سورة
اية:

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله الملائكة من الكروبيين، بأنهم { يسبّحون بحمد ربهم} أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، { ويؤمنون به} أي خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم { يستغفرون للذين آمنوا} أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض اللّه تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في الصحيح: (إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله) أخرجه مسلم في صحيحه، قال شهر بن حوشب رضي اللّه عنه: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً} أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} ، أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخير وترك المنكرات، { وقهم عذاب الجحيم} أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم، { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة، كما قال تبارك وتعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} أي وساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل، تفضلاً منا ومنة. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} ، وقوله تبارك وتعالى { إنك أنت العزيز الحكيم} أي الذي لا يمانع ولا يغالب، { وقهم السيئات} أي فعلها، أو وبالها ممن وقعت منه، { ومن تق السيئات يومئذ} أي يوم القيامة { فقد رحمته} أي لطفت به ونجيته من العقوبة { وذلك هو الفوز العظيم} .

تفسير الجلالين

{ الذين يحملون العرش } مبتدأ { ومن حوله } عطف عليه { يسبحون } خبره { بحمد ربهم } ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان الله وبحمده { ويؤمنون به } تعالى ببصائرهم أي يصدقون بوحدانيته { ويستغفرون للذين آمنوا } يقولون { ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلما } أي وسعت رحمتك كلَّ شيء وعلمك كل شيء { فاغفر للذين تابوا } من الشرك { واتبعوا سبيلك } دين الإسلام { وقهم عذاب الجحيم } النار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْش وَمَنْ حَوْله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَرْش اللَّه مِنْ مَلَائِكَته , وَمَنْ حَوْل عَرْشه , مِمَّنْ يَحُفّ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ } يَقُول : يُصَلُّونَ لِرَبِّهِمْ بِحَمْدِهِ وَشُكْره { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } يَقُول : وَيُقِرُّونَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَا إِلَه لَهُمْ سِوَاهُ , وَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ , لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } يَقُول : وَيَسْأَلُونَ رَبّهمْ أَنْ يَغْفِر لِلَّذِينَ أَقَرُّوا بِمِثْلِ إِقْرَارهمْ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنْ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ ذُنُوبهمْ , فَيَعْفُوهَا عَنْهُمْ , كَمَا : 23341 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } لِأَهْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْش وَمَنْ حَوْله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَرْش اللَّه مِنْ مَلَائِكَته , وَمَنْ حَوْل عَرْشه , مِمَّنْ يَحُفّ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ } يَقُول : يُصَلُّونَ لِرَبِّهِمْ بِحَمْدِهِ وَشُكْره { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } يَقُول : وَيُقِرُّونَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَا إِلَه لَهُمْ سِوَاهُ , وَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ , لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } يَقُول : وَيَسْأَلُونَ رَبّهمْ أَنْ يَغْفِر لِلَّذِينَ أَقَرُّوا بِمِثْلِ إِقْرَارهمْ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنْ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ ذُنُوبهمْ , فَيَعْفُوهَا عَنْهُمْ , كَمَا : 23341 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } لِأَهْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . ' وَقَوْله : { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا } , وَفِي هَذَا الْكَلَام مَحْذُوف , وَهُوَ يَقُولُونَ ; وَمَعْنَى الْكَلَام وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا } : وَسِعْت رَحْمَتك وَعِلْمك كُلّ شَيْء مِنْ خَلْقك , فَعَلِمْت كُلّ شَيْء , فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْك شَيْء , وَرَحِمْت خَلْقك , وَوَسِعْتهمْ بِرَحْمَتِك . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الرَّحْمَة وَالْعِلْم , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : اِنْتِصَاب ذَلِكَ كَانْتِصَابِ لَك مِثْله عَبْدًا , لِأَنَّك قَدْ جَعَلْت وَسِعْت كُلّ شَيْء , وَهُوَ مَفْعُول لَهُ , وَالْفَاعِل التَّاء , وَجَاءَ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْم تَفْسِيرًا , وَقَدْ شُغِلَتْ عَنْهُمَا الْفِعْل كَمَا شُغِلَتْ الْمِثْل بِالْهَاءِ , فَلِذَلِكَ نَصَبَتْهُ تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ بَعْد الْفَاعِل ; وَقَالَا غَيْره : هُوَ مِنْ الْمَنْقُول , وَهُوَ مُفَسَّر , وَسِعَتْ رَحْمَته وَعِلْمه , وَوَسِعَ هُوَ كُلّ شَيْء رَحْمَة , كَمَا تَقُول : طَابَتْ بِهِ نَفْسِي , وَطِبْت بِهِ نَفْسًا , . قَالَ : أَمَا لَك مِثْله عَبْدًا , فَإِنَّ الْمَقَادِير لَا تَكُون إِلَّا مَعْلُومَة مِثْل عِنْدِي رِطْل زَيْتًا , وَالْمِثْل غَيْر مَعْلُوم , وَلَكِنْ لَفْظه لَفْظ الْمَعْرِفَة وَالْعَبْد نَكِرَة , فَلِذَلِكَ نَصَبَ الْعَبْد , وَلَهُ أَنْ يَرْفَع , وَاسْتُشْهِدَ لَقِيله ذَلِكَ بِقَوْل الشَّاعِر : مَا فِي مَعْد وَالْقَبَائِل كُلّهَا قَحْطَان مِثْلك وَاحِد مَعْدُود وَقَالَ : رَدَّ " الْوَاحِد " عَلَى " مِثْل " لِأَنَّهُ نَكِرَة , قَالَ : وَلَوْ قُلْت : مَا مِثْلك رَجُل , وَمِثْلك رَجُل , وَمِثْلك رَجُلًا , جَازَ , لِأَنَّ مِثْل يَكُون نَكِرَة , وَإِنْ كَانَ لَفْظهَا مَعْرِفَة .وَقَوْله : { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا } , وَفِي هَذَا الْكَلَام مَحْذُوف , وَهُوَ يَقُولُونَ ; وَمَعْنَى الْكَلَام وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا } : وَسِعْت رَحْمَتك وَعِلْمك كُلّ شَيْء مِنْ خَلْقك , فَعَلِمْت كُلّ شَيْء , فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْك شَيْء , وَرَحِمْت خَلْقك , وَوَسِعْتهمْ بِرَحْمَتِك . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الرَّحْمَة وَالْعِلْم , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : اِنْتِصَاب ذَلِكَ كَانْتِصَابِ لَك مِثْله عَبْدًا , لِأَنَّك قَدْ جَعَلْت وَسِعْت كُلّ شَيْء , وَهُوَ مَفْعُول لَهُ , وَالْفَاعِل التَّاء , وَجَاءَ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْم تَفْسِيرًا , وَقَدْ شُغِلَتْ عَنْهُمَا الْفِعْل كَمَا شُغِلَتْ الْمِثْل بِالْهَاءِ , فَلِذَلِكَ نَصَبَتْهُ تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ بَعْد الْفَاعِل ; وَقَالَا غَيْره : هُوَ مِنْ الْمَنْقُول , وَهُوَ مُفَسَّر , وَسِعَتْ رَحْمَته وَعِلْمه , وَوَسِعَ هُوَ كُلّ شَيْء رَحْمَة , كَمَا تَقُول : طَابَتْ بِهِ نَفْسِي , وَطِبْت بِهِ نَفْسًا , . قَالَ : أَمَا لَك مِثْله عَبْدًا , فَإِنَّ الْمَقَادِير لَا تَكُون إِلَّا مَعْلُومَة مِثْل عِنْدِي رِطْل زَيْتًا , وَالْمِثْل غَيْر مَعْلُوم , وَلَكِنْ لَفْظه لَفْظ الْمَعْرِفَة وَالْعَبْد نَكِرَة , فَلِذَلِكَ نَصَبَ الْعَبْد , وَلَهُ أَنْ يَرْفَع , وَاسْتُشْهِدَ لَقِيله ذَلِكَ بِقَوْل الشَّاعِر : مَا فِي مَعْد وَالْقَبَائِل كُلّهَا قَحْطَان مِثْلك وَاحِد مَعْدُود وَقَالَ : رَدَّ " الْوَاحِد " عَلَى " مِثْل " لِأَنَّهُ نَكِرَة , قَالَ : وَلَوْ قُلْت : مَا مِثْلك رَجُل , وَمِثْلك رَجُل , وَمِثْلك رَجُلًا , جَازَ , لِأَنَّ مِثْل يَكُون نَكِرَة , وَإِنْ كَانَ لَفْظهَا مَعْرِفَة .' وَقَوْله : { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } يَقُول : فَاصْفَحْ عَنْ جُرْم مَنْ تَابَ مِنْ الشِّرْك بِك مِنْ عِبَادك , فَرَجَعَ إِلَى تَوْحِيدك , وَاتَّبَعَ أَمْرك وَنَهْيك , كَمَا : 23342 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } مِنْ الشِّرْك . وَقَوْله : { وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } يَقُول : وَسَلَكُوا الطَّرِيق الَّذِي أَمَرْتهمْ أَنْ يَسْلُكُوهُ , وَلَزِمُوا الْمِنْهَاج الَّذِي أَمَرْتهمْ بِلُزُومِهِ , وَذَلِكَ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23343 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } : أَيْ طَاعَتك . وَقَوْله : { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } يَقُول : فَاصْفَحْ عَنْ جُرْم مَنْ تَابَ مِنْ الشِّرْك بِك مِنْ عِبَادك , فَرَجَعَ إِلَى تَوْحِيدك , وَاتَّبَعَ أَمْرك وَنَهْيك , كَمَا : 23342 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } مِنْ الشِّرْك . وَقَوْله : { وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } يَقُول : وَسَلَكُوا الطَّرِيق الَّذِي أَمَرْتهمْ أَنْ يَسْلُكُوهُ , وَلَزِمُوا الْمِنْهَاج الَّذِي أَمَرْتهمْ بِلُزُومِهِ , وَذَلِكَ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23343 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاتَّبَعُوا سَبِيلك } : أَيْ طَاعَتك . ' وَقَوْله : { وَقِهِمْ عَذَاب الْجَحِيم } يَقُول : وَاصْرِفْ عَنْ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ الشِّرْك , وَاتَّبَعُوا سَبِيلك عَذَاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة .وَقَوْله : { وَقِهِمْ عَذَاب الْجَحِيم } يَقُول : وَاصْرِفْ عَنْ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ الشِّرْك , وَاتَّبَعُوا سَبِيلك عَذَاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح} على تأنيث الجماعة أي كذبت الرسل. { والأحزاب من بعدهم} أي والأمم الذين تحزبوا عل أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم. { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} أي ليحبسوه ويعذبوه. وقال قتادة والسدي : ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك؛ كقوله: { ثم أخذتهم فكيف كان نكير} [الحج : 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ؛ لأنه مأسور للقتل؛ وأنشد قطرب قول الشاعر : فإما تأخذوني تقتلوني ** فكم من آخذ يهوَى خلودي وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان : أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم. { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} أي ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال يحيى بن سلام : جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. { فأخذتهم} أي بالعذاب. { فكيف كان عقاب} أي عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس وجدوه حقا. قوله تعالى: { وكذلك حقت} أي وجبت ولزمت؛ مأخوذ من الحق لأنه اللازم. { كلمة ربك} هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: { كلمات} جمعا. { على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} قال الأخفش : أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج : ويجوز إنهم بكسر الهمزة. { أصحاب النار} أي المعذبون بها وتم الكلام. قوله تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} ويروى : أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث : (أن الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة). ويقال : خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوامه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل : حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف، وقد وضعوا الإيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: { العرش} بضم العين؛ ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله. وقيل : اتصل هذا بذكر الكفار؛ لأن المعنى والله أعلم - { الذين يحملون العرش ومن حوله} ينزهون الله عز وجل عما يقوله الكفار وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام) ذكره البيهقي وقد مضى في { البقرة} في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال : لما خلق الله تعالى العرش قال : لن يخلق الله خلقا أعظم مني؛ فاهتز فطوقه الله بحية، للحية سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به. وقال مجاهد : بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة. { ربنا} أي يقولون { ربنا} { وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير. { فاغفر للذين تابوا} أي من الشرك والمعاصي { واتبعوا سبيلك} أي دين الإسلام. { وقهم عذاب الجحيم} أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم. قال إبراهيم النخعي : كان أصحاب عبدالله يقولون الملائكة خير من ابن الكواء؛ هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، قال إبراهيم : وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرف بن عبدالله : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية : افهموها فما في العالم جنة أرجى منها؛ إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزار القارئ : كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت { ويستغفرون للذين آمنوا} بكى ثم قال : يا خلف ما أكرم المؤمن على الله نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له. قوله تعالى: { ربنا وأدخلهم جنات عدن} يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار : ما جنات عدن. قال : قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. { التي وعدتهم} { التي} في محل نصب نعتا للجنات. { ومن صلح} { من} في محل نصب عطفا على الهاء والميم في قوله: { وأدخلهم} . { ومن صلح} بالإيمان { من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} وقد مضى في { الرعد} نظير هذه الآية. قال سعيد بن جبير : يدخل الرجل الجنة، فيقول : يا رب أين أبي وجدي وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك؛ فيقول : يا رب كنت أعمل لي ولهم؛ فيقال ادخلوهم الجنة. ثم تلا { الذين يحملون العرش ومن حوله} إلى قوله: { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} . ويقرب من هذه الآية قوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } [الطور: 21]. قوله تعالى: { وقهم السيئات} قال قتادة : أي وقهم ما يسوءهم، وقيل : التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أمر من وقاه الله يقيه وقاية بالكسر؛ أي حفظه. { ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} أي بدخول الجنة { وذلك هو الفوز العظيم} أي النجاة الكبيرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 5 - 11

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هؤلاء هم الملائكة الذين خلقهم الله لتسبيحه سبحانه، فلا عملَ لهم غير تسبيح الله وهم حملة العرش ومَنْ حوله. والتسبيح كما قلنا من المقاليد، ومعنى { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. } [غافر: 7] أي: يُنزهونه سبحانه عن مشابهة خَلْقه في الأسماء والأفعال والصفات.

لذلك قلنا: إذا اشترك الحق سبحانه مع خَلْقه في شيء فلا بدَّ أنْ نأخذه في إطار
{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. }
[الشورى: 11].

فلله فعل ولك فعل، لكن لا تَقِسْ فعلم بفعل ربك سبحانه، وهذه المسألة أوضحناها في شرح أول سورة الإسراء، فلما كان الحدث مُستغرباً بدأ الله تعالى السورة بالتسبيح
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. }
[الإسراء: 1] قالها بداية حتى لا نقيس فعل الله على فعل البشر ولا قدرة الله بقدرة البشر، فلله تعالى فعل ولك فعل، لكن فعل الله ليس كفعلك، فإياك أنْ تقول المسافة والزمن.

وكلمة (سبحان الله) تعني تنزيه الله تعالى عن كل ما يشبه البشر، لذلك قالوا: كلُّ ما يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، وهذا التنزيه ليس طارئاً بوجود مَنْ ينزه الله إنما هو أزليّ قبل أنْ يخلق الله مَنْ ينزهه، فهو سبحانه مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ ينزهه.

لذلك لما وُجدَتْ السماء والأرض قال:
{  سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. }
[الحديد: 1] أي: سبَّحوا الله ساعة خُلِقوا فقالوا: سبحان الله الخالق العظيم، ولا يزالون يُسبِّحون، كما قال:
{  يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. }
[الجمعة: 1] فالتسبيح موصول دائم، فإذا كان الكون كله سبَّح لله ولا يزال يُسبِّح، والكون مخلوق لك أيها الإنسان فأنت أَوْلَى بالتسبيح منه، لذلك قال:
{  سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }
[الأعلى: 1].

وتسبيح الله تنزيه له سبحانه في أفعاله وفي صفاته، فحين تتأمل مثلاً مسألة الخلق تجد خَلْق الإنسان من طين، فهل يمكنك أنْ تأخذ قطعة من الطين فتُسويها على هيئة إنسان ثم تنفخ فيها أنت الروح؟ هذه العملية لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.

لذلك سيدنا عيسى عليه السلام لما أراد الله أنْ يجعل له آية ومعجزة في مسألة الخَلْق قال:
{  أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. }
[آل عمران: 49] فقال في نفخ الروح
{  بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. }
[آل عمران: 49] لأنه بذاته لا يستطيع هذه العملية، إنما كوني أُصوِّر تمثالاً على هيئة إنسان أو طائر فهذه مسالة سهلة.

إذن: كان عليك أيها الإنسان الذي كرَّمه الله، كان عليك أن تسبح، لأن الكون والجماد الذي خلقه الله لك سبَّح وما يزال.

وقوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ.. } [غافر: 7] هم الملائكة حملة العرش. إذن: العرش محمول، وهؤلاء الملائكة حتى عددهم فيه إعجاز، فالحق سبحانه أخبر أنهم ثمانية
{  وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }
[الحاقة: 17].

فلماذا لم يجعلهم أربعة فيكون كما تعوّدنا في أيّ بناء له أربعة أركان، ولماذا لم يكونوا خمسة مثلاً. إذن: لابدَّ أن في هذا العدد بالذات حكمة وإعجازاً.

وهذا الإعجاز العددي واضح أيضاً في قوله تعالى:
{  عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }
[المدثر: 30] فلماذا تسعة عشر بالذات؟ لماذا لم يجعلهم عشرين مثلاً، هذا دليل على أن وراء هذا العدد حكمة، وقد أخبر الله تعالى أن هذا العدد فتنة
{  وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ.. }
[المدثر: 31].

والإيمان يقتضي التصديق بما أخبر به الحق سبحانه وألاَّ تناقش مثل هذه المسائل، المهم قال أو لم يَقُل: حدث الشيء أو لم يحدث، لذلك سيدنا أبو بكر لما أخبروه أن صاحبك يدَّعي أنه رسول، ماذا قال؟ قال: ألا وقد قالها؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق ولم يبحث في المسألة، كذلك نحن في كل أمر يقف فيه العقل، ما دام قد جاءنا فيه خبرٌ من عند الله فعلينا أنْ نقبله ونؤمن به
{  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً }
[النساء: 87].

وكَوْن عقلك يستوعب هذا الخبر أو لا يستوعبه فهذا موضوع آخر، لأن هناك فرقاً بين الوجود وكيفية الوجود، فقد يوجد الشيء لكنك لا تعرف كيف وُجِد.

تأمل في قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين قال:
{  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. }
[البقرة: 260].

تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى (بلى) يعني آمنت والإيمان يقتضي اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها:
{  وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. }
[البقرة: 260]؟

ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو فهمتَ معناه ما اتهمتَ القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال
{  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي.. }
[البقرة: 260] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشُكّ في قدرة الله، ولكنه يسأل عن الكيفية
{  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ.. }
[البقرة: 260] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو قلت لك: كيف بنيتَ هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل.

إذن: فقوله (بَلَى) يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخَلْق وكيفية الإيجاد لأنها عملية لا تتأتى كلاماً، لأن فِعْل الله تعالى ليس علاجاً كفعل البشر.

فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرتُ الأساس وأحضرتُ الحديد والأسمنت وفعلتُ كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفّذ، وفلان بنى، وفلان (غفق).. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إنْ أردت ولا تجد فيها اختلافاً، لكن إنْ أردنا أنْ نُبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟

إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بدّ من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن الله تعالى أراد أن يُجريها إبراهيم بنفسه، وألاَّ تجرى له إنما يمارسها بنفسه.وفَرْقٌ بين أنْ تُعدَّى قدرتك لغيرك فتنفعل له، وأنْ تُعدَّى قدرتك لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلاً قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله.

وهذا ما فعله الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام:
{  قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.. }
[البقرة: 260] أي: ضُمهن إليك واعرف أوصافهن
{  ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا.. }
[البقرة: 260] يعني: اذبحهن وفرِّقْ أجزاءهن على الجبال
{  ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً }
[البقرة: 260].

إذن: هو الذي يذبح، وهو الذي يُقطِّع الأجزاء، وهو الذي يُفرِّقها، وهو الذي ينادي عليها بنفسه فتتجمع بقدرة الله ويأتينَ سَعْياً كما كُنَّ من قبل، فإذا كنت أقدرت ما لا يقدر على القدرة ألا أقدر أنا عليها؟

والعرش هو سمة استتباب الملْك والسيطرة على الحكم والاستيلاء عليه، وليس من الضروري أنْ يقعد على العرش بالفعل، لذلك لما تكلم الهدهد عن ملكة سبأ قال:
{  وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }
[النمل: 23] لأن الملك لا يقعد على العرش إلا عندما تستقر له الأمور، وتدين له البلاد، فإنْ كانت هناك منطقة معترضة أو مشاغبة للملك تفرغ لها حتى تدين له، وعندها يستقر له الملْك.

ولما تكلم الحق سبحانه عن استوائه على العرش قال سبحانه:
{  قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا.. }
[فصلت: 9-12].

إذن: فاستواؤه سبحانه على العرش جاء بعد أن انتهى من الخَلْق وتَمَّ له كل شيء من أمور الملك والسيطرة الكاملة.

فقوله سبحانه: { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ.. } [غافر: 7] هم الملائكة الثمانية حملة العرش. { وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. } [غافر: 7] وهؤلاء نوع آخر من الملائكة، وهم الكروبيون الذين لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، وليس في بالهم هذا الكون كله، ولا يدرون عنه شيئاً، فقط { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. } [غافر: 7].

لكن هؤلاء الكروبيين الذين يحيطون بالعرش الذين يحيطون بالعرش ويُسبِّحون الله ولا عملَ لهم غير ذلك، هل يروْنَ الله سبحانه وهو على العرش؟ قال علماؤنا رحمهم الله: أنهم رغم منزلتهم هذه إلا أنهم لا يروْنَ الله تعالى، وأظهر هذه الأقوال قول الفخر الرازي رحمه الله، فلما تكلم في هذه الآية { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. } [غافر: 7] استأنس برأي صاحب الكشاف الذي سبقه وقال: إن معنى { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. } [غافر: 7] أنهم لا يرونه سبحانه لأن المشهديات ليس فيها إيمان، الإيمان للغيبيات، فلو أنهم شهدوا الله وهو على العرش ما قال في حقهم { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. } [غافر: 7] ثم قال الفخر الرازي: ولو لم يكُنْ للإمام صاحب الكشاف إلا هذه لكفتْهُ طيلة حياته، هذا مع ما بين الإمامين من خلاف في الرأي.

إذن: لا نفهم من مكانة هؤلاء الملائكة وقربهم من ذي الجلال سبحانه أنهم يروْنَه، لا بل هو سبحانه بالنسبة لهم غيب لا يرونه، يؤكد هذا قوله سبحانه { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. } [غافر: 7] فأنت الآن في هذا المجلس لا تقول مثلاً: آمنتُ بأن الشيخ الشعراوي جالس وحوله مُحبِّوه ويتكلم في كذا وكذا، لأن ما نحن فيه الآن مشهد لا دخْلَ للإيمان فيه، الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي وهذه ميزة الإيمان، لذلك كثيراً ما يتكر قوله تعالى:
{  ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ.. }
[البقرة: 3].

وسبق أنْ ضربنا مثلاً قلنا: هَبْ أنني أخاف من اللصوص فأخذت مالي الذي أخاف عليه وذهبتُ إلى مكان بعيد في الحديقة مثلاً ووضعت المال وفوقه حجر ثقيل، ولما احتجتُ لهذا المال ناديتُ العامل: يا فلان ارفع هذا الحجر، فقال: لا أستطيع وحدي فهو ثقيل، فقلت له: تدري ماذا تحت هذا الحجر؟ تحته المال الذي سأعطيك منه راتبك، عندها يتقدم إلى الحجر ويرفعه، إذن: المهم ليس إطاعة الأمر الذي عُلِم منفعته، إنما إطاعة الأمر وهو غيب عنك.

ومعنى { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. } [غافر: 7] أي: تسبيحاً مقروناً بالحمد، لأن التسبيح ثناءٌ على الله، أما الحمد فشكرٌ لله على نعمه التي سبقتْ، ومن أجلِّ النعم أنه سبحانه لا يشبهه شيء ولو وجد له شبيه لحدثَ تعارض في الكون:
{  إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. }
[المؤمنون: 91] فهو وحده المعبود، وهو وحده المستحق للحمد.

ثم بعد ذلك { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. } [غافر: 7] أي: أن هؤلاء الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن يقولون: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } [غافر: 7].

هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة بـ (ربنا) محذوف الياء التي للنداء فلم يقُلْ: يا ربنا لأن النداء بالياء يدل على بُعْد المنادَى، أما الأبعد فيُنادى بأيا، والقريب يُنادى بالهمزة مثل: أمحمد.

أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم في ندائه أيَّ حرف من حروف النداء، لأنه أقربُ لعبده من حبل الوريد، لذلك نناديه سبحانه مباشرة (ربنا)، ولك أنْ تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه سبحانه حرفاً من أحرف النداء.

حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا:
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ.. }
[الأنفال: 32] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عِوَضٌ عن ياء النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم.

ثم يتابع الحق سبحانه ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ...) [غافر: 8].


www.alro7.net