , وَمَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلُوهُ مِمَّا ذَكَرْنَا ; وَجَائِز أَنْ يَكُون غَيْر ذَلِكَ , وَلَا بَيَان فِي الْكِتَاب وَلَا فِي خَبَر يَقْطَع الْعُذْر أَيْ ذَلِكَ كَانَ , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ مَوْجُود عَلَى مَا ذَكَرْنَا , فَلَا شَيْء فِيهِ أَصْوَب مِنْ الْإِيمَان بِظَاهِرِهِ , حَتَّى يَأْتِي خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِبَيَانِ مَا عُنِيَ بِذَلِكَ مِنْهُ .' وَقَوْله : { وَإِذًا لَاِتَّخَذُوك خَلِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ فَعَلْت مَا دَعَوْك إِلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لَاِتَّخَذُوك إِذًا لِأَنْفُسِهِمْ خَلِيلًا , وَكُنْت لَهُمْ وَكَانُوا لَك أَوْلِيَاء .وَقَوْله : { وَإِذًا لَاِتَّخَذُوك خَلِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ فَعَلْت مَا دَعَوْك إِلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك لَاِتَّخَذُوك إِذًا لِأَنْفُسِهِمْ خَلِيلًا , وَكُنْت لَهُمْ وَكَانُوا لَك أَوْلِيَاء .'

تفسير القرطبي

قال سعيد بن جبير : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تُلِم بآلهتنا. فحدث نفسه وقال : (ما علي أن أُلِم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره) فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية؛ قال مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم؛ فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل : هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك؛ فهم بذلك حتى نهي عنه. وقال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه، ويسودونه ويقاربونه؛ فقالوا : إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا؛ وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى { ليفتنونك} أي يزيلونك. يقال : فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه؛ قاله الهروي. وقيل يصرفونك، والمعنى واحد. { عن الذي أوحينا إليك} أي حكم القرآن؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن. { لتفتري علينا غيره} أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف : وحرم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك. { وإذا لاتخذوك خليلا} أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا، أي والوك وصافوك؛ مأخوذ من الخلة (بالضم) وهي الصداقة لممايلته لهم. وقيل { لاتخذوك خليلا} أي فقيرا. مأخوذ من الخلة (بفتح الخاء) وهي الفقر لحاجته إليهم.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه خبيثة جديدة من خبائثهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يحاولون جادِّين أنْ يصرفوا رسول الله عما بعثه الله به، فمرة يقولون له: دَعْ آلهتنا نتمتع بها سنة ونأخذ الغنائم من ورائها وتحرم لنا بلدنا ـ أي: ثقيف ـ كما حرمت مكة. ومرة يقولون له: لا تستلم الحجر ويمنعونه من استلامه حتى يستلم آلهتهم أولاً.

ومعنى { كَادُواْ } أي قاربوا، والمقاربة غير الفعل، فالمقاربة مشروع فعل وتخطيط له، لكنه لم يحدث، إنهم قاربوا أنْ يفتنوك عن الذي أُنزِل إليك لكن لم يحدث؛ لأن محاولاتهم كانت من بعيد، فهي تحوي حول فتنتك عن الدين، كما قالوا مثلاً: نعبد إلهك سنة، و تعبد آلهتنا سنة.

ومعنى: { لَيَفْتِنُونَكَ } لَيُحوّلونك ويَصْرِفونك عما أنزل الله إليك، لماذا؟ { لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ.. } [الإسراء: 73] كما حكى القرآن عنهم في آية أخرى:
{  ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ.. }
[يونس: 15]

فيكون الجواب من الحق سبحانه:
{  قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }
[يونس: 15]

وقال تعالى:
{  قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[يونس: 16]

ونلاحظ في مثل هذا الموقف أن الحق سبحانه يتحمل العنت عن رسوله، وينقل المسألة من ساحة الرسول إلى ساحته تعالى، لكي لا تكون عداوة بين محمد وقومه، فالأمر ليس من عند محمد بل من عند الله، يقول تعالى:
{  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }
[الأنعام: 33]

فلا تحزن يا محمد، فأنت مُصَدَّق عندهم، لكن المسألة عندي أنا، وهكذا يتحمل الحق سبحانه الموقف عن رسوله حتى لا يحمل القوم ضغينة لرسول الله.

ثم يقول تعالى: { وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } [الإسراء: 73]

الخليل: هو المخالّ الذي بينك وبينه حُبٌّ ومودّة، بحيث يتخلل كل منكما الآخر ويتغلغل فيه، ومنه قوله تعالى في إبراهيم:
{  وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }
[النساء: 125]

ومنه قول الشاعر:
وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جَهْدَهُ   خَليليْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا
كأنَّ خَليِلاً فِي خِـلاَلِ خَليِلِه   تَسَرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وَغَابَا
فإذا ما تقابل الخليلان ذاب كل منهما في صاحبه أو تخلَّله ودخل فيه.

فالمعنى: لو أنك تنازلتَ عن المنهج الذي جاءك من الله لَصِرْتَ خليلاً لهم، كما كنت خليلاً لهم من قبل، وكانوا يحبونك ويقولون عنك " الصادق الأمين ". إذن: الذي جعلهم في حالة عداء لك هو منهج الله جئتَ به، فلو تنازلتَ عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلاً، فلا تكُنْ خليلاً لهم بل خليلاً لربك الذي أرسلك.

ويخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ...} الآية. [73].
قال عطاء عن ابن عباس: نزلت في وفد ثَقِيفٍ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوا شططاً وقالوا: مَتَّعْنا باللاّتِ سنةً، وحَرَّم وادينَا كما حَرَّمتَ مكة: شحرَها وطيرَها ووحشَها. [وأكثروا في المسالة]، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجبهم. فأقبلوا يُكررون مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهتَ ما نقول، وخشيتَ أن تقول العرب: أعطيتَهم ما لم تُعطِنا - فقل: الله أمرني بذلك. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنهم، وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن جوابكم كراهيةً لما تجيئون به؟ وقد همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعطيهم ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا ولو بطرف أصابعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما عليَّ لو فعلت، والله يعلم أني كاره، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} إلى قوله: { نَصِيراً} .
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أن قريشاً خَلَوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ذاتَ ليلة إلى الصبح، يكلمونه ويفخمونه ويسوِّدونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا. وما زالوا به حتى كاد يُقارِبُهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله تعالى عن ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية.


www.alro7.net