سورة
اية:

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيّه صلوات اللّه وسلامه عليه: { واتل عليهم} أي أخبرهم واقصص عليهم، أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك، { نبأ نوح} أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم اللّه ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، { إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم} أي عظم عليكم { مقامي} أي فيكم بين أظهركم، { وتذكيري} إياكم { بآيات اللّه} أي بحججه وبراهينه، { فعلى اللّه توكلت} أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا، { فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون اللّه من صنم ووثن، { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي ولا تجعلوا أمركم عليكم متلبساً، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إليَّ ولا تنظرون، أي ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على اللّه ربي وربكم} الآية. وقوله { فإن توليتم} أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة { فما سألتكم من أجر} أي لم أطلب منكم على نصيحتي إياكم شيئاً، { إن أجري إلا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين} أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام للّه عزَّ وجلَّ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، وقوله تعالى: { فكذبوه فنجيناه ومن معه} أي على دينه { في الفلك} وهي السفينة، { وجعلناهم خلائف} أي في الأرض، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي فانظر يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين.

تفسير الجلالين

{ فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك } السفينة { وجعلناهم } أي من معه { خلائف } في الأرض { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } من إهلاكهم فكذلك نفعل بمن كذب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِف وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذَرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَّبَ نُوحًا قَوْمه فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ عَنْ اللَّه مِنْ الرِّسَالَة وَالْوَحْي , فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ حُمِلَ مَعَهُ فِي الْفُلْك , يَعْنِي فِي السَّفِينَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِف وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذَرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَّبَ نُوحًا قَوْمه فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ عَنْ اللَّه مِنْ الرِّسَالَة وَالْوَحْي , فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ حُمِلَ مَعَهُ فِي الْفُلْك , يَعْنِي فِي السَّفِينَة .' يَقُول : وَجَعَلْنَا الَّذِينَ نَجَّيْنَا مَعَ نُوح فِي السَّفِينَة خَلَائِف فِي الْأَرْض مِنْ قَوْمه الَّذِينَ كَذَّبُوهُ بَعْد أَنْ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , يَعْنِي حُجَجنَا وَأَدِلَّتنَا عَلَى تَوْحِيدنَا , وَرِسَالَة رَسُولنَا نُوح .يَقُول : وَجَعَلْنَا الَّذِينَ نَجَّيْنَا مَعَ نُوح فِي السَّفِينَة خَلَائِف فِي الْأَرْض مِنْ قَوْمه الَّذِينَ كَذَّبُوهُ بَعْد أَنْ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , يَعْنِي حُجَجنَا وَأَدِلَّتنَا عَلَى تَوْحِيدنَا , وَرِسَالَة رَسُولنَا نُوح .' يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَانْظُرْ يَا مُحَمَّد كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذَرِينَ , وَهُمْ الَّذِينَ أَنْذَرَهُمْ نُوح عِقَاب اللَّه عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ وَعِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , يَقُول لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اُنْظُرْ مَاذَا أَعْقَبَهُمْ تَكْذِيبهمْ رَسُولهمْ , فَإِنَّ عَاقِبَة مَنْ كَذَّبَك مِنْ قَوْمك إِنْ تَمَادَوْا فِي كُفْرهمْ وَطُغْيَانهمْ عَلَى رَبّهمْ نَحْو الَّذِي كَانَ مِنْ عَاقِبَة قَوْم نُوح حِين كَذَّبُوهُ , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلْيَحْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْل الَّذِي حَلَّ بِهِمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا .يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَانْظُرْ يَا مُحَمَّد كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذَرِينَ , وَهُمْ الَّذِينَ أَنْذَرَهُمْ نُوح عِقَاب اللَّه عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ وَعِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , يَقُول لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اُنْظُرْ مَاذَا أَعْقَبَهُمْ تَكْذِيبهمْ رَسُولهمْ , فَإِنَّ عَاقِبَة مَنْ كَذَّبَك مِنْ قَوْمك إِنْ تَمَادَوْا فِي كُفْرهمْ وَطُغْيَانهمْ عَلَى رَبّهمْ نَحْو الَّذِي كَانَ مِنْ عَاقِبَة قَوْم نُوح حِين كَذَّبُوهُ , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلْيَحْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْل الَّذِي حَلَّ بِهِمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فكذبوه} يعني نوحا. { فنجيناه ومن معه} أي من المؤمنين { في الفلك} أي السفينة، وسيأتي ذكرها. { وجعلناهم خلائف} أي سكان الأرض وخلفا ممن غرق. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 71 - 73


سورة يونس الايات 73 - 75

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكأن الأمر الذي وقع من الحق سبحانه نتيجة عدائهم للإيمان كان من الممكن أن يشمله؛ لأنه لا يقال: نجَّيتُك من كذا إلا إذا كان الأمر الذي نجيتك منه، توشك أن تقع فيه، وكان هذا بالفعل هو الحال مع الطوفان، فالحق سبحانه يقول:


{  فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً }
[القمر: 11ـ12].

ومن المتوقع أن تشرب الأرض ماء المطر، لكن الذي حدث أن المطر انهمر من السماء والأرض أيضاً تفجَّرتْ بالماء؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول:


{  فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ }
[القمر: 12].

أي: أن ذلك الأمر كان مقدَّراً؛ حتى لا يقولن أحد: إن هذه المسألة ظاهرة طبيعية.

لا إنه أمر مُقدَّر، وقد كانت السفينة موجودة بصناعة من نوح عليه السلام؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بذلك في قوله تعالى في سورة هود:
{  وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا }
[هود: 37].

ويقول الحق سبحانه في الآية التي بعدها:


{  وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }
[هود: 38].

ويركب نوح ـ عليه السلام ـ السفينة، ويركب معه من آمن بالله تعالى، وما حملوا معهم من الطير والحيوان من كُلِّ نوع اثنين ذكراً وأنثى.

وقول الحق سبحانه:

{ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ } [يونس: 73].

يوحي أن الذي صعد إلى السفينة هم العقلاء من البشر، فكيف نفهم مسألة صعود الحيوانات والطيور إلى السفينة؟

نقول: إن الأصل في وجود هذه الحيوانات وتلك الطيور أنها مُسخَّرة لخدمة الإنسان، وكان لا بد أن توجد في السفينة؛ لأنها ككائنات مسخّرة تسبِّح الله، وتعبد الحق سبحانه، فكيف يكون علمها فوق علم العقلاء الذين كفرو بعضهم، ثم أليس من الكائنات المسخَّرة ذلك الغراب الذي علَّم " قابيل " كيف يواري سوأة أخيه؟! إنه طائر، لكنه علم ما لم يعلمه الإنسان!

والحق سبحانه هو القائل:


{  فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ }
[المائدة: 31].

ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصددها الآن:

{ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } [يونس: 73].

وكلمة " الفُلْك " من الألفاظ التي تطلق على المفرد، وتطلق على الجماعة.

وقول الحق سبحانه: { فَنَجَّيْنَاهُ } نعلم منه أن الفعل من الله تعالى، وهو سبحانه حين يتحدث عن أي فعل له، فالكلام عن الفعل يأتي مثل قوله سبحانه:


{  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9].

ولكنه حين يتحدث عن ذاته، فهو يأتي بكلمة تؤكد الوحدانية وتكون بضمير الإفراد مثل:
{  إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ }
[طه: 14].

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ } [يونس: 73].كلمة " أنجى " للتعددية، وكلمة " نَجَّى " تدل على أن هناك معالجة شديدة للإنجاء، وعلى أن الفعل يتكرر.

وقول الحق سبحانه:

{ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } [يونس: 73].

تعني: أن الخليفة هو من يجيء بعد سابق، وكلمة " الخليفة " تأتي مرة للأعلى، مثل الحال هنا حيث جعل الصالح خليفة للصالح، فبعد أن أنجى الله سبحانه العناصر المؤمنة في السفينة، أغرق الباقين.

إذن: فالصالحون على ظهر السفينة أنجبوا الصالحين من بعدهم.

ومرة تأتي كلمة " الخليفة " للأقل، مثل قول الحق سبحانه:


{  فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ }
[مريم: 59].

فهنا تكون كلمة الخليفة موحية بالمكانة الأقل، وهناك معيار وضعه الحق سبحانه لتقييم الخليفة، هو قول الحق سبحانه:


{  ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }
[يونس: 14].

ولأن الإنسان مخيَّر بين الإيمان والكفر، فسوف يَلْقَى مكانته على ضوء ما يختار.

ويقول الحق سبحانه:


{  وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً }
[النور: 55].

إذن: فالخليفة إما أن يكون خليفة لصالحٍ، وإما أن يكون صالحاً يَخْلُفُ فاسداً.

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } [يونس: 73].

والآيات ـ كما قلنا من قبل ـ إما آيات الاعتبار التي تهدي إلى الإيمان بالقوة الخالقة، وهي آيات الكون كلها، فكل شيء في الكون يدلُّكَ على أن هذا الكون مخلوق على هيئة ولغاية. بدليل أن الأشياء في هذا الكون تنتظم انتظاماً حكيماً.

وإذا أردت أن تعرف دقة هذا الخلق، فانظر إلى ما ليدك فيه دَخْلٌ، وما ليس ليدك فيه دخل؛ ستجد كل ما ليس ليدك فيه دخل على درجة هائلة من الاستقامة، والحق سبحانه يقول:


{  لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
[يس: 40].

أما ما ليدك فيه دخل، فاختيارنا حين يتدخل فهو قد يفسد الأشياء.

وهكذا رأينا أن الآيات الكونية تلفت إلى وجود الخالق سبحانه وهي مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله، أو أن الآيات هي الأمور العجيبة التي جاءت علىأيدي الرسل ـ عليهم السلام ـ لتقنع الناس بأنهم صادقون في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى.

ثم هناك آيات القرآن الكريم التي يقول فيها الحق سبحانه:


{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ }
[آل عمران: 7].

وهي الآيات التي تحمل المنهج.

وحين يقول الحق سبحانه:

{ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } [يونس: 73].

فهو يعلِّمنا أنه أغرق من كذَّبوا بالآيات الكونية ولم يلتفتوا إلى بديع صنعه سبحانه، وحكمة تكوين هذه الآيات، وترتيبها ورتابتها، وهم أيضاً كذَّبوا الآيات المعجزات، وكذلك كذَّبوا بآيات الأحكام التي جاءت بها رسلهم.وينهي الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله:

{ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } [يونس: 73].

والخطاب هنا لكل من يتأتَّى منه النظر، وأوَّلُهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول مُخاطَب بالقرآن.

وأنت حين تقول: " انظر "؛ فأنت تُلْفِت إلى أمر حسِّي، إن وجَّهت نظرك نحوه جاء الإشعاع من المنظور إليه، ليرسم أبعاد الشيء؛ فتراه.

والكلام هنا عن أمور غائبة، فهي أحداث حسية وقعت مرة واحدة ثم صارت خبراً، فإن أخبرك بها مخبر فيكون تصديقك بها على مقدار الثقة فيه.

فمن رأى عصا موسى ـ عليه السلام ـ وهي تلقف الحبال التي ألقاها السحرة؛ آمن بها، مثلما آمن من شاهد النار عاجزة عن إحراق إبراهيم عليه السلام، ومن رأى عيسى عليه السلام وهو يُشفي الأكْمَهَ والأبْرص ويُحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقد آمن بما رأى، أما من لم ير تلك المعجزات فإيمانه يتوقف على قدر توثيقه لمن أخبر، فإن كان المخبر بذلك هو الله سبحانه وفي القرآن الكريم فإيماننا بتلك المعجزات هو أمر حتمي؛ لأننا آمنا بصدق المبلِّغ عن الله تعالى.

ونحن نفهم أن الرسالات السابقة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، كانت رسالات موقوتة زماناً ومكاناً، لكن الإسلام جاء لينتظم الناس الموجَّه إليهم منذ أن أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة.

لذلك جاء القرآن آيات باقيات إلى أن تقوم الساعة، وهذا هو السبب في أن القرآن قد جاء معجزة عقلية دائمة يستطيع كل من يدعو إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: محمد رسول من عند الله تعالى، وتلك هي معجزته.

وساعة يقول الحق سبحانه: { فَٱنْظُرْ } فمثلها مثل قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:


{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1].

وحادثة الفيل قد حدثت في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير حادثة الفيل، ولكن الذين رأوها هم الذين كانوا يعيشون وقتها، وهذا ما يلفتنا إلى فارق الأداء، فعيونك قد ترى أمراً، وأنذك قد تسمع خبراً، ولكن من الجائز أن تخدعك حواسك، أما الخبر القادم من الله تعالى، وإن كان غائباً عنك الآن وغير مسموع لك فخذه على أنه أقوى من رؤية العين.

ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الحق: " ألم تعلم " وجاء بالقول:


{  أَلَمْ تَرَ }
[الفيل: 1].

وأقول: ليدلنا الله سبحانه على أن العلم المأخوذ من الله تعالى عن أمر غيبي عليك أن تتلقاه بالقبول أكثر من تلقيك لرأي العين.

إذن: { فَٱنْظُرْ } تعني: اعلمْ الأمر وكأنه مُجسَّم أمامك؛ لأنك مؤمن بالله تعالى وكأنك تراه، ومُبلِّغك عن الله سبحانه هو رسول تؤمن برسالته، وكل خبر قادم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه سولم لا يمكن أن يتسرب إليه الشك، ولكن الشك لا يمكن أن يتسرب إلى المخبر الصادق أبداً.ولقائل أن يقول: ولماذا لم يقل الحق: " فانظر كيف كان عاقبة الكافرين " بدلاً من قول الحق سبحانه:

{ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } [يونس: 73].

وهنا نقول:

إن الحق سبحانه وتعالى قد بيَّن أنه لم يعذِّب قبل أن يُنْذِر، فهو قد أنذر أولاً، ولم يأخذ القوم على جهلهم.

" فانظر " ـ كما نعلم ـ هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشمل أمته أيضاً، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح ـ عليه السلام ـ فاعلمْ أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح.

وفي هذا تحذير وتخويف للمناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ }


www.alro7.net