سورة
اية:

فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن موسى وصاحبه وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، يعني أجرة تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحاً من ألواحها، ثم رقعها، فلم يملك موسى عليه السلام نفسه أن قال منكراً عليه { أخرقتها لتغرق أهلها} وهذه اللام لام العاقبة. لا لام التعليل. كما قال الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب { لقد جئت شيئا إمرا} قال مجاهد: منكراً، وقال قتادة: عجباً، فعندها قال له الخضر مذكراً بما تقدم من الشرط { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} ، يعني وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبراً، ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت، { قال} أي موسى { لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} أي لا تضيّق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (كانت الأولى من موسى نسياناً).

تفسير الجلالين

{ فانطلقا } يمشيان على البحر { حتى إذا ركبا في السفينة } التي مرت بهما { خرقها } الخضر بأن اقتلع لوحا أو لوحين منها من جهة البحر بفأس لما بلغت اللجج { قال } له موسى { اخرقتها لتغرق أهلها } وفي قراءة بفتح التحتانية والراء ورفع أهلها { لقد جئت شيئا إمرا } أي عظيما منكرا روي أن الماء لم يدخلها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْطَلَقَ مُوسَى وَالْعَالِم يَسِيرَانِ يَطْلُبَانِ سَفِينَة يَرْكَبَانِهَا , حَتَّى إِذَا أَصَابَاهَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة , فَلَمَّا رَكِبَاهَا , خَرَقَ الْعَالِم السَّفِينَة , قَالَ لَهُ مُوسَى : أَخَرَقْتهَا بَعْد مَا لَجِجْنَا فِي الْبَحْر { لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : لَقَدْ جِئْت شَيْئًا عَظِيمًا , وَفَعَلْت فِعْلًا مُنْكَرًا . 17500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } : أَيْ عَجَبًا , إِنَّ قَوْمًا لَجَّجُوا سَفِينَتهمْ فَخَرَقْتهَا , كَأَحْوَج مَا نَكُون إِلَيْهَا , وَلَكِنْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَم نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوسَى ذَلِكَ مِنْ عِلْم اللَّه الَّذِي آتَاهُ , وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : { فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : نُكْرًا . 17501 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } قَالَ : مُنْكَرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَالْإِمْر : فِي كَلَام الْعَرَب : الدَّاهِيَة ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَان مِنِّي نُكْرًا دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرًا وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : أَصْله : كُلّ شَيْء شَدِيد كَثِير , وَيَقُول مِنْهُ : قِيلَ لِلْقَوْمِ : قَدْ أَمِرُوا : إِذَا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ أَمْرهمْ . قَالَ : وَالْمَصْدَر مِنْهُ : الْآمِر , وَالِاسْم : الْإِمْر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لِتُغْرِق أَهْلهَا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ { لِتُغْرِق أَهْلهَا } بِالتَّاءِ فِي لِتُغْرِق , وَنَصَبَ الْأَهْل , بِمَعْنَى : لِتُغْرِق أَنْتَ أَيّهَا الرَّجُل أَهْل هَذِهِ السَّفِينَة بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْت فِيهَا . وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِيَغْرَق " بِالْيَاءِ أَهْلهَا بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنَّ الْأَهْل هُمْ الَّذِينَ يَغْرَقُونَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمَا , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ إِنْكَار مُوسَى عَلَى الْعَالِم خَرْق السَّفِينَة إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْده أَنَّ ذَلِكَ سَبَب لِغَرَقِ أَهْلهَا إِذَا أُحْدِثَ مِثْل ذَلِكَ الْحَدَث فِيهَا فَلَا خَفَاء عَلَى أَحَد مَعْنَى ذَلِكَ قُرِئَ بِالتَّاءِ وَنَصَبَ الْأَهْل , أَوْ بِالْيَاءِ وَرَفَعَ الْأَهْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْطَلَقَ مُوسَى وَالْعَالِم يَسِيرَانِ يَطْلُبَانِ سَفِينَة يَرْكَبَانِهَا , حَتَّى إِذَا أَصَابَاهَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة , فَلَمَّا رَكِبَاهَا , خَرَقَ الْعَالِم السَّفِينَة , قَالَ لَهُ مُوسَى : أَخَرَقْتهَا بَعْد مَا لَجِجْنَا فِي الْبَحْر { لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : لَقَدْ جِئْت شَيْئًا عَظِيمًا , وَفَعَلْت فِعْلًا مُنْكَرًا . 17500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } : أَيْ عَجَبًا , إِنَّ قَوْمًا لَجَّجُوا سَفِينَتهمْ فَخَرَقْتهَا , كَأَحْوَج مَا نَكُون إِلَيْهَا , وَلَكِنْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَم نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوسَى ذَلِكَ مِنْ عِلْم اللَّه الَّذِي آتَاهُ , وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : { فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : نُكْرًا . 17501 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } قَالَ : مُنْكَرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَالْإِمْر : فِي كَلَام الْعَرَب : الدَّاهِيَة ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَان مِنِّي نُكْرًا دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرًا وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : أَصْله : كُلّ شَيْء شَدِيد كَثِير , وَيَقُول مِنْهُ : قِيلَ لِلْقَوْمِ : قَدْ أَمِرُوا : إِذَا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ أَمْرهمْ . قَالَ : وَالْمَصْدَر مِنْهُ : الْآمِر , وَالِاسْم : الْإِمْر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لِتُغْرِق أَهْلهَا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ { لِتُغْرِق أَهْلهَا } بِالتَّاءِ فِي لِتُغْرِق , وَنَصَبَ الْأَهْل , بِمَعْنَى : لِتُغْرِق أَنْتَ أَيّهَا الرَّجُل أَهْل هَذِهِ السَّفِينَة بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْت فِيهَا . وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِيَغْرَق " بِالْيَاءِ أَهْلهَا بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنَّ الْأَهْل هُمْ الَّذِينَ يَغْرَقُونَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمَا , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ إِنْكَار مُوسَى عَلَى الْعَالِم خَرْق السَّفِينَة إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْده أَنَّ ذَلِكَ سَبَب لِغَرَقِ أَهْلهَا إِذَا أُحْدِثَ مِثْل ذَلِكَ الْحَدَث فِيهَا فَلَا خَفَاء عَلَى أَحَد مَعْنَى ذَلِكَ قُرِئَ بِالتَّاءِ وَنَصَبَ الْأَهْل , أَوْ بِالْيَاءِ وَرَفَعَ الْأَهْل .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها} في صحيح مسلم والبخاري : (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع منها لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها { لقد جئت شيئا إمرا. قال إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وكانت الأولى من موسى نسيانا) قال : (وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر). قال علماؤنا : حرف السفينة طرفها وحرف كل شيء طرفه، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد. والعلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال { ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة : 255] أي من معلوماته، وهذا من الخضر تمثيل؛ أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله؛ كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر، وإنما مثل له ذلك بالبحر لأنه أكثر. ما يشاهده مما بين أيدينا، وإطلاق لفظ النقص هنا تجوز قصد به التمثيل والتفهيم، إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال : (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر) وفي التفسير عن أبي العالية : لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين من أراد الله له أن يريه، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة. وقيل : خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف الخضر فخرق السفينة، وقال ابن عباس : (لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه : ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني قال له الخضر : يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال : نعم. قال : كذا وكذا قال : صدقت؛ ذكره الثعلبي في كتاب العرائس. في خرق السفينة دليل أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا، مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرّب بعضه وقال أبو يوسف : يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض وقرأ حمزة والكسائي { ليغرق} بالياء { أهلها} بالرفع فاعل يغرق، فاللام على قراءة الجماعة في { لتغرق} لام المآل مثل { ليكون لهم عدوا وحزنا} . وعلى قراءة حمزة لام كي، ولم يقل لتغرقني؛ لأن الذي غلب الحال فرط الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. و { إمرا} معناه عجبا؛ قاله القتبي، وقيل : منكرا؛ قاله مجاهد، وقال أبو عبيدة : الإمر الداهية العظيمة؛ وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ** داهية دهياء إدا إمرا وقال الأخفش : يقال أمر يأمر { أمر} إذا أشتد والاسم الإمر. قوله تعالى { قال} الخضر. { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب. قوله تعالي { قال لا تؤاخذني بما نسيت} في معناه قولان : أحدهما : يروى ابن عباس، قال : (هذا من معاريض الكلام). والآخر : أنه نسي فاعتذر؛ ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره؛ وقد تقدم، ولو نسي في الثانية لاعتذر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 63 - 77

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ فَٱنْطَلَقَا } سارا معاً، حتى ركبا سفينة، وكانت مُعَدَّة لنقل الركاب، فما كان من الخضر إلا أنْ بادر إلى خَرْقها وإتلافها، عندها لم يُطِق موسى هذا الأمر، وكبُرت هذه المسألة في نفسه فلم يصبر عليها فقال: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً } [الكهف: 71]

أي: أمراً عجيباً أو فظيعاً. ونسى موسى ما أخذه على نفسه من طاعة العبد الصالح وعدم عصيانه والصبر على ما يرى من تصرفاته.

كأن الحقَّ ـ تبارك وتعالى ـ يريد أن يُعلِّمنا أن الكلام النظري شيء، والعمل الواقعي شيء آخر، فقد تسمع من أحدهم القول الجميل الذي يعجبك، فإذا ما جاء وقت العمل والتنفيذ لا تجد شيئاً؛ لأن الكلام قد يُقَال في أول الأمر بعبارة الأريحية، كمن يقول لك: أنا رَهْن أمرك ورقبتي لك، فإذا ما أحوجك الواقع إليه كنت كالقابض على الماء لا تجد منه شيئاً.

ونلحظ هنا أن موسى ـ عليه السلام ـ لم يكتف بالاستفهام: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا.. } [الكهف: 71] بل تعدَّى إلى اتهامه بأنه أتى أمراً منكراً فظيعاً؛ لأن كلام موسى النظري شيء ورؤيته لخرق السفينة وإتلافها دون مبرر شيء آخر؛ لأن موسى استحضر بالحكم الشرعي إتلاف مال الغير، فضلاً عن إغراق ركاب السفينة، فرأى الأمر ضخماً والضرر كبيراً، هذا لأن موسى يأخذ من كيس والخضر يأخذ من كيس آخر.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما السبب في تنكير الغلام وتعريف السفينة في سورة الكهف في قوله تعالى (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً { 74} ) و (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً { 71}
حسب التفاسير أن الخضر وموسى - عليه السلام - لم يجدا سفينة لما جاءا إلى الساحل ثم جاءت سفينة مارّة فنادوهما فعرفا الخضر فحملوهما بدون أجر ولهذا جاءت السفينة معرّفة لأنها لم تكن أية سفينة. أما الغلام فهما لقياه في طريقهم وليس غلاماً محدداً معرّفاً.

سؤال : ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (شيئاً إمرا) و(شيئاً نُكرا) في سورة الكهف؟
قال تعالى على لسان موسى للرجل الصالح عندما خرق السفينة (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)) وقال تعالى عندما قتل الرجل الصالح الغلام (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)).
فوصف خرق السفينة بأنه شيء إمر ووصف قتل الغلام بأنه شيء نُكر وذلك أن خرق السفينة ونزع لوح خشب منها دون قتل الغلام شناعة فإنه إنما خرق السفينة لتبقى لمالكيها وهذا لا يبلغ مبلغ قتل الغلام بغير سبب ظاهر. والإمر دون النُكر فوضع التعبير في كل موضع بما يناسب كل فعل. وعن قتادة: النُكر أشدّ من الإمر. فجاء كل على ما يلائم ولم يكن ليحسن مجيء أحد الوصفين في موضع الآخر.
وهذا الاختلاف يدخل في فواصل الآي في القرآن الكريم.

ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله (شيئاً إمرا) و(شيئاً نُكرا) في سورة الكهف؟ ثم ما الفرق بين نُكر ونُكُر (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) القمر)؟

الإمر هو الأمر المُنكر أو الكبير والنُكر فيها معنى الإنكار أيضاً لكنهم يرون أن النُكر أعظم وأبلغ من الإمر لأن قتل النفس البريئة بغير نفس هو أكبر من خلع لوح من السفينة لأن اللوح يمكن أن يُعاد فيؤتى بلوح سواء هو نفسه أو غيره (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)) لكن القتل لا يُعاد وقتل النفس البريئة بغير نفس أمر عظيم (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)). الكثير قالوا أن النُكر أشد نكارة من الإمر ففرّق بينهما لأن قتل النفس أشد من خرق السفينة.
كلمة نُكر بتسكين الكاف هي من أوزان اسم المفعول لأن أوزان اسم المفعول ثمانية من جُملتها فُعل بضمّ الفاء وتسكين العين مثل سُؤل كما في قوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) طه) أي ما سألته وكلمة خُبث أي المخبوث. ما يدرسه الطلبة عادة أمرين: الأمر القياسي وهو ما يُصاغ من الثلاثي على زنة مفعول ومن غير الثلاثي زنة مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر. والأمر الآخر يأخذونه على وزن فعيل بمعنى مفعول كما يف قتيل أي مقتول وجريح بمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور ولكل من الأوزان دلالة خاصة به.
ومن أوزان اسم المفعول فُعلة مثل لُعنة أي يُلعن كثيراً أو سُبّة أي يُسبّ كثيراُ أو صُرعة أي يُصرع كثيراً وهذه بخلاف فُعَلة التي هي من أوزان المبالغة.
توجد أوزان عديدة لاسم المفعول يقال ناقة عُبر أسفار أي يُعبر عليها.
نُكر من أوزان اسم المفعول أي الفعل المنكر شديد النكارة.

قال تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) القمر) جاءت (نُكُر) بضم الكاف هنا ولا تصلح هنا مع الفاصلة أن تأتي نُكر وفي الحقيقة أن صيغة فُعُل غير صيغة فُعْل بتسكين العين ولكل منها دلالة خاصة. يقال باب فُتُح أي مفتّح لا يُغلق ويقال من وجد باباً مُغلقاً فإن هناك بابً فُتُحا هو باب الله. ويقال قارورة فُتُح أي ليس لها غطاء أصلاً.
صيغة فُعُل أبلغ من فُعْل لأن فيها توالي ضمّتان ونُكُر أبلغ وأشد في النكارة من نُكر بتسكين الكاف ولو لاحظنا ما ورد في الآيات التي فيها نُكر ونُكُر نجد أنه صحيح أن الفاصلة تقتضي كلاً من التعبيرين والعبارتين أو الوزنين لكن الدلالة تختلف.
في قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) القمر) هذه في الآخرة وهي غير مألوفة والصوت الذي يدعوهم إلى الخروج غير مألوف فالأمر مُستغرب ولم يسمعوا به والدعور هائلة والأمر غير مألوف فيما سبق من حياتهم (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) ليس له نظير فجاء بـ (نُكُر) شديد النكارة ولم يقل نُكر بتسكين الكاف.
أما في قوله تعالى (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)) في سورة الكهف لم يقل نُكُراً علماً أن الحديث في الآخرة أيضاً وهذا لسببين:
أولاً قال (أما من ظلم) ولم يقل من كفر وليس بالضرورة أن الظالم هو كافر كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافر.

والأمر الآخر أنه قال (فسوف نعذّبه) إذن سينال عذاباً في الدنيا فإذا كلن العذاب مُجزياً في الدنيا سقط عنه في الآخرة وإذا لم يكن مجزياً عُذب في الآخرة. وإذا قام على أحد الحدّ في الدنيا لا يُعذب في الآخرة. فهذا العذاب نكارته ليس بتلك الشدة التي في آية سورة
أما في قوله تعالى (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)) قتل النفس في الأرض كثير وليس مستغرباً كالأمر في آية سورة . فالقتل يحصل رغم استنكاره.
وفي قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) الطلاق) هذا في الدنيا كالصيحة أو الخسف أو غيرها وليس في الآخرة وليست بنكارة ما في الآخرة.
واختلاف الصيغ كثير منها عسِر وعسير لكل منهما دلالة خاصة وطويل وطوال تقال مثلاً إذا كان شخصان كلاهما طويل لكن أحدهم أطول من الآخر فيقال له طوال إذا كان بالغ الطول.


www.alro7.net