سورة
اية:

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ

تفسير بن كثير

لما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم فقالوا: { حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} فجمعوا حطباً كثيراً جداً، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جَوَبة ـ حفرة من من الأرض ـ وأضرموها ناراً فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد، فلما ألقوه قال: حسبي اللّه ونعم الوكيل، روى البخاري عن ابن عباس أنه قال { حسبي اللّه ونعم الوكيل} قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل)، وروى الحافظ أبو يعلى، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك)، ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، وكان عمره إذ ذاك ستة عشرة سنة. وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من اللّه فلي. ويروى عن ابن عباس قال: لما ألقي إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله، قال: فكان أمر اللّه أسرع من أمره، قال اللّه: { يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} ، قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت، وقال كعب الأحبار: لم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه، وقال ابن عباس: لولا أن اللّه عزَّ وجلَّ قال: { وسلاما} لآذى إبراهيم بردها، وقال أبو هريرة: إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرشح جبينه قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم ""رواه أبو زرعة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وأخرجه ابن أبي حاتم"". وقال قتادة: لم يأت يؤمئذ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوَزَغ. وقال الزهري: أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بقتله وسماه فويسقاً، وعن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم)، فأمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتله ""أخرجه ابن أبي حاتم وفي بعض الروايات أن امرأة دخلت على عائشة فوجدت عندها رمحاً فقالت: ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ، وذكرت الحديث""، وقوله: { وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} ، أي المغلوبين الأسفلين لأنهم أرادوا بنبي اللّه كيداً، فكادهم اللّه ونجاه من النار فغلبوا هنالك، وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار جاء ملكهم لينظر إليه فطارت شرارة فوقعت على إبهامه فأحرقته مثل الصوفة.

تفسير الجلالين

{ وأرادوا به كيداً } وهو التحريق { فجعلناهم الأخسرين } في مرادهم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَرَادُوا بِإِبْرَاهِيم كَيْدًا , { فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ } يَعْنِي الْهَالِكِينَ . وَقَدْ : 18632 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ } قَالَ : أَلْقَوْا شَيْخًا مِنْهُمْ فِي النَّار لِأَنْ يُصِيبُوا نَجَاته , كَمَا نُجِّيَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاحْتَرَقَ . وَقَوْله : { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَرَادُوا بِإِبْرَاهِيم كَيْدًا , { فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ } يَعْنِي الْهَالِكِينَ . وَقَدْ : 18632 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ } قَالَ : أَلْقَوْا شَيْخًا مِنْهُمْ فِي النَّار لِأَنْ يُصِيبُوا نَجَاته , كَمَا نُجِّيَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاحْتَرَقَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وأرادوا به كيدا} أي أراد نمرود وأصحابه أن يمكروا به { فجعلناهم الأخسرين} في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا. قال ابن عباس : سلط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، وكان أكوم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد. فأقام بهذا نحوا من أربعمائة سنة. قوله تعالى { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} يريد نجينا إبراهيم ولوطا إلى أرض الشام وكانا بالعراق. وكان { إبراهيم} عليه السلام عمه؛ قال ابن عباس. وقيل : لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها؛ ولأنها معادن الأنبياء. والبركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقال ابن عباس : الأرض المباركة مكة. وقيل : بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضا كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء، ومنها يتفرق في الأرض. قال أبو العالية : ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض. ونحوه عن كعب الأحبار. وقيل : الأرض المباركة مصر. قوله تعالى { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} أي زيادة؛ لأنه دعا في إسحاق وزيد في يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة؛ أي زيادة على ما سأل؛ إذ قال { رب هب لي من الصالحين} [الصافات : 100]. ويقال لولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد. { وكلا جعلنا صالحين} أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله. وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى. قوله تعالى { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات. ومعنى { بأمرنا} أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي؛ فكأنه قال يهدون بكتابنا وقيل : المعنى يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بإرشاد الخلق، ودعائهم إلى التوحيد. { وأوحينا إليهم فعل الخيرات} أي أن يفعلوا الطاعات. { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} أي مطيعين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 51 - 72

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والمراد بالكيد هنا مسألة الإحراق، ومعنى الكيد: تدبير خفيّ للعدو حتى لا يشعر بما يُدبَّر له، فيحتاط للأمر، والكيد يكون لصالح الشيء، ويكون ضده، ففي قوله تعالى:
{  كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ... }
[يوسف: 76].

أي: لصالحه فلم يقُلْ: كِدْنا يوسف إنما كِدْنا له، وقالوا في الكيد: إنه دليل ضعف وعدم قدرة على المواجهة، فالذي يُدبِّر لغيره، ويتآمر عليه خُفْية ما فعل ذلك إلاّ لعدم قدرته على مواجهته.

لذلك يقولون: أعوذ بالله من قبضة الضعيف، فإنِّي قويٌّ على قبضة القوى. فإذا ما تمكّن الضعيف من الفرصة لا يدعها؛ لأنه لا يضمنها في كل وقت، أما القوى فواثق من قوته يستطيع أن ينال خَصْمه في أيِّ وقت، ومن هنا قال الشاعر:
وَضَعِيفَةً فَإِذَا أَصَابَتْ فُرْصَة   قتلتْ كَذلِكَ قْدْرَةُ الضِّعفَاءِ
لذلك استدلوا على ضعف النساء بقوله تعالى:
{  ِإِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }
[يوسف: 28] وما دام أن كيدهن عظيم، فضعفُهن أيضاً عظيم أو حتى أعظم.

ثم قول تعالى: { فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } [الأنبياء: 70] والأخسرون جمع أخسر، على وزن أفعل؛ ليلد على المبالغة في الخُسْران، وقد كانت خسارتهم في مسألة حَرْق إبراهيم من عِدَّة وجوه: أولاً أن إبراهيم عليه السلام لم يُصِبْه سوء رغم إلقائه في النار، ثم إنهم لم يَسْلَموا من عداوته، وبعد ذلك سيجازون على فِعْلهم، هذا في الآخرة، فأيُّ خُسْران بعد هذا؟

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى... }.


www.alro7.net