سورة
اية:

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ولقد جاءت رسلنا} وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى، قيل تبشره بإسحاق، وقيل بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: { ولما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} ، { قالوا سلاما قال سلام} أي عليكم، قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي ذهب سريعاً، فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، { حنيذ} مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة، هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم فقال ألا تأكلون} وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجه كثيرة، وقوله: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} ينكرهم، { وأوجس منهم خيفة} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاء به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم { وأوجس منهم خيفة} قال السدي: لما بعث اللّه الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلَّهم { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول { وامرأته قائمة} امرأة إبراهيم: هي سارة، والغلام الذي بشرت به - كما ذكره السهيلي - هو إسحاق، قال: ولم تلد سارة لإبراهيم غيره، وأما إسماعيل فهو بكره من هاجر القبطية وهو جالس، فلما قربه إليهم { قال ألا تأكلون} ؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم اللّه على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} ، يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، وقالت سارة: عجباً لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا؟! { قالوا لا تخف} أي قالوا لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشاراً بهلاكهم لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم وعنادهم، قال ابن عباس: { فضحكت} أي حاضت، وقول وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق، فمخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها { فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، ومن هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل وأنه يمتنع أن يكون إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد اللّه حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه وللّه الحمد، { قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا} الآية، حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها { قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز} ، وفي الذاريات { فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} ، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب، { قالوا أتعجبين من أمر اللّه} أي قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر اللّه فإنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزاً عقيماً وبعلك شيخاً كبيراً فإن اللّه على ما يشاء قدير، { رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته.

تفسير الجلالين

{ قالوا أتعجبين من أمر الله } قدرته { رحمة الله وبركاته عليكم } يا { أهل البيت } بيت إبراهيم { إنه حميد } محمود { مجيد } كريم .

تفسير الطبري

{ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّه } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ الرُّسُل لَهَا : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يَكُون وَقَضَاء قَضَاهُ اللَّه فِيك وَفِي بَعْلك ؟ وَقَوْله : { رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ الْبَيْت } يَقُول : رَحْمَة اللَّه وَسَعَادَته لَكُمْ أَهْل بَيْت إِبْرَاهِيم . وَجُعِلَتْ الْأَلِف وَاللَّام خَلَفًا مِنْ الْإِضَافَة . وَقَوْله : { إِنَّهُ حَمِيد مَجِيد } يَقُول : إِنَّ اللَّه مَحْمُود فِي تَفَضُّله عَلَيْكُمْ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ النِّعَم عَلَيْكُمْ وَعَلَى سَائِر خَلْقه مَجِيد , يَقُول : ذُو مَجْد وَمَدْح وَثَنَاء كَرِيم , يُقَال فِي فِعْل مِنْهُ : مَجُدَ الرَّجُل يَمْجُد مَجَادَة إِذَا صَارَ كَذَلِكَ , وَإِذَا أَرَدْت أَنَّك مَدَحْته قُلْت : مَجَّدْته تَمْجِيدًا . { قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّه } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ الرُّسُل لَهَا : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يَكُون وَقَضَاء قَضَاهُ اللَّه فِيك وَفِي بَعْلك ؟ وَقَوْله : { رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ الْبَيْت } يَقُول : رَحْمَة اللَّه وَسَعَادَته لَكُمْ أَهْل بَيْت إِبْرَاهِيم . وَجُعِلَتْ الْأَلِف وَاللَّام خَلَفًا مِنْ الْإِضَافَة . وَقَوْله : { إِنَّهُ حَمِيد مَجِيد } يَقُول : إِنَّ اللَّه مَحْمُود فِي تَفَضُّله عَلَيْكُمْ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ النِّعَم عَلَيْكُمْ وَعَلَى سَائِر خَلْقه مَجِيد , يَقُول : ذُو مَجْد وَمَدْح وَثَنَاء كَرِيم , يُقَال فِي فِعْل مِنْهُ : مَجُدَ الرَّجُل يَمْجُد مَجَادَة إِذَا صَارَ كَذَلِكَ , وَإِذَا أَرَدْت أَنَّك مَدَحْته قُلْت : مَجَّدْته تَمْجِيدًا .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى‏ { ‏قالوا أتعجبين من أمر الله‏} ‏ لما قالت‏ { ‏وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا‏} ‏ وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله، أي من قضائه‏.‏ وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق‏.‏ وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل، وأنه أسن من إسحاق؛ لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب‏.‏ وسيأتي الكلام في هذا؛ وبيانه في { ‏الصافات‏} ‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ الثانية: قوله تعالى‏ { ‏رحمة الله وبركاته‏} ‏ مبتدأ، والخبر ‏ { ‏عليكم‏} ‏‏.‏ وحكى سيبويه ‏ { ‏عليكم‏} ‏ بكسر الكاف لمجاورتها الياء‏.‏ وهل هو خبر أو دعاء‏؟‏ وكونه إخبارا أشرف؛ لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى‏:‏ أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت‏.‏ وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل به بعد‏.‏ ‏ { ‏أهل البيت‏} ‏ نصب على الاختصاص؛ وهذا مذهب سيبويه‏.‏ وقيل‏:‏ على النداء‏.‏ الثالثة: هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل، من أهل البيت؛ فدل، هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت؛ فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ ممن قال الله فيهم‏ { ‏ويطهركم تطهيرا‏} [‏الأحزاب‏:‏ 33‏]‏ وسيأتي‏.‏ الرابعة: ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام ‏ { ‏وبركاته‏} ‏ كما أخبر الله عن صالحي عباده ‏ { ‏رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت‏} ‏‏.‏ والبركة النمو والزيادة؛ ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة‏.‏ وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال‏:‏ كنت جالسا عند عبدالله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال‏:‏ السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ ثم زاد شيئا مع ذلك؛ فقال، ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا‏؟‏ فقالوا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، فقال‏:‏ ‏(‏إن السلام انتهى إلى البركة‏)‏‏.‏ وروي عن علي رضى الله عنه أنه قال‏:‏ دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، فقلت‏:‏ السلام عليكم؛ فقال‏:‏ ‏(‏وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ودخلت الثانية؛ فقلت‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله فقال‏:‏ ‏(‏وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك‏)‏‏.‏ فدخلت الثالثة فقلت‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏:‏ فقال‏:‏ ‏(‏وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء‏)‏‏.‏ { ‏إنه حميد مجيد‏} ‏ أي محمود ماجد‏.‏ وقد بيناهما في ‏"‏الأسماء الحسنى‏".

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 72 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والعجب ـ إذن ـ إنما يكون من قانون بشري، وإنما القادر الأعلى سبحانه له طلاقة القدرة في أن يخرق الناموس.. ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت صدق البلاغ عن الله تعالى، فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية.

والقصة التي حدثت لإبراهيم عليه السلام وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلام، والحق سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلام بشارة التذكير لزكريا عليه السلام حين سألها:


{  أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }
[آل عمران: 37].

فقالت مريم:


{  هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

إذن: فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم، لا بين الخالق ـ سبحانه ـ وخَلْقه.

ولذلك ياتي قول الحق عز وجل:


{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }
[آل عمران: 38].

وما دام زكريا عليه السلام قد تذكَّر بقول مريم:


{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

فمن حقه أن يدعو:


{  قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً }
[آل عمران: 38].

فأوحى له الله سبحانه وتعالى:


{  يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً }
[مريم: 7].

أي: أن الحق سبحانه لم يرزقه الابن فقط، بل وسماه له أيضاً باسمٍ لم يسبقه إليه أحد.

وتسمية الله تعالى غير تسمية البشر، فإن كان بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم باسم " يحيى " فقد فعلوا ذلك من باب الفأل الحسن في أن يعيش الابن.

لكن الحق سبحانه حين يسمي اسماً، فقد سماه " يحيى " ليحيا بالفعل، ويبلغ سن الرشد، ثم لا يأتي الموت؛ لذلك قُتِل يحيى وصار شهيداً، والشهيد حيٌّ عند ربه لا يأتي إليه موتٌ أبداً.

وهذا عكس تسمية البشر؛ لأن الإنسان قد يسمي ابنه " سعيد " ويعيش الابن حياته في منتهى الشقاء.

والشاعر يقول عن الإنسان الذي سمى ابنه " يحيى ":
وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيَحْيَا فَلَمْ يَكُنْ   لِرَدِّ قَضَاءِ الله فيهِ سَبِيلُ
وحين نرجع إلى أن مريم عليها السلام هي التي نبهت إلى قضية الرزق من الله، نجد أن زكريا عليه السلام قد دعا، وذكر أنه كبير السن وأن زوجه عاقر.

ولا بد أن زكريا عليه السلام يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلاً، ولذلك شاء الله سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلام بأنه سيرزقه الولد ويسميه، ويأتي قول الحق سبحانه وتعالى:


{  كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ }
[مريم: 9].

وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرَّر، فلا رادَّ لما أراده، ولذلك يقول سبحانه:


{  هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }
[مريم: 9].

وهكذا توالت الأحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلام إلى قضية خَرْق النواميس التي تعرضت هي لها بعد ذلك، حينما تمثَّل لها المَلك بشراً، وبشَّرها بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام.وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك ـ وهي التي لم يمسسها بشر ـ فيذكِّرها الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام:


{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

وكان لا بد من طمأنتها؛ لأن إنجابها للمسيح عيسى ـ عليه السلام ـ دون أب هي مسألة عرض، ويجب أن تُقبل عليها وهي آمنة، غير مرتابٍ فيها ولا متهمة.

والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه السلام حين جاءتها البشارة بالطفل، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب مما قدَّره الله تعالى وأراده، خلافاً للناموس الغالب في خلقه؛ لأن رحمة الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمة والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد.

ولهذا قال الحق سبحانه هنا:

{ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } [هود: 73].

وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى:

{ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } [هود: 73].

أي: أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده، فلا حد لخيره وإحسانه، والله تعالى مُطْلَقُ صفات المجد.

وكلمة " حميد " ـ في اللغة ـ من " فَعِيل " وتَرِدُ على معنيين: إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا: " الله رحيم " بمعنى أنه راحم خلقه. وإما أن تكون بمعنى مفعول؛ كقولنا: " قتيل " بمعنى " مقتول ".

وكلمة " حميد " هنا تأتي بالمعنيين معاً: " حامدٌ " و " محمودٌ " ، مثل قول الحق سبحانه عن نفسه أنه " الشكور "؛ لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته. والله سبحانه " حميدٌ "؛ لأنه حامدٌ لمن يطيعه طاعة نابعة من الإيمان، والله سبحانه " محمودٌ " ممن أنعم عليهم نعمه السابغة.

والله سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يُسأل.

ولذلك نجد عارفاً بالله تعالى قد جاءه سائل، فأخرج كيساً ووضعه في يده، ثم رجع إلى أهله يبكي، فقالت له امرأته: وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله؟ قال: أنا أبكي لأني تركته ليسأل، وكان المفروض ألا أجعله يقف موقف السائل.

والحق سبحانه وتعالى أعطانا، حتى قبل أن نعرف كيف نسأل، ومثال ذلك: هو عطاء الحق سبحانه وتعالى للجنين في بطن أمه، والجنين لم يتعلم الكلام والسؤال.

والحق سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من الدين، فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقدم العجل الحنيذ للضيوف، ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف، وعرضت عليه الطعام، ولم يأكل، فلا ترفع الطعام من أمامه، بل عليك أن تسأله أن يأكل، فإن رد بعزيمة، وقال: لقد أكلت قبل أن أحضر إليك، فَلَكَ أن ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه في تناول الطعام.ويروي بعض العارفين أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: ألا تأكلون؟ قالت الملائكة: لا نأكل إلا إذا دفعنا ثمن الطعام. فقال إبراهيم، بما آتاه الله من حكمة النبوة ووحي الإلهام: ثمنه أن تُسمُّوا الله أوله، وتحمدوه آخره.

وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله: " بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا انتهيت منه وقلت: " الحمد لله "؛ تكون قد أديت حق الطعام مصداقاً لقول الحق سبحانه:


{  ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ }
[التكاثر: 8].

وهكذا بيَّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلام وزوجه قد أطمأنا على أن الملائكة قد جاءت لهما بالبشرى، وأنها لا تريد بإبراهيم أو بقومه سوءاً، بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط.

وهنا يقول الحق سبحانه: { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ }


www.alro7.net