سورة
اية:

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ

تفسير بن كثير

يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه وأنه لا دافع له عنهم، والطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم اللّه عليه موسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طوراً، إنما يقال له جبل، { وكتاب مسطور} قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة، التي تقرأ على الناس جهاراً، ولهذا قال: { في رق منشور والبيت المعمور} ، ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في حديث الإسراء: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم) ""هو جزء من حديث طويل في الإسراء أخرجه الشيخان""يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، وهو كعبة أهل السماء السابعة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة، واللّه أعلم. وقال ابن عباس: البيت المعمور هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف. وقال قتادة والسدي: ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: (هل تدرون ما البيت المعمور؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم) وقوله تعالى: { والسقف المرفوع} عن علي قال: يعني السماء، ثم تلا: { وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون} ، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي واختاره ابن جرير، وقال الربيع بن أنَس: هو العرش يعني أنه سقف لجميع المخلوقات، وقوله تعالى: { والبحر المسجور} قال الربيع بن أنَس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل اللّه منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله { المسجور} فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً كقوله، { وإذا البحار سجرت} أي أضرمت فتصير تتأجج محيطة بأهل الموقف، وروي عن علي وابن عباس. وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة، وعن سعيد بن جبير: { والبحر المسجور} يعني المرسل، وقال قتادة: المسجور المملوء، واختاره ابن جرير، وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها، قاله ابن عباس وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن اللّه أن ينفضخ عليهم فيكفه اللّه عزَّ وجلَّ) ""رواه الإمام أحمد في المسند"". وقوله تعالى: { إن عذاب ربك لواقع} هذا هو المقسم عليه أي لواقع بالكافرين، { ماله من دافع} أي ليس له دافع يدفعه عنهم، إذا أراد اللّه بهم ذلك، قال الحافظ ابن أبي الدنيا: خرج عمر يعس المدينة ذات ليلة، فمرّ بدار رجل من المسلمين فوافقه قائماً يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: { والطور - حتى بلغ - إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع} قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره، واستند إلى حائط، فمكث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه رضي اللّه عنه ""رواه ابن أبي الدنيا عن جعفر بن زيد العبدي"". وقوله تعالى: { يوم تمور السماء موراً} قال ابن عباس: تتحرك تحريكاً، وقال مجاهد: تدور دوراً، وقال الضحّاك: استدارتها وتحركها لأمر اللّه وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة، قال وأنشد أبو عبيدة بيت الأعشى فقال: كأنَّ مِشَيتها من بيت جارتها ** مَوْرُ السحابة لا رَيْثٌ ولا عجل { وتسير الجبال سيراً} أي تذهب فتصير هباء منبثاً وتنسف نسفاً، { فويل يومئذ للمكذبين} أي ويل لهم ذلك اليوم من عذاب اللّه ونكاله، { الذين هم في خوض يلعبون} أي هم في الدنيا يخوضون في الباطل ويتخذون دينهم هزواً ولعباً { يوم يُدَعُّون} أي يدفعون ويساقون { إلى نار جهنم دَعّا} ، قال مجاهد والسدي: يدفعون فيها دفعاً { هذه النار التي كنتم بها تكذبون} أي تقول لهم الزبانية ذلك تقريعاً وتوبيخاً، { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها} أي ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، { فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} ، أي سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها، { إنما تجزون ما كنتم تعملون} أي ولا يظلم اللّه أحداً بل يجازي كلاً بعمله.

تفسير الجلالين

{ إن عذاب ربك لواقع } لنازل بمستحقه .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والطور} الطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى؛ أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه من الآيات، وهو أحد جبال الجنة. وروى إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال : حدثنا كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربعة أجبل من جبال الجنة وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة) قيل : فما الأجبل؟ قال : (جبل أحد يحبنا ونحبه والطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من جبال الجنة والجودي جبل من جبال الجنة) وذكر الحديث، وقد استوفيناه في كتاب التذكرة قال مجاهد : الطور هو بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا. وقاله السدي. وقال مقاتل بن حيان : هما طوران يقال لأحدهما طور سينا والآخر طور زيتا؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل : هو جبل بمدين واسمه زبير. قال الجوهري : والزبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. قلت: ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام. وقيل : إن الطور كل جبل أنبت، وما لا ينبت فليس بطور؛ قاله ابن عباس. وقد مضى في [البقرة] مستوفى. قوله تعالى { وكتاب مسطور} أي مكتوب؛ يعني القرآن يقرؤه المومنون من المصاحف ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى { إنه لقرآن كريم . في كتاب مكنون} { الواقعة :78 ـ 79]. وقيل : يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، وكان كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي : هو ما كتب الله لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقال الفراء : هو صحائف الأعمال؛ فمن أخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله؛ نظيره { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} [الإسراء : 13] وقوله { وإذا الصحف نشرت} [التكوير : 10]. وقيل : إنه الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء يقرءون فيه ما كان وما يكون. وقيل : المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين؛ بيانه { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة : 22]. قلت : وفي هذا القول تجوز؛ لأنه عبر بالقلوب عن الرق. قال المبرد : الرق ما رقق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور المبسوط. وكذا قال الجوهري في الصحاح، قال : والرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى { في رق منشور} والرق أيضا العظيم من السلاحف. قال أبو عبيدة : وجمعه رقوق. والمعنى المراد ما قاله الفراء؛ والله أعلم. وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها؛ ومنه قول المتلمس : فكأنما هي من تقادم عهدها ** رق أتيح كتابها مسطور وأما الرق بالكسر فهو الملك؛ يقال : عبد مرقوق. وحكى الماوردي عن ابن عباس : أن الرق بالفتح ما بين المشرق والمغرب. قوله تعالى { والبيت المعمور} قال علي وابن عباس وغيرهما : هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه فلا يعودون إليه. قال علي رضي الله عنه : هو بيت في السماء السادسة. وقيل : في السماء الرابعة؛ ""روى أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة""، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حيال الكعبة لو خر خر عليها يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه) ذكره الماوردي. وحكى القشيري عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا. وقال أبو بكر الأنباري : سأل ابن الكواء عليا رضي الله عنه قال : فما البيت المعمور؟ قال : بيت فوق سبع سموات تحت العرش يقال له الضراح. وكذا في الصحاح : والضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ابن عباس. وعمر أنه كثرة غاشيته من الملائكة. وقال المهدوي عنه : حذاء العرش. والذي في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء : (ثم رفع إلي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) وذكر الحديث. وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (أتيت بالبراق) الحديث؛ وفيه : (ثم عرج بنا إلى السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه). وعن ابن عباس أيضا قال : لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتا، سبعة في السموات. وسبعة في الأرضين والكعبة، وكلها مقابلة للكعبة. وقال الحسن : البيت المعمور هو الكعبة، البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، يعمره الله كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة، وهو أول بيت وضعه الله للعبادة في الأرض. وقال الربيع بن أنس : إن البيت المعمور كان في الأرض موضع الكعبة في زمان آدم عليه السلام، فلما كان زمان نوح عليه السلام أمرهم أن يحجوا فأبوا عليه وعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا، فيعمره كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه حتى ينفخ في الصور، قال : فبوأ الله جل وعز لإبراهيم مكان البيت حيث كان؛ قال الله تعالى { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج : 26]. قوله تعالى { والسقف المرفوع} يعني السماء سماها سقفا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت؛ بيانه { وجعلنا السماء سقفا محفوظا} [الأنبياء : 32]. وقال، ابن عباس : هو العرش وهو سقف الجنة. { والبحر المسجور} قال مجاهد : الموقد؛ وقد جاء في الخبر : (إن البحر يسجر يوم القيامة فيكون نارا). وقال قتادة : المملوء. وأنشد النحويون للنمر بن تولب : إذا شاء طالع مسجورة ** ترى حولها النبع والساسما يريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة. فيجوز أن يكون المملوء نارا فيكون كالقول المتقدم. وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش بأنه الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور. ومنه قيل : للمسعر مسجر؛ ودليل هذا التأويل قوله تعالى { وإذا البحار سجرت} [التكوير : 6] أي أوقدت؛ سجرت التنور أسجره سجرا أي أحميته. وقال سعيد بن المسيب : قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود : أين جهنم؟ قال : البحر. قال ما أراك إلا صادقا، وتلا { والبحر المسجور} . { وإذا البحار سجرت} [التكوير : 6] مخففة. وقال عبدالله بن عمرو : لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال كعب : يسجر البحر غدا فيزاد في نار جهنم؛ فهذا قول وقال ابن عباس : المسجور الذي ذهب ماؤه. وقاله أبو العالية. وروى عطية وذو الرمة الشاعر عن ابن عباس قال : خرجت أمة لتستقي فقالت : إن الحوض مسجور أي فارع، قال ابن أبي داود : ليس لذي الرمة حديث إلا هذا. وقيل : المسجور أي المفجور؛ دليله { وإذا البحار فجرت} [الانفطار : 3] أي تنشفها الأرض فلا يبقى فيها ماء. وقول ثالث قاله علي رضي الله عنه وعكرمة. قال أبو مكين : سألت عكرمة عن البحر المسجور فقال : هو بحر دون العرش. وقال علي : تحت العرش فيه ماء غليظ. ويقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم. وقال الربيع بن أنس : المسجور المختلط العذب بالملح. قلت : إليه يرجع معنى { فجرت} في أحد التأويلين؛ أي فجر عذبها في مالحها : والله أعلم. وسيأتي. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : المسجور المحبوس. قوله تعالى { إن عذاب ربك لواقع} هذا جواب القسم؛ أي واقع بالمشركين. قال جبير بن مطعم : قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب { والطور} إلى قوله { إن عذاب ربك لواقع. ما له من دافع} فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وقال هشام بن حسان : انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ { والطور} حتى بلغ { إن عذاب ربك لواقع. ماله من دافع} فبكى الحسن وبكى أصحابه؛ فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. ولما ولي بكار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب إلى الصلح بينهما، وأنه يعطي خصمه من عنده عوضا من يمينه فأبى إلا اليمين، فأحلفه بأول { والطور} إلى أن قال له قل { إن عذاب ربك لواقع} إن كنت كاذبا؛ فقالها فخرج فكسر من حينه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الطور الايات 6 - 21

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: عذاب الآخرة واقع أي حادث لا شكَّ فيه، لأن الذي وعد به وأخبر به هو القوي والقادر الأعلى الذي لا يردُّ أحدٌ كلمته، ولا يقف أحدٌ ليمنعه عن إرادته، فالله سبحانه ليس له نِدٌّ وليس له شريك، وليس له نظير ولا معارض.

ما دام الأمر كذلك { مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } [الطور: 8] أي: لا أحدَ يستطيع أنْ يدفع عذاب الله إنْ وقع، ولا يمنعه إنْ جاء موعده. ومتى موعده.

يقول: { يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً } [الطور: 9].


www.alro7.net