سورة
اية:

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع اللّه آلهة أُخرى. وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرونهم بأس اللّه، ويحذرونهم سطوته ونقمته، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك اللّه المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم، ولهذا قال تعالى: { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد اللّه المخلصين} .

تفسير الجلالين

{ ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } من الأمم الماضية .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلهمْ أَكْثَر الْأَوَّلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ ضَلَّ يَا مُحَمَّد عَنْ قَصْد السَّبِيل وَمَحَجَّة الْحَقّ قَبْل مُشْرِكِي قَوْمك مِنْ قُرَيْش أَكْثَرُ الْأُمَم الْخَالِيَة مِنْ قَبْلهمْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلهمْ أَكْثَر الْأَوَّلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ ضَلَّ يَا مُحَمَّد عَنْ قَصْد السَّبِيل وَمَحَجَّة الْحَقّ قَبْل مُشْرِكِي قَوْمك مِنْ قُرَيْش أَكْثَرُ الْأُمَم الْخَالِيَة مِنْ قَبْلهمْ'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم. { فهم على آثارهم يهرعون} أي يسرعون؛ عن قتادة. وقال مجاهد : كهيئة الهرولة. قال الفراء : الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: { يهرعون} يستحثون من خلفهم. ونحوه قول المبرد. قال : المهرع المستحث؛ يقال : جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها. وقيل : يزعجون من شدة الإسراع؛ قال الفضل. الزجاج : يقال هرع وأهرع إذا استحث وأزعج. قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} أي من الأمم الماضية. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أي رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي آخر أمرهم. { إلا عباد الله المخلصين} أي الذين استخلصهم الله من الكفر. وقد تقدم. ثم قيل : هو استثناء من { المنذَرين} . وقيل هو من قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 60 - 89

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } [الصافات: 71] يعني: ليس هؤلاء بدعاً في الضلال، فقد ضَلَّ قبلهم كثيرون ممَّنْ سبقوهم، وهذا يعني أن قِلَّة آمنتْ، والكثرة ضَلَّتْ { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } [الصافات: 72] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.

وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى:
{  وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }
[العصر: 3].

وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.

فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.

نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } [الصافات: 72] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.

وقوله: { فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ } [الصافات: 73] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } [الصافات: 74] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.

وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } [الصافات: 72] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:

{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... }.


www.alro7.net