سورة
اية:

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب اللّه وينتفعون بسماعه، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام اللّه، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء، بالألحان وآلات الطرب ( قال السيوطي: أخرج ابن جويبر: نزلت في النضر بن الحارث، اشترى قينة، وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، يقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وقيل: إن النضر هذا كان من بني عبد الدار، وكان قد تعلم أخبار فارس في الجاهلية ) روى ابن جرير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الّله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه} فقال عبد اللّه بن مسعود: الغناء، واللّه الذي لا إله إلا هو، يردها ثلاث مرات، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه بغير علم} في الغناء والمزامير، وقيل: أراد بقوله: { يشتري لهو الحديث} اشتراء المغنيات من الجواري، قال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال: ( لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عزَّ وجلَّ عليَّ: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي وابن جرير""، قال الضحّاك: { لهو الحديث} يعني الشرك، وبه قال ابن أسلم، واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات اللّه واتباع سبيله، وقوله: { ليضل عن سبيل اللّه} أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله،وقوله تعالى: { ويتخذها هزواً} قال مجاهد: ويتخذ سبيل اللّه هزواً يستهزئ بها، وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات اللّه هزواً، وقول مجاهد أولى. وقوله: { أولئك لهم عذاب مهين} أي كما استهانوا بآيات اللّه وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر، ثم قال تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً} أي هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها وأعرض وأدبر، وتصامم وما به من صمم: كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها، { فبشره بعذاب أليم} أي يوم القيامة يؤلمه كما تألم بسماع كتاب اللّه وآياته.

تفسير الجلالين

{ وإذا تتلى عليه آياتنا } أي القرآن { ولَّى مستكبرا } متكبرا { كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا } صمما وجملتا التشبيه حالان من ضمير ولَّى أو الثانية بيان للأولى { فبشِّره } أعلمه { بعذاب أليم } مؤلم وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث، كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول: إن محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا تُتْلَى عَلَى هَذَا الَّذِي اشْتَرَى لَهْو الْحَدِيث لِلْإِضْلَالِ عَنْ سَبِيل اللَّه , آيَات كِتَاب اللَّه , فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ { وَلَّى مُسْتَكْبِرًا } يَقُول : أَدْبَرَ عَنْهَا , وَاسْتَكْبَرَ اسْتِكْبَارًا , وَأَعْرَضَ عَنْ سَمَاع الْحَقّ وَالْإِجَابَة عَنْهُ { كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } يَقُول : ثِقَلًا , فَلَا يُطِيق مِنْ أَجْله سَمَاعَهُ , كَمَا : 21377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } قَالَ : ثِقَلًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا تُتْلَى عَلَى هَذَا الَّذِي اشْتَرَى لَهْو الْحَدِيث لِلْإِضْلَالِ عَنْ سَبِيل اللَّه , آيَات كِتَاب اللَّه , فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ { وَلَّى مُسْتَكْبِرًا } يَقُول : أَدْبَرَ عَنْهَا , وَاسْتَكْبَرَ اسْتِكْبَارًا , وَأَعْرَضَ عَنْ سَمَاع الْحَقّ وَالْإِجَابَة عَنْهُ { كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } يَقُول : ثِقَلًا , فَلَا يُطِيق مِنْ أَجْله سَمَاعَهُ , كَمَا : 21377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } قَالَ : ثِقَلًا . ' وَقَوْله { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَبَشِّرْ هَذَا الْمُعْرِض عَنْ آيَات اللَّه إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ اسْتِكْبَارًا بِعَذَابٍ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مُوجِع , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار .وَقَوْله { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَبَشِّرْ هَذَا الْمُعْرِض عَنْ آيَات اللَّه إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ اسْتِكْبَارًا بِعَذَابٍ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مُوجِع , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا} يعني القرآن. { ولى} أي أعرض. { مستكبرا} نصب على الحال. { كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} ثقلا وصمما. وقد تقدم. { فبشره بعذاب أليم} تقدم أيضا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 6 - 10

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً... } [لقمان: 7] بعد قوله:
{  وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }
[لقمان: 6] يدلنا على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ أمر دعوته، حتى لمن يعلم عنه أنه ضَلَّ في نفسه، بل ويريد أنْ يُضل غيره.

ومعنى { وَلَّىٰ } [لقمان: 7] يعني: أعرض وأعطانا (عرض أكتافه) كما نقول: وتولى وهو مستكبر { وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } [لقمان: 7] أي: تكبَّر على ما يُدْعى إليه، أنت دُعيت إلى حق فاستكبرت، ولو كنت مستكبراً في ذاتك لما لجأت إلى باطل لتشتريه، إذن: فكيف تستكبر عن قبول الحق وأنت محتاج حتى إلى الباطل؟

ولماذا تتكبَّر وليس عندك مُقوِّمات الكِبْر؟ ومعلوم أنك تستكبر عن قبول الشيء إنْ كان عندك مثله، فكيف وأنت لا تملك لا مثله ولا أقل منه؟

إذن: فاستكبارك في غير محله، والمستكبر دائماً إنسان في غفلة عن الله؛ لأنه نظر إلى نفسه بالنسبة للناس - وربما كان لديه من المقومات ما يستكبر به على الناس - لكنه غفل عن الله، ولو استحضر جلال ربه وكبرياءه سبحانه لاستحى أنْ يتكبَّر، فالكبرياء صفة العظمة وصفة الجلال التي لا تنبغي إلا لله تعالى، فكبرياؤه سبحانه شرف لنا وحماية تمنعنا أن نكون عبيداً لغيره سبحانه.

لذلك نسمع في الأمثال العامية (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فإنْ كان لي كبير خافني الناس واحتميتُ به، كذلك المؤمن يحتمي بكبرياء ربه؛ لأن كبرياء الله على الجميع والكل أمامه سواسية، لا أحد يستطيع أن يرفع رأسه أمام الحق سبحانه.

إذن: فكبرياؤه تعالى لصالحنا نحن.

وهذا المستكبر استكبر عن سماع الآيات { كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً } [لقمان: 7] أي: ثِقَل وصَمَم { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [لقمان: 7] ونحن نعلم أن البشارة لا تكون إلا في الخير، فهي الإخبار بأمر سارٍّ لم يأْت زمنه، كما تبشر ولدك بالنجاح قبل أنْ تظهر النتيجة.

أما البشارة بالعذاب فعلى سبيل التهكّم بهم والسخرية منهم، كما تتهكم من التلميذ المهمل فتقول له: أبشرك رسبت هذا العام. واستخدام البُشرى في العذاب كأنك تنقله فجأة من الانبساط إلى الانقباض، وفي هذا إيلام للنفس قبل أن تُقاسي ألم العذاب، فالتلميذ الذي تقول له: أُبشِّرك يستبشر الخير بالبشرى، ويظن أنه نجح لكن يُفَاجأ بالحقيقة التي تؤلمه.

والشاعر يُصوِّر لنا هذه الصدمة الشعورية بقوله:
كَما أبرقَتْ يَوْماً عِطَاشَاً غَمامَةٌ   فَلمّا رأوْهَا أقْشَعَتْ وتجلَّتِ
ويقول آخر:
فَأصْبحتُ من ليلى الغَداةَ كقَابِضٍ   علَى الماء خَانتْه فُروجُ الأصَابِع
لذلك يقولون: ليس أشرّ على النفس من الابتداء المطمع يأتي بعده الانتهاء الموئس، وسبق أن مثلنا لذلك بالسجين الذي بلغ به العطش منتهاه، ورجا السجان، إلى أنْ جاء له بكوب من الماء، ففرح واستبشر، وظن أن سبحانه رجل طيب أصيل فلما رفع الكوب إلى فيه ضربه السجان من يده فأراقه على الأرض.ولا شكَّ أن هذا آلم وأشدّ على نفس السجين، ولو رفض السجان أنْ يأتي له بالماء من البداية لكان أخفّ ألماً. وهذا الفعل يسمونه " يأس بعد إطماع " فقد ابتدأ معه بداية مُطمِعة، وانتهى به إلى نهاية موئسة، نعوذ بالله من القبض بعد البسط.

ثم يذكر الحق سبحانه عقوبة الإضلال عن سبيل الله والتولِّي والاستكبار { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [لقمان: 7] فعذابهم مرة (مهين) ومرة (أليم).

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ... }.


www.alro7.net