سورة
اية:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمهم إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كقوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} أي يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية، { وحملناهم في البر} أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضاً على السفن الكبار والصغار، { ورزقناهم من الطيبات} أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي، { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن الملائكة قالت: يا ربنا! أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبّح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالحَ ذرية من خلقتُ بيديَّ كمن قلت له كن فكان) ""رواه الحافظ الطبراني وأخرجه عبد الرزاق عن زيد بن مسلم موقوفاً وابن عساكر عن أنَس بن مالك مرفوعاً"".

تفسير الجلالين

{ ولقد كرمنا } فضلنا { بني آدم } بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت { وحملناهم في البر } على الدواب { والبحر } على السفن { ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا } كالبهائم والوحوش { تفضيلاً } فمن بمعنى ما أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } بِتَسْلِيطِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْخَلْق , وَتَسْخِيرنَا سَائِر الْخَلْق لَهُمْ { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ } عَلَى ظُهُور الدَّوَابّ وَالْمَرَاكِب { و } فِي { الْبَحْر } فِي الْفُلْك الَّتِي سَخَّرْنَاهَا لَهُمْ { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَقُول : مِنْ طَيِّبَات الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب , وَهِيَ حَلَالهَا وَلَذِيذَاتهَا { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ تَمَكُّنهمْ مِنْ الْعَمَل بِأَيْدِيهِمْ , وَأَخْذ الْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة بِهَا وَرَفْعهَا بِهَا إِلَى أَفْوَاههمْ , وَذَلِكَ غَيْر مُتَيَسِّر لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْق , كَمَا : 16986 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } . ... الْآيَة , قَالَ : { وَفَضَّلْنَاهُمْ } فِي الْيَدَيْنِ يَأْكُل بِهِمَا , وَيَعْمَل بِهِمَا , وَمَا سِوَى الْإِنْس يَأْكُل بِغَيْرِ ذَلِكَ . 16987 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } قَالَ : قَالَتْ الْمَلَائِكَة : يَا رَبّنَا إِنَّك أَعْطَيْت بَنِي آدَم الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا , وَيَتَنَعَّمُونَ , وَلَمْ تُعْطِنَا ذَلِكَ , فَأَعْطِنَاهُ فِي الْآخِرَة ; فَقَالَ : وَعِزَّتِي لَا أَجْعَل ذُرِّيَّة مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ , كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } بِتَسْلِيطِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْخَلْق , وَتَسْخِيرنَا سَائِر الْخَلْق لَهُمْ { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ } عَلَى ظُهُور الدَّوَابّ وَالْمَرَاكِب { و } فِي { الْبَحْر } فِي الْفُلْك الَّتِي سَخَّرْنَاهَا لَهُمْ { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَقُول : مِنْ طَيِّبَات الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب , وَهِيَ حَلَالهَا وَلَذِيذَاتهَا { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ تَمَكُّنهمْ مِنْ الْعَمَل بِأَيْدِيهِمْ , وَأَخْذ الْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة بِهَا وَرَفْعهَا بِهَا إِلَى أَفْوَاههمْ , وَذَلِكَ غَيْر مُتَيَسِّر لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْق , كَمَا : 16986 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } . ... الْآيَة , قَالَ : { وَفَضَّلْنَاهُمْ } فِي الْيَدَيْنِ يَأْكُل بِهِمَا , وَيَعْمَل بِهِمَا , وَمَا سِوَى الْإِنْس يَأْكُل بِغَيْرِ ذَلِكَ . 16987 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } قَالَ : قَالَتْ الْمَلَائِكَة : يَا رَبّنَا إِنَّك أَعْطَيْت بَنِي آدَم الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا , وَيَتَنَعَّمُونَ , وَلَمْ تُعْطِنَا ذَلِكَ , فَأَعْطِنَاهُ فِي الْآخِرَة ; فَقَالَ : وَعِزَّتِي لَا أَجْعَل ذُرِّيَّة مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ , كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { ولقد كرمنا بني آدم} الآية. لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا. { كرمنا} تضعيف كرم؛ أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة. وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب. وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم. وروي عن ابن عباس؛ ذكره المهدوي والنحاس؛ وهو قول الكلبي ومقاتل؛ ذكره الماوردي. وقال الضحاك : كرمهم بالنطق والتمييز. عطاء : كرمهم بتعديل القامة وامتدادها. يمان : بحسن الصورة. محمد بن كعب : بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم. وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبري : بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل : بالكلام والخط. وقيل : بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله؛ إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين؛ فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء. وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا؛ كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه. والله أعلم. الثانية: قالت فرقة : هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى { ولا الملائكة المقربون} [النساء : 171]. وهذا غير لازم من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن؛ فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان، والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، ولم تتعرض الآية لذكرهم، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع. وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض؛ إذ في الخبر (لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى). وهذا ليس بشيء؛ لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء. وقد بيناه في [البقرة]ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن. الثالثة: قوله تعالى { ورزقناهم من الطيبات} يعني لذيذ المطاعم المشارب. قال مقاتل : السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة. الرابعة: هذه الآية ترد ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق منها). وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات، ولا أصل له؛ لأن القرآن يرده، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرر في غير موضع. وقد حكى أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات من ورق النبق مدة. وأكل دقاق ورق التين ثلاث سنين. وذكر إبراهيم بن البنا قال : صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي، وقلت : هلم. فقال لي : ملحك مدقوق؟ قلت نعم. قال : لست تفلح! فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه. وقال أبو يزيد : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا : وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه؛ لأن الله تعالى أكرم الآدمي بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن، وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه؛ لأن خبز الشعير بارد مجفف، والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر. وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قووِمت حكمة البارئ سبحانه بردها، ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل. ومعلوم أن البدن مطية الآدمي، ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ. وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبز حُوّارى، فقيل له : هذا كله؟ فقال : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة. ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة والأعراف وغيرهما. والأول غلو في الدين إن صح عنهم { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} [الحديد : 27].

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهل هناك تكريم لبني آدم أعظم من أنْ يُعدّ لهم مُقوّمات حياتهم قبل أنْ يخلقهم؟ لقد رتَّب لهم الكون وخلق من أجلهم الأشياء
{  هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً.. }
[البقرة: 29]

إذن: فكل ما في الوجود مُسخَّر لكم من قبل أنْ تُوجَدوا؛ لأن خلق الله تعالى إما خادم وإما مخدوم، وأنت أيُّها الإنسان مخدوم من كل أجناس الكون حتى من الملائكة، ألم يَقُلْ الحق سبحانه:
{  لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ.. }
[الرعد: 11]

وقال تعالى:
{  فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً }
[النازعات: 5]

فالكون كله يدور من أجلك وفي خدمتك، يعطيك عطاءً دائماً لا ينقطع دون سَعْي منك، لذلك نقول: كان من الواجب على العقل المجرد أنْ يقفَ وقفه تأمُّل وتفكُّر؛ ليصل إلى حَلٍّ للغز الكون، وليهتدي إلى أن له خالقاً مُبْدعاً، يكفي أن أنظر إلى آيات الله التي تخدمني، وليس له قدرة عليها، وليست تحت سيطرتي، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء والمطر والسحاب كلها تعطيني وتُمدّني دون قدرة لي عليها، أليس من الواجب عليك عدلاً أن تقول: مَنِ الذي أعدّ لي كلَّ هذه الأشياء التي ما ادَّعاهَا أحد لنفسه؟

فإذا ما صاح صائح منك أيُّها الإنسان وقال: أنا رسول من الرب الذي خلق لكم كل هذه المخلوقات، كان يجب عليكم أنْ تُرهِفُوا له السمع لتسمعوا ما جاء به؛ لأنه سوف يحلُّ لكم هذا اللغز الذي حيّركم.

وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك بالرجل الذي انقطعتْ به السُّبل في الصحراء حتى أشرف على الهلاك، فإذا هو بمائدة مُعدَّة بأطايب الطعام والشراب، أليس حَرياً به قبل أنْ تمتد يده إليها أنْ يفكر كيف أتتْه؟

إذن: كان على الإنسان أن يُعمل عقله وفِكْره في معطيات الكون التي تخدمه وتسخر من أجله، وهي لا تأتمر بأمره ولا تخضع لقدرته.

ولقد اختلف العلماء في بيان أَوْجُه التكريم في الإنسان، فمنهم مَنْ قال: كُرِّمَ بالعقل، وآخر قال: كُرِّمَ بالتمييز، وآخر قال: كُرِّمَ بالاختيار، ومنهم مَنْ قال: كُرِّمَ الإنسان بأنه يسير مرفوع القامة لا منحنياً إلى الأرض كالبهائم، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّمَ بشكل الأصابع وتناسقها في شكل بديع يسمح لها بالحركة السلسة في تناول الأشياء، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّم بأن يأكلَ بيده لا بفمه كالحيوان. وهكذا كان لكل واحد منهم مَلْحظ في التكريم.

ولنا في مسألة التكريم هذه ملحظ كنت أودُّ أنْ يلتفت إليه العلماء، أَلاَ وهو: أن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة (كُنْ) إلا آدم، فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، قال تعالى:
{  يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }
[ص: 75]

وقال:
{  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }
[الحجر: 29]

فقمة الفضل والتكريم أن خلق الله تعالى أبنا آدم بيده، بدليل أن الله جعلها حيثية له.

ثم يقول الحق سبحانه: { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ... }.


www.alro7.net