سورة
اية:

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً، أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، كقوله تعالى: { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به. وقوله: { فإذا جاء وعد أولاهما} أي أولى الإفسادتين { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} أي سلَّطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، { فجاسوا خلال الديار} أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ووسطها ذاهبين وجائين لا يخافون أحداً، { وكان وعدا مفعولا} . وقد اختلف المفسرون في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت وجنوده سلط عليهم أولاً ثم أديلوا عليه بعد ذلك؛ وقتل داود جالوت، ولهذا قال: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم} الآية. وعن سعيد بن جبير وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل. وقد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط اللّه عليهم عدّوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقاً { وما ربك بظلام للعبيد} ، فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم، فسكن. وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور. وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته واللّه أعلم. ثم قال تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي فعليها، كما قال تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} ، وقوله: { فإذا جاء وعد الآخرة} قال مجاهد: بعث عليهم بختنصر في الآخرة، كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. وقوله: { عبادا لنا} قال ابن عباس وقتادة: بعث اللّه عليهم جالوت، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي العجائب للكرماني: قيل هم سنحاريب وجنوده. وقيل: العمالقة، وقيل: قوم مؤمنون أي الكرة الآخرة، أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم { ليسوءوا وجوهكم} : أي يهينوكم ويقهروكم، { وليدخلوا المسجد} أي بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة} : أي في التي جاسوا فيها خلال الديار، { وليتبروا} : أي يدمروا ويخربوا { ما علوا} أي ما ظهروا عليه { تتبيرا . عسى ربكم أن يرحمكم} : أي فيصرفهم عنكم، { وإن عدتم عدنا} أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد عنه. قال ابن عباس { حصيرا} أي سجناً. وقال الحسن: فراشاً ومهاداً، وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل فسلط اللّه عليهم هذا الحي محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.

تفسير الجلالين

وقلنا { إن أحسنتم } بالطاعة { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها { وإن أسأتم } بالفساد { فلها } إساءتكم { فإذا جاء وعد } المرة { الآخرة } بعثناهم { ليسوءوا وجوهكم } يحزنوكم بالقتل والسبي حزنا يظهر في وجوهكم { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس فيخربوه { كما دخلوه } وخربوه { أول مرة وليتبروا } يهلكوا { ما علوْا } غلبوا عليه { تتبيرا } هلاكا وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم ألوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِبَنِي إِسْرَائِيل فِيمَا قَضَى إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ } يَا بَنِي إِسْرَائِيل , فَأَطَعْتُمْ اللَّه وَأَصْلَحْتُمْ أَمْركُمْ , وَلَزِمْتُمْ أَمْره وَنَهْيه { أَحْسَنْتُمْ } وَفَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ { لِأَنْفُسِكُمْ } لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا تُنْفَعُونَ بِفَعْلَتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنْفُسكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّه يَدْفَع عَنْكُمْ مَنْ بَغَاكُمْ سُوءًا , وَيَنْمِي لَكُمْ أَمْوَالكُمْ , وَيَزِيدكُمْ إِلَى قُوَّتكُمْ قُوَّة . وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُثِيبكُمْ بِهِ جِنَانه { وَإِنْ أَسَأْتُمْ } يَقُول : وَإِنْ عَصَيْتُمْ اللَّه وَرَكِبْتُمْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ , فَإِلَى أَنْفُسكُمْ تُسِيئُونَ , لِأَنَّكُمْ تُسْخِطُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنْفُسكُمْ رَبّكُمْ , فَيُسَلِّط عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا عَدُوّكُمْ , وَيُمَكِّن مِنْكُمْ مَنْ بَغَاكُمْ سُوءًا , وَيُخْلِدكُمْ فِي الْآخِرَة فِي الْعَذَاب الْمُهِين . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } وَالْمَعْنَى : فَإِلَيْهَا كَمَا قَالَ { بِأَنَّ رَبّك أَوْحَى لَهَا } وَالْمَعْنَى : أَوْحَى إِلَيْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِبَنِي إِسْرَائِيل فِيمَا قَضَى إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ } يَا بَنِي إِسْرَائِيل , فَأَطَعْتُمْ اللَّه وَأَصْلَحْتُمْ أَمْركُمْ , وَلَزِمْتُمْ أَمْره وَنَهْيه { أَحْسَنْتُمْ } وَفَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ { لِأَنْفُسِكُمْ } لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا تُنْفَعُونَ بِفَعْلَتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنْفُسكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّه يَدْفَع عَنْكُمْ مَنْ بَغَاكُمْ سُوءًا , وَيَنْمِي لَكُمْ أَمْوَالكُمْ , وَيَزِيدكُمْ إِلَى قُوَّتكُمْ قُوَّة . وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُثِيبكُمْ بِهِ جِنَانه { وَإِنْ أَسَأْتُمْ } يَقُول : وَإِنْ عَصَيْتُمْ اللَّه وَرَكِبْتُمْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ , فَإِلَى أَنْفُسكُمْ تُسِيئُونَ , لِأَنَّكُمْ تُسْخِطُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنْفُسكُمْ رَبّكُمْ , فَيُسَلِّط عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا عَدُوّكُمْ , وَيُمَكِّن مِنْكُمْ مَنْ بَغَاكُمْ سُوءًا , وَيُخْلِدكُمْ فِي الْآخِرَة فِي الْعَذَاب الْمُهِين . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } وَالْمَعْنَى : فَإِلَيْهَا كَمَا قَالَ { بِأَنَّ رَبّك أَوْحَى لَهَا } وَالْمَعْنَى : أَوْحَى إِلَيْهَا .' وَقَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة مِنْ مَرَّتَيْ إِفْسَادكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْأَرْض { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } يَقُول : لِيَسُوءَ مَجِيء ذَلِكَ الْوَعْد لِلْمَرَّةِ الْآخِرَة وُجُوهكُمْ فَيُقَبِّحهَا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } بِمَعْنَى : لِيَسُوءَ الْعِبَاد أُولُو الْبَأْس الشَّدِيد الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ وُجُوهكُمْ , وَاسْتَشْهَدَ قَارِئُو ذَلِكَ لِصِحَّةِ قِرَاءَتهمْ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد } وَقَالُوا : ذَلِكَ خَبَر عَنْ الْجَمِيع فَكَذَلِكَ الْوَاجِب أَنْ يَكُون قَوْله { لِيَسُوءُوا } . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ " عَلَى التَّوْحِيد وَبِالْيَاءِ . وَقَدْ يَحْتَمِل ذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنْ التَّأْوِيل ; أَحَدهمَا مَا قَدْ ذَكَرْت , وَالْآخَر مِنْهُمَا : لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ . فَمَنْ وَجَّهَ تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى لِيَسُوءَ مَجِيء الْوَعْد وُجُوهكُمْ , جَعَلَ جَوَاب قَوْله " فَإِذَا " مَحْذُوفًا , وَقَدْ اُسْتُغْنِيَ بِمَا ظَهَرَ عَنْهُ , وَذَلِكَ الْمَحْذُوف " جَاءَ " , فَيَكُون الْكَلَام تَأْوِيله : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ جَاءَ . وَمَنْ وَجَّهَ تَأْوِيله إِلَى : لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ , كَانَ أَيْضًا فِي الْكَلَام مَحْذُوف , قَدْ اُسْتُغْنِيَ هُنَا عَنْهُ بِمَا قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ الْمَحْذُوف سِوَى " جَاءَ " , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة بَعَثْنَاهُمْ لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ , فَيَكُون الْمُضْمَر بَعَثْنَاهُمْ , وَذَلِكَ جَوَاب " إِذَا " حِينَئِذٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ الْكُوفِيِّينَ : " لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ " عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اِسْمه عَنْ نَفْسه . وَكَانَ مَجِيء وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة عِنْد قَتْلهمْ يَحْيَى . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ , وَالْخَبَر عَمَّا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه حِينَئِذٍ كَمَا : 16666 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرْنَا إِسْنَاده قِيلَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رَأَى فِي النَّوْم أَنَّ خَرَاب بَيْت الْمَقْدِس وَهَلَاك بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى يَدَيْ غُلَام يَتِيم اِبْن أَرْمَلَة مِنْ أَهْل بَابِل , يُدْعَى بُخْتُنَصَّرَ , وَكَانُوا يَصْدُقُونَ فَتَصْدُق رُؤْيَاهُمْ , فَأَقْبَلَ فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أُمّه وَهُوَ يَحْتَطِب , فَلَمَّا جَاءَ وَعَلَى رَأْسه حُزْمَة مِنْ حَطَب أَلْقَاهَا , ثُمَّ قَعَدَ فِي جَانِب الْبَيْت فَضَمَّهُ , ثُمَّ أَعْطَاهُ ثَلَاثَة دَرَاهِم , فَقَالَ : اِشْتَرِ لَنَا بِهَا طَعَامًا وَشَرَابًا , فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ لَحْمًا وَبِدِرْهَمٍ خُبْزًا وَبِدِرْهَمٍ خَمْرًا , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ , حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث فَعَلَ ذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ لَهُ : إِنِّي أُحِبّ أَنْ تَكْتُب لِي أَمَانًا إِنْ أَنْتَ مَلَكْت يَوْمًا مِنْ الدَّهْر , فَقَالَ : أَتَسْخَرُ بِي ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَسْخَر بِك , وَلَكِنْ مَا عَلَيْك أَنْ تَتَّخِذ بِهَا عِنْدِي يَدًا , فَكَلَّمَتْهُ أُمّه , فَقَالَتْ : وَمَا عَلَيْك إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصك شَيْئًا , فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا , فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت إِنْ جِئْت وَالنَّاس حَوْلك قَدْ حَالُوا بَيْنِي وَبَيْنك , فَاجْعَلْ لِي آيَة تَعْرِفنِي بِهَا قَالَ : نَرْفَع صَحِيفَتك عَلَى قَصَبَة أَعْرِفك بِهَا , فَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ . ثُمَّ إِنَّ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ يُكَرِّم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَيُدْنِي مَجْلِسه , وَيَسْتَشِيرهُ فِي أَمْره , وَلَا يَقْطَع أَمْرًا دُونه , وَأَنَّهُ هَوَى أَنْ يَتَزَوَّج اِبْنَة اِمْرَأَة لَهُ , فَسَأَلَ يَحْيَى عَنْ ذَلِكَ , فَنَهَاهُ عَنْ نِكَاحهَا وَقَالَ : لَسْت أَرْضَاهَا لَك , فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمّهَا فَحَقَدَتْ عَلَى يَحْيَى حِين نَهَاهُ أَنْ يَتَزَوَّج اِبْنَتهَا , فَعَمَدَتْ أُمّ الْجَارِيَة حِين جَلَسَ الْمَلِك عَلَى شَرَابه , فَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا رِقَاقًا حُمْرًا , وَطَيَّبَتْهَا وَأَلْبَسَتْهَا مِنْ الْحُلِيّ , وَقِيلَ : إِنَّهَا أَلْبَسَتْهَا فَوْق ذَلِكَ كِسَاء أَسْوَد , وَأَرْسَلَتْهَا إِلَى الْمَلِك , وَأَمَرَتْهَا أَنْ تَسْقِيه , وَأَنْ تَعْرِض لَهُ نَفْسهَا , فَإِنْ أَرَادَهَا عَلَى نَفْسهَا أَبَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْطِيهَا مَا سَأَلَتْهُ , فَإِذَا أَعْطَاهَا ذَلِكَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَأْتِي بِرَأْسِ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فِي طَسْت , فَفَعَلَتْ , فَجَعَلَتْ تَسْقِيه وَتَعْرِض لَهُ نَفْسهَا ; فَلَمَّا أَخَذَ فِيهِ الشَّرَاب أَرَادَهَا عَلَى نَفْسهَا , فَقَالَتْ : لَا أَفْعَل حَتَّى تُعْطِينِي مَا أَسْأَلك , فَقَالَ : مَا الَّذِي تَسْأَلِينِي ؟ قَالَتْ : أَسْأَلك أَنْ تَبْعَث إِلَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَأُوتِيَ بِرَأْسِهِ فِي هَذَا الطَّسْت , فَقَالَ : وَيْحك سَلِينِي غَيْر هَذَا , فَقَالَتْ لَهُ : مَا أُرِيد أَنْ أَسْأَلك إِلَّا هَذَا . قَالَ : فَلَمَّا أَلَحَّتْ عَلَيْهِ بَعَثَ إِلَيْهِ , فَأَتَى بِرَأْسِهِ , وَالرَّأْس يَتَكَلَّم حَتَّى وُضِعَ بَيْن يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول : لَا يَحِلّ لَك ذَلِكَ ; فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا دَمه يَغْلِي , فَأَمَرَ بِتُرَابٍ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ , فَرَقَى الدَّم فَوْق التُّرَاب يَغْلِي , فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ التُّرَاب أَيْضًا , فَارْتَفَعَ الدَّم فَوْقه ; فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي عَلَيْهِ التُّرَاب حَتَّى بَلَغَ سُور الْمَدِينَة وَهُوَ يَغْلِي وَبَلَغَ صحابين , فَثَارَ فِي النَّاس , وَأَرَادَ أَنْ يَبْعَث عَلَيْهِمْ جَيْشًا , وَيُؤَمِّر عَلَيْهِمْ رَجُلًا , فَأَتَاهُ بُخْتُنَصَّرَ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي كُنْت أَرْسَلْته تِلْكَ الْمَرَّة ضَعِيف , وَإِنِّي قَدْ دَخَلْت الْمَدِينَة وَسَمِعْت كَلَام أَهْلهَا , فَابْعَثْنِي , فَبَعَثَهُ , فَسَارَ بُخْتُنَصَّرَ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ الْمَكَان تَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي مَدَائِنهمْ , فَلَمْ يُطِقْهُمْ , فَلَمَّا اِشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْمَقَام وَجَاعَ أَصْحَابه , أَرَادُوا الرُّجُوع , فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ عَجُوز مِنْ عَجَائِز بَنِي إِسْرَائِيل فَقَالَتْ : أَيْنَ أَمِير الْجُنْد ؟ فَأُتِيَ بِهَا إِلَيْهِ , فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُرِيد أَنْ تَرْجِع بِجُنْدِك قَبْل أَنْ تُفْتَح هَذِهِ الْمَدِينَة , قَالَ : نَعَمْ , قَدْ طَالَ مَقَامِي , وَجَاعَ أَصْحَابِي , فَلَسْت أَسْتَطِيع الْمَقَام فَوْق الَّذِي كَانَ مِنِّي , فَقَالَتْ : أَرَأَيْتُك إِنْ فَتَحْت لَك الْمَدِينَة أَتُعْطِينِي مَا سَأَلْتُك , وَتَقْتُل مَنْ أَمَرْتُك بِقَتْلِهِ , وَتَكُفّ إِذَا أَمَرْتُك أَنْ تَكُفّ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَتْ : إِذَا أَصْبَحْت فَاقْسِمْ جُنْدك أَرْبَعَة أَرْبَاع , ثُمَّ أَقِمْ عَلَى كُلّ زَاوِيَة رُبْعًا , ثُمَّ اِرْفَعُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى السَّمَاء فَنَادَوْا : إِنَّا نَسْتَفْتِحك يَا اللَّه بِدَمِ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَإِنَّهَا سَوْفَ تُسَاقَط ; فَفَعَلُوا , فَتَسَاقَطَتْ الْمَدِينَة , وَدَخَلُوا مِنْ جَوَانِبهَا , فَقَالَتْ لَهُ : اُقْتُلْ عَلَى هَذَا الدَّم حَتَّى يَسْكُن , وَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى دَم يَحْيَى وَهُوَ عَلَى تُرَاب كَثِير , فَقَتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى سَكَنَ سَبْعِينَ أَلْفًا وَامْرَأَة ; فَلَمَّا سَكَنَ الدَّم قَالَتْ لَهُ : كُفَّ يَدك , فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا قُتِلَ نَبِيّ لَمْ يَرْضَ , حَتَّى يُقْتَل مَنْ قَتَلَهُ , وَمَنْ رَضِيَ قَتْله , وَأَتَاهُ صَاحِب الصَّحِيفَة بِصَحِيفَتِهِ , فَكَفَّ عَنْهُ وَعَنْ أَهْل بَيْته , وَخَرِبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُطْرَح فِيهِ الْجِيَف , وَقَالَ : مَنْ طَرَحَ فِيهِ جِيفَة فَلَهُ جِزْيَته تِلْكَ السَّنَة , وَأَعَانَهُ عَلَى خَرَابه الرُّوم مِنْ أَجْل أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَتَلُوا يَحْيَى , فَلَمَّا خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرَ ذَهَبَ مَعَهُ بِوُجُوهِ بَنِي إِسْرَائِيل وَأَشْرَافهمْ , وَذَهَبَ بِدَانْيَال وعليا وعزاريا وميشائيل , هَؤُلَاءِ كُلّهمْ مِنْ أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء وَذَهَبَ مَعَهُ بِرَأْسِ جَالُوت ; فَلَمَّا قَدِمَ أَرْض بَابِل وَجَدَ صحابين قَدْ مَاتَ , فَمَلَكَ مَكَانه , وَكَانَ أَكْرَم النَّاس عَلَيْهِ دَانْيَال وَأَصْحَابه , فَحَسَدَهُمْ الْمَجُوس عَلَى ذَلِكَ , فَوَشَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا : إِنَّ دَانْيَال وَأَصْحَابه لَا يَعْبُدُونَ إِلَهك , وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبِيحَتك , فَدَعَاهُمْ فَسَأَلَهُمْ , فَقَالُوا : أَجَلْ إِنَّ لَنَا رَبًّا نَعْبُدهُ , وَلَسْنَا نَأْكُل مِنْ ذَبِيحَتكُمْ , فَأَمَرَ بِخَدٍّ فَخُدَّ لَهُمْ , فَأُلْقُوا فِيهِ وَهُمْ سِتَّة , وَأُلْقِيَ مَعَهُمْ سَبْعًا ضَارِيًا لِيَأْكُلهُمْ , فَقَالَ : اِنْطَلَقُوا فَلِنَأْكُل وَلِنَشْرَب , فَذَهَبُوا فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا , ثُمَّ رَاحُوا فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا وَالسَّبْع مُفْتَرِش ذِرَاعَيْهِ بَيْنهمْ , وَلَمْ يَخْدِش مِنْهُمْ أَحَدًا , وَلَمْ يَنْكَأهُ شَيْئًا , وَوَجَدُوا مَعَهُمْ رَجُلًا , فَعَدُوّهُمْ فَوَجَدُوهُمْ سَبْعَة , فَقَالُوا : مَا بَال هَذَا السَّابِع إِنَّمَا كَانُوا سِتَّة ؟ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ السَّابِع , وَكَانَ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة , فَلَطَمَهُ لَطْمَة فَصَارَ فِي الْوَحْش , فَكَانَ فِيهِمْ سَبْع سِنِينَ , لَا يَرَاهُ وَحْشِيّ إِلَّا أَتَاهُ حَتَّى يَنْكِحهُ , يَقْتَصّ مِنْهُ مَا كَانَ يَصْنَع بِالرِّجَالِ ; ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ وَرَدَّ اللَّه عَلَيْهِ مُلْكه , فَكَانُوا أَكْرَم خَلْق اللَّه عَلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ الْمَجُوس وَشَوْا بِهِ ثَانِيَة , فَأَلْقَوْا أَسَدًا فِي بِئْر قَدْ ضَرِيَ , فَكَانُوا يُلْقُونَ إِلَيْهِ الصَّخْرَة فَيَأْخُذهَا , فَأَلْقَوْا إِلَيْهِ دَانْيَال , فَقَامَ الْأَسَد فِي جَانِب , وَقَامَ دَانْيَال فِي جَانِب لَا يَمَسّهُ , فَأَخْرَجُوهُ , وَقَدْ كَانَ قَبْل ذَلِكَ خَدَّ لَهُمْ خَدًّا , فَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا , حَتَّى إِذَا أَجَّجَهَا قَذَفَهُمْ فِيهَا , فَأَطْفَأَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَنَلْهُمْ مِنْهَا شَيْء . ثُمَّ إِنَّ بُخْتَنَصَّرَ رَأَى بَعْد ذَلِكَ فِي مَنَامه صَنَمًا رَأْسه مِنْ ذَهَب , وَعُنُقه مِنْ شَبَه , وَصَدْره مِنْ حَدِيد , وَبَطْنه أَخْلَاط ذَهَب وَفِضَّة وَقَوَارِير , وَرِجْلَاهُ مِنْ فَخَّار ; فَبَيْنَا هُوَ قَائِم يَنْظُر , إِذْ جَاءَتْ صَخْرَة مِنْ السَّمَاء مِنْ قِبَل الْقِبْلَة , فَكَسَرَتْ الصَّنَم فَجَعَلَتْهُ هُشَيْمًا , فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا وَأُنْسِيهَا , فَدَعَا السَّحَرَة وَالْكَهَنَة , فَسَأَلَهُمْ , فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَمَّا رَأَيْت ! فَقَالُوا لَهُ : لَا , بَلْ أَنْتَ أَخْبِرْنَا مَا رَأَيْت فَنَعْبُرهُ لَك . قَالَ : لَا أَدْرِي , قَالُوا لَهُ : فَهَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ تُكْرِمهُمْ , فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ , فَإِنْ هُمْ لَمْ يُخْبِرُوك بِمَا رَأَيْت فَمَا تَصْنَع بِهِمْ ؟ قَالَ : أَقْتُلهُمْ ! فَأَرْسَلَ إِلَى دَانْيَال وَأَصْحَابه , فَدَعَاهُمْ , فَقَالَ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي مَاذَا رَأَيْت ؟ فَقَالَ لَهُ دَانْيَال : بَلْ أَنْتَ أَخْبِرْنَا مَا رَأَيْت فَنَعْبُرهُ لَك ! قَالَ : لَا أَدْرِي قَدْ نَسِيتهَا ! فَقَالَ لَهُ دَانْيَال : كَيْف نَعْلَم رُؤْيَا لَمْ تُخْبِرنَا بِهَا ؟ فَأَمَرَ الْبَوَّاب أَنْ يَقْتُلهُمْ , فَقَالَ دَانْيَال لِلْبَوَّابِ : إِنَّ الْمَلِك إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِنَا مِنْ أَجْل رُؤْيَاهُ , فَأَخِّرْنَا ثَلَاثَة أَيَّام , فَإِنْ نَحْنُ أَخْبَرَنَا الْمُلْك بِرُؤْيَاهُ وَإِلَّا فَاضْرِبْ أَعْنَاقنَا ; فَأَجَّلَهُمْ فَدَعَوْا اللَّه ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث أَبْصَرَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ رُؤْيَا بُخْتَنَصَّرَ عَلَى حِدَة , فَأَتَوْا الْبَوَّاب فَأَخْبَرُوهُ , فَدَخَلَ عَلَى الْمَلِك فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ : أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ ; وَكَانَ بُخْتُنَصَّرَ لَا يَعْرِف مِنْ رُؤْيَاهُ شَيْئًا , إِلَّا شَيْئًا يَذْكُرُونَهُ , فَقَالُوا لَهُ : أَنْتَ رَأَيْت كَذَا وَكَذَا , فَقَصُّوهَا عَلَيْهِ , فَقَالَ : صَدَقْتُمْ ! قَالُوا : نَحْنُ نَعْبُرهَا لَك . أَمَّا الصَّنَم الَّذِي رَأَيْت رَأْسه مِنْ ذَهَب , فَإِنَّهُ مُلْك حَسَن مِثْل الذَّهَب , وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْأَرْض كُلّهَا ; وَأَمَّا الْعُنُق مِنْ الشَّبَه , فَهُوَ مُلْك اِبْنك بَعْد , يَمْلِك فَيَكُون مُلْكه حَسَنًا , وَلَا يَكُون مِثْل الذَّهَب ; وَأَمَّا صَدْره الَّذِي مِنْ حَدِيد فَهُوَ مُلْك أَهْل فَارِس , يَمْلِكُونَ بَعْدك اِبْنك , فَيَكُون مُلْكهمْ شَدِيدًا مِثْل الْحَدِيد ; وَأَمَّا بَطْنه الْأَخْلَاط , فَإِنَّهُ يَذْهَب مُلْك أَهْل فَارِس , وَيَتَنَازَع النَّاس الْمُلْك فِي كُلّ قَرْيَة , حَتَّى يَكُون الْمَلِك يُمْلَك الْيَوْم وَالْيَوْمَيْنِ , وَالشَّهْر وَالشَّهْرَيْنِ , ثُمَّ يُقْتَل , فَلَا يَكُون لِلنَّاسِ قِوَام عَلَى ذَلِكَ , كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّنَمِ قِوَام عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ فَخَّار ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ بَعَثَ اللَّه تَعَالَى نَبِيًّا مِنْ أَرْض الْعَرَب , فَأَظْهَرَهُ عَلَى بَقِيَّة مُلْك أَهْل فَارِس , وَبَقِيَّة مُلْك اِبْنك وَمُلْكك , فَدَمَّرَهُ وَأَهْلَكَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء , كَمَا جَاءَتْ الصَّخْرَة فَهَدَمَتْ الصَّنَم ; فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأَحَبَّهُمْ . ثُمَّ إِنَّ الْمَجُوس وَشَوْا بِدَانْيَال , فَقَالُوا : إِنَّ دَانْيَال إِذَا شَرِبَ الْخَمْر لَمْ يَمْلِك نَفْسه أَنْ يَبُول , وَكَانَ ذَلِكَ فِيهِمْ عَارًا , فَجَعَلَ لَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ طَعَامًا , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا , وَقَالَ لِلْبَوَّابِ : اُنْظُرْ أَوَّل مَنْ يَخْرُج عَلَيْك يَبُول , فَاضْرِبْهُ بالطبرزين , وَإِنْ قَالَ : أَنَا بُخْتُنَصَّرَ , فَقُلْ : كَذَبْت , بُخْتُنَصَّرَ أَمَرَنِي . فَحَبَسَ اللَّه عَنْ دَانْيَال الْبَوْل , وَكَانَ أَوَّل مَنْ قَامَ مِنْ الْقَوْم يُرِيد الْبَوْل بُخْتُنَصَّرَ , فَقَامَ مُدِلًّا , وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا , يَسْحَب ثِيَابه ; فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّاب شَدَّ عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَنَا بُخْتُنَصَّرَ , فَقَالَ : كَذَبْت , بُخْتُنَصَّرَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُل أَوَّل مَنْ يَخْرُج , فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ . 16667 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْأُولَى سنحاريب . قَالَ : فَرَدَّ اللَّه لَهُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ ; قَالَ : ثُمَّ عَصَوْا رَبّهمْ وَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ , فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ , فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَة , وَسَبَى الذُّرِّيَّة , وَأَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ الْأَمْوَال , وَدَخَلُوا بَيْت الْمَقْدِس , كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } دَخَلُوهُ فَتَبَرُّوهُ وَخَرَّبُوهُ وَأَلْقَوْا فِيهِ مَا اِسْتَطَاعُوا مِنْ الْعَذِرَة وَالْحَيْض وَالْجِيَف وَالْقَذَر , فَقَالَ اللَّه { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } 17 8 فَرَحِمَهُمْ فَرَدَّ إِلَيْهِمْ مَلِكهمْ وَخَلَّصَ مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ ذُرِّيَّة بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالَ لَهُمْ : إِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا . فَقَالَ أَبُو الْمُعَلَّى , وَلَا أَعْلَم ذَلِكَ , إِلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَلَمْ يَعِدْهُمْ الرَّجْعَة إِلَى مَلِكهمْ . 16668 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } قَالَ : بَعَثَ اللَّه مُلْك فَارِس بِبَابِل جَيْشًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ , فَأَتَوْا بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَمَّرُوهُمْ , فَكَانَتْ هَذِهِ الْآخِرَة وَوَعْدهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم . قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 16669 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : ثني يَعْلَى بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا ضَرَبَ بُخْتُنَصَّرَ الْمَلِك بِجِرَانِهِ , قَالَ : ثَلَاثَة فَمَنْ اِسْتَأْخَرَ مِنْكُمْ بَعْدهَا فَلْيَمْشِ إِلَى خَشَبَته , فَغَزَا الشَّام , فَذَلِكَ حِين قَتَلَ وَأَخْرَجَ بَيْت الْمَقْدِس , وَنَزَعَ حِلْيَته , فَجَعَلَهَا آنِيَة لِيَشْرَب فِيهَا الْخُمُور , وَخُوَانًا يَأْكُل عَلَيْهِ الْخَنَازِير , وَحَمَلَ التَّوْرَاة مَعَهُ , ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي النَّار , وَقَدِمَ فِيمَا قَدِمَ بِهِ مِائَة وَصِيف مِنْهُمْ دَانْيَال وعزريا وحنانيا ومشائيل , فَقَالَ لِإِنْسَانٍ : أَصْلِحْ لِي أَجْسَام هَؤُلَاءِ لَعَلِّي أَخْتَار مِنْهُمْ أَرْبَعَة يَخْدُمُونَنِي , فَقَالَ دَانْيَال لِأَصْحَابِهِ : إِنَّمَا نُصِرُوا عَلَيْكُمْ بِمَا غَيَّرْتُمْ مِنْ دِين آبَائِكُمْ , لَا تَأْكُلُوا لَحْم الْخِنْزِير , وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْر , فَقَالُوا لِلَّذِي يُصْلِح أَجْسَامهمْ : هَلْ لَك أَنْ تُطْعِمنَا طَعَامًا , هُوَ أَهْوَن عَلَيْك فِي الْمُؤْنَة مَا تُطْعِم أَصْحَابنَا , فَإِنْ لَمْ نَسْمَن قَبْلهمْ رَأَيْت رَأْيك , قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : خُبْز الشَّعِير وَالْكُرَّاث , فَفَعَلَ فَسَمِنُوا قَبْل أَصْحَابهمْ , فَأَخَذَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ يَخْدُمُونَهُ ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ رَأَى بُخْتُنَصَّرَ رُؤْيَا , فَجَلَسَ فَنَسِيَهَا ; فَعَادَ فَرَقَدَ فَرَآهَا , فَقَامَ فَنَسِيَهَا , ثُمَّ عَادَ فَرَقَدَ فَرَآهَا , فَخَرَجَ إِلَى الْحُجْرَة , فَنَسِيَهَا ; فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا الْعُلَمَاء وَالْكُهَّان , فَقَالَ : أَخْبِرُونِي بِمَا رَأَيْت الْبَارِحَة , وَأَوِّلُوا لِي رُؤْيَايَ , وَإِلَّا فَلْيَمْشِ كُلّ رَجُل مِنْكُمْ إِلَى خَشَبَته , مَوْعِدكُمْ ثَالِثَة . فَقَالُوا : هَذَا لَوْ أَخْبَرَنَا بِرُؤْيَاهُ ; وَذَكَرَ كَلَامًا لَمْ أَحْفَظهُ , قَالَ : وَجَعَلَ دَانْيَال كُلَّمَا مَرَّ بِهِ أَحَد مِنْ قَرَابَته يَقُول : لَوْ دَعَانِي الْمَلِك لَأَخْبَرْته بِرُؤْيَاهُ , وَلَأَوَّلْتهَا لَهُ , قَالَ : فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : مَا أَحْمَق هَذَا الْغُلَام الْإِسْرَائِيلِيّ إِلَى أَنْ مَرَّ بِهِ كَهْل , فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ , فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ , فَدَعَاهُ فَقَالَ : مَاذَا رَأَيْت ؟ قَالَ : رَأَيْت تِمْثَالًا , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَرَأْسه مِنْ ذَهَب , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَعُنُقه مِنْ فِضَّة , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَصَدْره مِنْ حَدِيد , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَبَطْنه مِنْ صُفْر , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَرِجْلَاهُ مِنْ آنُك , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَقَدَمَاهُ مِنْ فَخَّار , قَالَ : هَذَا الَّذِي رَأَيْت ؟ قَالَ : إِيه , قَالَ : فَجَاءَتْ حَصَاهُ فَوَقَعَتْ فِي رَأْسه , ثُمَّ فِي عُنُقه , ثُمَّ فِي صَدْره , ثُمَّ فِي بَطْنه , ثُمَّ فِي رِجْلَيْهِ , ثُمَّ فِي قَدَمَيْهِ , قَالَ : فَأَهْلَكْته . قَالَ : فَمَا هَذَا ؟ قَالَ : أَمَّا الذَّهَب فَإِنَّهُ مُلْكك , وَأَمَّا الْفِضَّة فَمُلْك اِبْنك مِنْ بَعْدك , ثُمَّ مُلْك اِبْن اِبْنك , قَالَ : وَأَمَّا الْفَخَّار فَمُلْك النِّسَاء , فَكَسَاهُ جُبَّة تَرِثُونَ , وَسَوَّرَهُ وَطَافَ بِهِ فِي الْقَرْيَة , وَأَجَازَ خَاتَمه ; فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ فَارِس , قَالُوا : مَا الْأَمْر إِلَّا أَمْر هَذَا الْإِسْرَائِيلِيّ , فَقَالُوا : اِئْتُوهُ مِنْ نَحْو الْفِتْيَة الثَّلَاثَة , وَلَا تَذْكُرُوا لَهُ دَانْيَال , فَإِنَّهُ لَا يُصَدِّقكُمْ عَلَيْهِ , فَأَتَوْهُ , فَقَالُوا : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الثَّلَاثَة لَيْسُوا عَلَى دِينك , وَآيَة ذَلِكَ أَنَّك إِنْ قَرَّبْت إِلَيْهِمْ لَحْم الْخِنْزِير وَالْخَمْر لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا ; فَأَمَرَ بِحَطَبٍ كَثِير فَوُضِعَ , ثُمَّ أَرْقَاهُمْ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَوْقَدَ فِيهِ نَارًا , ثُمَّ خَرَجَ مِنْ آخِر اللَّيْل يَبُول , فَإِذَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ , وَإِذَا مَعَهُمْ رَابِع يَرُوح عَلَيْهِمْ يُصَلِّي , قَالَ : مَنْ هَذَا يَا دَانْيَال ؟ قَالَ : هَذَا جِبْرِيل , إِنَّك ظَلَمْتهمْ , قَالَ : ظَلَمْتهمْ ! مُرْ بِهِمْ يَنْزِلُوا ; فَأَمَرَ بِهِمْ فَنَزَلُوا , قَالَ : وَمَسَخَ اللَّه تَعَالَى بُخْتَنَصَّرَ مِنْ الدَّوَابّ كُلّهَا , فَجَعَلَ مِنْ كُلّ صِنْف مِنْ الدَّوَابّ رَأْسه رَأْس سَبْع مِنْ السِّبَاع الْأَسَد , وَمِنْ الطَّيْر النَّسْر , وَمُلْك اِبْنه فَرَأَى كَفًّا خَرَجَتْ بَيْن لَوْحَيْنِ , ثُمَّ كَتَبْت سَطْرَيْنِ , فَدَعَا الْكُهَّان وَالْعُلَمَاء فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِلْمًا , فَقَالَتْ لَهُ أُمّه : إِنَّك لَوْ أَعَدْت إِلَى دَانْيَال مَنْزِلَته الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْ أَبِيك أُخْبِرك , وَكَانَ قَدْ جَفَاهُ , فَدَعَاهُ , فَقَالَ : إِنِّي مُعِيد إِلَيْك مَنْزِلَتك مِنْ أَبِي , فَأَخْبَرَنِي مَا هَذَانِ السَّطْرَانِ ؟ قَالَ : إِمَّا أَنْ تُعِيد إِلَيَّ مَنْزِلَتِي مِنْ أَبِيك , فَلَا حَاجَة لِي بِهَا , وَأَمَّا هَذَانِ السَّطْرَانِ فَإِنَّك تُقْتَل اللَّيْلَة , فَأَخْرِجْ مَنْ فِي الْقَصْر أَجْمَعِينَ , وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ , فَأُقْفِلَتْ الْأَبْوَاب عَلَيْهِ , وَادْخُلْ مَعَهُ آمَنَ أَهْل الْقَرْيَة فِي نَفْسه مَعَهُ سَيْف , فَقَالَ : مَنْ جَاءَك مِنْ خَلْق اللَّه فَاقْتُلْهُ , وَإِنْ قَالَ أَنَا فُلَان ; وَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِ الْبَطْن , فَجَعَلَ يَمْشِي حَتَّى كَانَ شَطْر اللَّيْل , فَرَقَدَ وَرَقَدَ صَاحِبه ; ثُمَّ نَبَّهَهُ الْبَطْن , فَذَهَبَ يَمْشِي وَالْآخَر نَائِم , فَرَجَعَ فَاسْتَيْقَظَ بِهِ , فَقَالَ لَهُ : أَنَا فُلَان , فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ . 16670 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } آخِر الْعُقُوبَتَيْنِ { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة } كَمَا دَخَلَهُ عَدُوّهُمْ قَبْل ذَلِكَ { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ الْمَجُوسِيّ الْبَابِلِيّ , أَبْغَض خَلْق اللَّه إِلَيْهِ , فَسَبَى وَقَتَلَ وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَسَامَهُمْ سُوء الْعَذَاب . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } مِنْ الْمَرَّتَيْنِ { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } قَالَ : لِيُقَبِّحُوا وُجُوهكُمْ { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا , قَالَ : هُوَ بُخْتُنَصَّرَ , بَعَثَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة . 16671 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنْي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَلَمَّا أَفْسَدُوا بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ , فَخَرَّبَ الْمَسَاجِد وَتَبَّرَ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . 16672 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : فِيمَا بَلَغَنِي , اِسْتَخْلَفَ اللَّه عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بَعْد ذَلِكَ , يَعْنِي بَعْد قَتْلهمْ شعياء رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَال لَهُ : ناشة بْن آموص , فَبَعَثَ اللَّه الْخَضِر نَبِيًّا , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ بَلَغَنِي يَقُول : " إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر خَضِرًا , لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء , فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزّ خَضْرَاء " قَالَ : وَاسْم الْخَضِر فِيمَا كَانَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَزْعُم عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل : أرميا بْن حلفيا , وَكَانَ مِنْ سِبْط هَارُون بْن عِمْرَان . 16673 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن زَنْجُوَيْهِ , قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق عَمَّنْ لَا يُتَّهَم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , وَاللَّفْظ لِحَدِيثِ اِبْن حُمَيْد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لإرميا حِين بَعَثَهُ نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل : يَا إرميا مِنْ قَبْل أَنْ أَخْلُقك اِخْتَرْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ أُصَوِّرك فِي بَطْن أُمّك قَدَّسْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ أُخْرِجك مِنْ بَطْن أُمّك طَهَّرْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ تَبْلُغ السَّعْي نَبَّأْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ تَبْلُغ الْأَشُدّ اِخْتَرْتُك , وَلِأَمْرٍ عَظِيم اِخْتَبَأْتُكَ ; فَبَعَثَ اللَّه إرميا إِلَى ذَلِكَ الْمَلِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يُسَدِّدهُ وَيُرْشِدهُ , وَيَأْتِيه بِالْخَبَرِ مِنْ اللَّه فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه ; قَالَ : ثُمَّ عَظُمَتْ الْأَحْدَاث فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَكِبُوا الْمَعَاصِي , وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِم , وَنَسُوا مَا كَانَ اللَّه تَعَالَى صَنَعَ بِهِمْ , وَمَا نَجَّاهُمْ مِنْ عَدُوّهُمْ سنحاريب وَجُنُوده . فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى إرمياء : أَنْ اِئْتِ قَوْمك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَاقْصُصُوا عَلَيْهِمْ مَا أَمَرَك بِهِ , وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ , وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثهمْ , فَقَالَ إرمياء : إِنِّي ضَعِيف إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي , وَعَاجِز إِنْ لَمْ تُبَلِّغنِي , وَمُخْطِئ إِنْ لَمْ تُسَدِّدنِي , وَمَخْذُول إِنْ لَمْ تَنْصُرنِي , وَذَلِيل إِنْ لَمْ تُعِزّنِي . قَالَ : اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَوَلَمْ تَعْلَم أَنَّ الْأُمُور كُلّهَا تَصْدُر عَنْ مَشِيئَتِي , وَإِنَّ الْقُلُوب كُلّهَا وَالْأَلْسِنَة بِيَدِي , أُقَلِّبهَا كَيْف شِئْت , فَتُطِيعنِي , وَإِنِّي أَنَا اللَّه الَّذِي لَا شَيْء مِثْلِي , قَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي , وَأَنَا كَلَّمْت الْبِحَار , فَفَهِمَتْ قَوْلِي , وَأَمَرْتهَا فَعَقَلَتْ أَمْرِي , وَحَدَّدْت عَلَيْهَا بِالْبَطْحَاءِ فَلَا تَعَدَّى حَدِّي , تَأْتِي بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتهَا مَذَلَّة طَاعَتِي خَوْفًا وَاعْتِرَافًا لِأَمْرِي إِنِّي مَعَك , وَلَنْ يَصِل إِلَيْك شَيْء مَعِي , وَإِنْ بَعَثْتُك إِلَى خَلْق عَظِيم مِنْ خَلْقِي , لِتُبَلِّغهُمْ رِسَالَاتِي , وَلِتَسْتَحِقّ بِذَلِكَ مِثْل أَجْر مَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أُجُورهمْ شَيْئًا , وَإِنْ تُقَصِّر عَنْهَا فَلَك مِثْل وِزْر مَنْ تَرَكَّبَ فِي عَمَاهُ لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارهمْ شَيْئًا ; اِنْطَلِقْ إِلَى قَوْمك فَقُلْ : إِنَّ اللَّه ذَكَرَ لَكُمْ صَلَاح آبَائِكُمْ , فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِيبكُمْ يَا مَعْشَر الْأَبْنَاء , وَسَلْهُمْ كَيْف وَجَدَ آبَاؤُهُمْ مَغَبَّة طَاعَتِي , وَكَيْف وَجَدُوا هُمْ مَغَبَّة مَعْصِيَتِي , وَهَلْ عَلِمُوا أَنَّ أَحَدًا قَبْلهمْ أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي , أَوْ عَصَانِي فَسَعِدَ بِمَعْصِيَتِي , فَإِنَّ الدَّوَابّ مَا تَذْكُر أَوْطَانهَا الصَّالِحَة , فَتَنْتَابهَا , وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم قَدْ رَتَعُوا فِي مُرُوج الْهَلَكَة . أَمَّا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ فَاِتَّخَذُوا عِبَادِي خَوَلًا لِيَعْبُدُوهُمْ دُونِي وَتَحَكَّمُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي , وَأَنْسَوْهُمْ ذِكْرِي , وَغَرُّوهُمْ مِنِّي . أَمَّا أُمَرَاؤُهُمْ وَقَادَّاتهمْ فَبَطِرُوا نِعْمَتِي , وَأَمِنُوا مَكْرِي , وَنَبَذُوا كِتَابِي , وَنَسُوا عَهْدِي , وَغَيَّرُوا سُنَّتِي , فَادَّانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي , فَهُمْ يُطِيعُوهُمْ فِي مَعْصِيَتِي , وَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى الْبِدَع الَّتِي يَبْتَدِعُونَ فِي دِينِي جَرَاءَة عَلَيَّ وَغُرَّة وَفِرْيَة عَلَيَّ وَعَلَى رُسُلِي , فَسُبْحَان جَلَالِي وَعُلُوّ مَكَانِي , وَعِظَم شَأْنِي , فَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاع فِي مَعْصِيَتِي , وَهَلْ يَنْبَغِي فِي أَنْ أَخْلُق عِبَادًا اِجْعَلْهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِي . وَأَمَّا قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ فَيَتَعَبَّدُونَ فِي الْمَسَاجِد , وَيَتَزَيَّنُونَ بِعِمَارَتِهَا لِغَيْرِي , لِطَلَبِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ , وَيَتَفَقَّهُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعِلْم , وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعَمَل . وَأَمَّا أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء , فَمُكْثِرُونَ مَقْهُورُونَ مُغَيِّرُونَ , يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ , وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَى مِثْل نُصْرَة آبَائِهِمْ وَالْكَرَامَة الَّتِي أَكْرَمْتهمْ بِهَا , وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا أَحَد أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ مِنِّي بِغَيْرِ صِدْق وَلَا تَفَكُّر وَلَا تَدَبُّر , وَلَا يَذْكُرُونَ كَيْف كَانَ صَبْر آبَائِهِمْ لِي , وَكَيْف كَانَ جِدّهمْ فِي أَمْرِي حِين غَيَّرَ الْمُغَيِّرُونَ , وَكَيْف بَذَلُوا أَنْفُسهمْ وَدِمَاءَهُمْ , فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا حَتَّى عَزَّ أَمْرِي , وَطَهُرَ دِينِي , فَتَأَنَّيْت بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم لَعَلَّهُمْ يَسْتَجِيبُونَ , فَأَطْوَلْت لَهُمْ , وَصَفَحْت عَنْهُمْ , لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ , فَأَكْثَرْت وَمَدَدْت لَهُمْ فِي الْعُمْر لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ , فَأَعْذَرْت فِي كُلّ ذَلِكَ , أُمْطِر عَلَيْهِمْ السَّمَاء , وَأُنْبِت لَهُمْ الْأَرْض , وَأُلْبِسهُمْ الْعَافِيَة وَأُظْهِرهُمْ عَلَى الْعَدُوّ فَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا طُغْيَانًا وَبُعْدًا مِنِّي , فَحَتَّى مَتَى هَذَا ؟ أَبِي يَتَمَرَّسُونَ أَمْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ ؟ وَإِنِّي أَحْلِف بِعِزَّتِي لَأُقَيِّضَن لَهُمْ فِتْنَة يَتَحَيَّر فِيهَا الْحَلِيم , وَيَضِلّ فِيهَا رَأْي ذِي الرَّأْي , وَحِكْمَة الْحَكِيم , ثُمَّ لَأُسَلِّطَن عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِيًا , أَلْبِسْهُ الْهَيْبَة , وَأَنْتَزِع مِنْ صَدْره الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة وَالْبَيَان , يَتْبَعهُ عَدَد وَسَوَاد مِثْل سَوَاد اللَّيْل الْمُظْلِم , لَهُ عَسَاكِر مِثْل قِطَع السَّحَاب , وَمَرَاكِب أَمْثَال الْعَجَاج , كَأَنَّ خَفِيق رَايَاته طَيَرَان النُّسُور , وَأَنَّ حَمَلَة فُرْسَانه كَوَبَرِ الْعُقْبَانِ . ثُمَّ أَوْحَى اللَّه إِلَى إرميا : إِنِّي مُهْلِك بَنَى إِسْرَائِيل بِيَافِث , وَيَافِث أَهْل بَابِل , وَهُمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح . ثُمَّ لَمَّا سَمِعَ إرميا وَحْي رَبّه صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابه , وَنَبَذَ الرَّمَاد عَلَى رَأْسه وَقَالَ : مَلْعُون يَوْم وُلِدْت فِيهِ , وَيَوْم لَقِيت التَّوْرَاة , وَمِنْ شَرّ أَيَّامِي يَوْم وُلِدْت فِيهِ , فَمَا أَبْقَيْت آخِر الْأَنْبِيَاء إِلَّا لِمَا هُوَ أَشَرّ عَلَيَّ ! لَوْ أَرَادَ بِي خَيْرًا مَا جَعَلَنِي آخِر الْأَنْبِيَاء مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَمِنْ أَجْلِي تُصِيبهُمْ الشِّقْوَة وَالْهَلَاك ; فَلَمَّا سَمِعَ اللَّه تَضَرُّع الْخَضِر وَبُكَاءَهُ , وَكَيْف يَقُول , نَادَاهُ : يَا إرميا أَشُقّ ذَلِكَ عَلَيْك فِيمَا أَوْحَيْت لَك ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَبّ ! أَهْلِكْنِي قَبْل أَنْ أَرَى فِي بَنِي إِسْرَائِيل مَا لَا أُسَرّ بِهِ ! فَقَالَ اللَّه : وَعِزَّتِي الْعَزِيزَة لَا أُهْلِك بَيْت الْمَقْدِس وَبَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى يَكُون الْأَمْر مِنْ قِبَلك فِي ذَلِكَ ; فَفَرِحَ عِنْد ذَلِكَ إرميا لَمَّا قَالَ لَهُ رَبّه , وَطَابَتْ نَفْسه , وَقَالَ : لَا , وَاَلَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ لَا آمُر رَبِّي بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيل أَبَدًا ! ثُمَّ أَتَى مُلْك بَنِي إِسْرَائِيل فَأَخْبَرَهُ مَأْ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ وَقَالَ : إِنْ يُعَذِّبنَا رَبّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَة قَدَّمْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا , وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِقُدْرَتِهِ . مِمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْد هَذَا الْوَحْي ثَلَاث سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَة وَتَمَادِيًا فِي الشَّرّ , وَذَلِكَ حِين اِقْتَرَبَ هَلَاكهمْ ; فَقَلَّ الْوَحْي حِين لَمْ يَكُونُوا يَتَذَكَّرُونَ الْآخِرَة , وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ حِين أَلْهَتْهُمْ الدُّنْيَا وَشَأْنهَا , فَقَالَ لَهُمْ مَلِكهمْ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , اِنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَمَسّكُمْ بَأْس اللَّه , وَقَبْل أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ قَوْم لَا رَحْمَة لَهُمْ بِكُمْ , وَإِنَّ رَبّكُمْ قَرِيب التَّوْبَة , مَبْسُوط الْيَدَيْنِ بِالْخَيْرِ , رَحِيم بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ . فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعُوا عَنْ شَيْء مَا هُمْ عَلَيْهِ ; وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَبْقَى فِي قَلْب بُخْتَنَصَّرَ بْن نَجُور زَاذَان بْن سنحاريب بْن دارياس بْن نُمْرُود بْن فالخ بْن عَابِر بْن نُمْرُود صَاحِب إِبْرَاهِيم الَّذِي حَاجَّهُ فِي رَبّه , أَنْ يَسِير إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , ثُمَّ يَفْعَل فِيهِ مَا كَانَ جَدّه سنحاريب أَرَادَ أَنْ يَفْعَل , فَخَرَجَ فِي سِتّ مِائَة أَلْف رَايَة يُرِيد أَهْل بَيْت الْمَقْدِس ; فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل الْخَبَر أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَدْ أَقْبَلَ هُوَ وَجُنُوده يُرِيدكُمْ , فَأَرْسَلَ الْمَلِك إِلَى إرميا , فَجَاءَهُ فَقَالَ : يَا إرميا أَيْنَ مَا زَعَمْت لَنَا أَنَّ رَبّك أَوْحَى إِلَيْك أَنْ لَا يُهْلِك أَهْل بَيْت الْمَقْدِس , حَتَّى يَكُون مِنْك الْأَمْر فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ إرميا لِلْمَلِكِ : إِنَّ رَبِّي لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , وَأَنَا بِهِ وَاثِق . فَلَمَّا اِقْتَرَبَ الْأَجَل وَدَنَا اِنْقِطَاع مُلْكهمْ وَعَزَمَ اللَّه عَلَى هَلَاكهمْ , بَعَثَ اللَّه مَلِكًا مِنْ عِنْده , فَقَالَ لَهُ : اِذْهَبْ إِلَى إرميا فَاسْتَفْتِهِ , وَأَمَرَهُ بِاَلَّذِي يَسْتَفْتِي فِيهِ ; فَأَقْبَلَ الْمَلِك إِلَى إرمياء , وَكَانَ قَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَسْتَفْتِيك فِي بَعْض أَمْرِي ; فَأَذِنَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : يَا نَبِيّ اللَّه أَتَيْتُك أَسْتَفْتِيك فِي أَهْل رَحِمِي , وَصَلْت أَرْحَامهمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّه بِهِ , لَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلَّا حَسَنًا , وَلَمْ آلُهُمْ كَرَامَة , فَلَا تَزِيدهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلَّا إِسْخَاطًا لِي , فَأَفْتِنِي فِيهِمْ يَا نَبِيّ اللَّه ! فَقَالَ لَهُ : أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنك وَبَيْن اللَّه , وَصِلْ مَا أَمَرَك اللَّه أَنْ تَصِل , وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ وَانْصَرِفْ عَنْهُ . فَمَكَثَ أَيَّامًا , ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَة ذَلِكَ الَّذِي جَاءَهُ , فَقَعَدَ بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الرَّجُل الَّذِي آتَيْتُك أَسْتَفْتِيك فِي شَأْن أَهْلِي , فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : أَوَمَا ظَهَرَتْ لَك أَخْلَاقهمْ بَعْد , وَلَمْ تَرَ مِنْهُمْ الَّذِي تُحِبّ ؟ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَعْلَم كَرَامَة يَأْتِيهَا أَحَد مِنْ النَّاس لِأَهْلِ رَحِمه إِلَّا قَدْ أَتَيْتهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَل مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ النَّبِيّ : اِرْجِعْ إِلَى أَهْلك فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ , أَسْأَل اللَّه الَّذِي يُصْلِح عِبَاده الصَّالِحِينَ أَنْ يُصْلِح ذَات بَيْنكُمْ , وَأَنْ يَجْمَعكُمْ عَلَى مَرْضَاته , وَيُجَنِّبكُمْ سَخَطه ; فَقَالَ الْمَلِك مَنْ عِنْده , فَلَبِثَ أَيَّامًا وَقَدْ نَزَلَ بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده حَوْل بَيْت الْمَقْدِس , وَمَعَهُ خَلَائِق مِنْ قَوْمه كَأَمْثَالِ الْجَرَاد , فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيل فَزَعًا شَدِيدًا , وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَعَا إرميا , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَيْنَ مَا وَعَدَك اللَّه ؟ فَقَالَ : إِنِّي بِرَبِّي وَاثِق . ثُمَّ إِنَّ الْمَلِك أَقْبَلَ إِلَى إرميا وَهُوَ قَاعِد عَلَى جِدَار بَيْت الْمَقْدِس يَضْحَك وَيَسْتَبْشِر بِنَصْرِ رَبّه الَّذِي وَعَدَهُ , فَقَعَدَ بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الَّذِي كُنْت آتَيْتُك فِي شَأْن أَهْلِي مَرَّتَيْنِ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : أَوَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : يَا نَبِيّ اللَّه , كُلّ شَيْء كَانَ يُصِيبنِي مِنْهُمْ قَبْل الْيَوْم كُنْت أَصْبِر عَلَيْهِ , وَأَعْلَم أَنَّ مَأْرَبهمْ فِي ذَلِكَ سَخَطِي ; فَلَمَّا أَتَيْتهمْ الْيَوْم رَأَيْتهمْ فِي عَمَل لَا يُرْضِي اللَّه وَلَا يُحِبّهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : عَلَى أَيّ عَمَل رَأَيْتهمْ ؟ قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه رَأَيْتهمْ عَلَى عَمَل عَظِيم مِنْ سَخَط اللَّه , فَلَوْ كَانُوا عَلَى مِثْل مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل الْيَوْم لَمْ يَشْتَدّ عَلَيْهِمْ غَضَبِي , وَصَبَرْت لَهُمْ وَرَجَوْتهمْ , وَلَكِنْ غَضِبْت الْيَوْم لِلَّهِ وَلَك , فَأَتَيْتُك لِأُخْبِرك خَبَرهمْ , وَإِنِّي أَسْأَلك بِاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِلَّا مَا دَعَوْت عَلَيْهِمْ رَبّك أَنْ يُهْلِكهُمْ ; فَقَالَ إرميا : يَا مَالِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض , إِنْ كَانُوا عَلَى حَقّ وَصَوَاب فَأَبْقِهِمْ , وَإِنْ كَانُوا عَلَى سَخَطك وَعَمَل لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ . فَمَا خَرَجَتْ الْكَلِمَة مِنْ فِي إرميا حَتَّى أَرْسَلَ اللَّه صَاعِقَة مِنْ السَّمَاء فِي بَيْت الْمَقْدِس , فَالْتَهَبَ مَكَان الْقُرْبَانِ , وَخَسَفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَاب مِنْ أَبْوَابهَا ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إرميا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابه , وَنَبَذَ الرَّمَاد عَلَى رَأْسه وَقَالَ : يَا مَلِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِيَدِك مَلَكُوت كُلّ شَيْء وَأَنْتَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ ! أَيْنَ مِيعَادك الَّذِي وَعَدْتنِي ؟ فَنُودِيَ إرميا : إِنَّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمْ الَّذِي أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاك الَّتِي أَفْتَيْت بِهَا رَسُولنَا ; فَاسْتَيْقَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ الَّتِي أَفْتَى بِهَا ثَلَاث مَرَّات , وَأَنَّهُ رَسُول رَبّه . ثُمَّ إِنَّ إرميا طَارَ حَتَّى خَالَطَ الْوَحْش , وَدَخَلَ بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده بَيْت الْمَقْدِس , فَوَطِئَ الشَّام , وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى أَفْنَاهُمْ , وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , أَمَرَ جُنُوده أَنْ يَمْلَأ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ تُرْسه تُرَابًا ثُمَّ يَقْذِفهُ فِي بَيْت الْمَقْدِس , فَقَذَفُوا فِيهِ التُّرَاب حَتَّى مَلَئُوهُ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَرْض بَابِل , وَاحْتَمَلَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مِنْ كَانَ فِي بَيْت الْمَقْدِس كُلّهمْ , فَاجْتَمَعَ عِنْده كُلّ صَغِير وَكَبِير مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْف صَبِيّ ; فَلَمَّا خَرَجَتْ غَنَائِم جُنْده , وَأَرَادَ أَنْ يَقْسِمهَا فِيهِمْ , قَالَتْ لَهُ الْمُلُوك الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ : أَيّهَا الْمَلِك لَك غَنَائِمنَا كُلّهَا , وَاقْسِمْ بَيْننَا هَؤُلَاءِ الصِّبْيَان الَّذِينَ اِخْتَرْتهمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَفَعَلَ , وَأَصَابَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ أَرْبَعَة أَغْلِمَة , وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَان دَانْيَال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وَسَبْعَة آلَاف مِنْ أَهْل بَيْت دَاوُدَ , وَأَحَد عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْط يُوسُف بْن يَعْقُوب , وَأَخِيهِ بِنْيَامِين , وَثَمَانِيَة آلَاف مِنْ سِبْط أشر بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْط زبالون بْن يَعْقُوب ونفثالي بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة آلَاف مِنْ سِبْط يهوذا بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة آلَاف مِنْ سِبْط روبيل ولاوي اِبْنَيْ يَعْقُوب . وَمَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَجَعَلَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ ثَلَاث فِرَق , فَثُلُثًا أَقَرَّ بِالشَّامِ , وَثُلُثًا سَبْي , وَثُلُثًا قُتِلَ , وَذَهَبَ بِآنِيَةِ بَيْت الْمَقْدِس حَتَّى أَقْدَمهَا بَابِل , وَذَهَبَ بِالصِّبْيَانِ السَّبْعِينَ الْأَلْف حَتَّى أَقْدَمَهُمْ بَابِل , فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَة الْأُولَى الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه بِبَنِي إِسْرَائِيل بِإِحْدَاثِهِمْ وَظُلْمهمْ . فَلَمَّا وَلَّى بُخْتُنَصَّرَ عَنْهُمْ رَاجِعًا إِلَى بَاب بِمَنْ مَعَهُ مِنْ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيل , أَقْبَلَ إرميا عَلَى حِمَار لَهُ مَعَهُ عَصِير ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّته حِين أَمَاتَهُ اللَّه مِائَة عَام , ثُمَّ بَعَثَهُ , ثُمَّ خَبَر رُؤْيَا بُخْتَنَصَّرَ وَأَمَرَ دَانْيَال , وَهَلَاك بُخْتَنَصَّرَ , وَرُجُوع مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَيْدِي أَصْحَاب بُخْتَنَصَّرَ بَعْد هَلَاكه إِلَى الشَّام , وَعِمَارَة بَيْت الْمَقْدِس , وَأَمْر عُزَيْر وَكَيْفَ رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ التَّوْرَاة . 16674 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثُمَّ عَمَدَتْ بَنُو إِسْرَائِيل بَعْد ذَلِكَ يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاث , يَعْنِي بَعْد مَهْلِك عُزَيْر , وَيَعُود اللَّه عَلَيْهِمْ , وَيَبْعَث فِيهِمْ الرُّسُل , فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ , وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ , حَتَّى كَانَ آخِر مَنْ بَعَثَ اللَّه فِيهِمْ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم , وَكَانُوا مِنْ بَيْت آل دَاوُد . 16675 - حَدَّثَنَا اِبْن اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ قَالَ , وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ قَتْل يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا قَالَ : مَا قُتِلَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا إِلَّا بِسَبَبِ اِمْرَأَة بَغِيّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيل ; كَانَ فِيهِمْ مَلِك , وَكَانَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا تَحْت يَدَيْ ذَلِكَ الْمَلِك , فَهَمَّتْ اِبْنَة ذَلِكَ الْمَلِك بِأَبِيهَا , فَقَالَتْ : لَوْ أَنِّي تَزَوَّجْت بِأَبِي فَاجْتَمَعَ لِي سُلْطَانه دُون النِّسَاء , فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَتِ تَزَوَّجْنِي وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسهَا , فَقَالَ لَهَا : يَا بُنَيَّة إِنَّ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا لَا يُحِلّ لَنَا هَذَا , فَقَالَتْ : مَنْ لِي بِيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ؟ ضَيَّقَ عَلَيَّ , وَحَالَ بَيْنِي وَبَيْن أَنْ أَتَزَوَّج بِأَبِي , فَأَغْلِب عَلَى مُلْكه وَدُنْيَاهُ دُون النِّسَاء ! قَالَ : فَأَمَرَتْ اللَّعَّابِينَ ! وَمَحَلَتْ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَتْل يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَقَالَتْ : اُدْخُلُوا عَلَيْهِ فَالْعَبُوا , حَتَّى إِذَا فَرَغْتُمْ فَإِنَّهُ سَيُحَكِّمُكُمْ , فَقُولُوا : دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَلَا تَقْبَلُوا غَيْره . وَكَانَ اِسْم الْمَلِك رَوَّاد , وَاسْم اِبْنَته الْبَغِيّ , وَكَانَ الْمَلِك فِيهِمْ إِذَا حَدَّثَ فَكَذَبَ , أَوْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ , خَلَعَ فَاسْتُبْدِلَ بِهِ غَيْره ; فَلَمَّا أَلْعَبُوهُ وَكَثُرَ عَجَبه مِنْهُمْ , قَالَ : سَلُونِي أُعْطِكُمْ , فَقَالُوا لَهُ : نَسْأَلك دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا أَعْطِنَا إِيَّاهُ ! قَالَ : وَيْحكُمْ سَلُونِي غَيْر هَذَا ! فَقَالُوا : لَا نَسْأَلك شَيْئًا غَيْره ; فَخَافَ عَلَى مُلْكه إِنْ هُوَ أَخْلَفَهُمْ أَنْ يُسْتَحَلّ بِذَلِكَ خَلْعه , فَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وَهُوَ جَالِس فِي مِحْرَابه يُصَلِّي , فَذَبَحُوهُ فِي طَسْت ثُمَّ حَزُّوا رَأْسه , فَاحْتَمَلَهُ رَجُل فِي يَده وَالدَّم يُحْمَل فِي الطَّسْت مَعَهُ . قَالَ : فَطَلَعَ بِرَأْسِهِ يَحْمِلهُ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى الْمَلِك , وَرَأْسه يَقُول فِي يَدِي الَّذِي يَحْمِلهُ لَا يَحِلّ لَك ذَلِكَ ! فَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل : أَيّهَا الْمَلِك لَوْ أَنَّك وَهَبْت لِي هَذَا الدَّم ؟ فَقَالَ : وَمَا تَصْنَع بِهِ ؟ قَالَ : أُطَهِّر مِنْهُ الْأَرْض , فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ ضَيَّقَهَا عَلَيْنَا , فَقَالَ : أَعْطُوهُ هَذَا الدَّم , فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي قُلَّة , ثُمَّ عَمَدَ بِهِ إِلَى بَيْت فِي الْمَذْبَح , فَوَضَعَ الْقُلَّة فِيهِ , ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ , فَفَارَ فِي الْقُلَّة حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا مِنْ تَحْت الْبَاب مِنْ الْبَيْت الَّذِي هُوَ فِيهِ ; فَلَمَّا رَأَى الرَّجُل ذَلِكَ , فَظِعَ بِهِ , فَأَخْرَجَهُ فَجَعَلَهُ فِي فَلَاة مِنْ الْأَرْض , فَجَعَلَ يَفُور ; وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْأَحْدَاث . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : أُقِرَّ مَكَانه فِي الْقُرْبَانِ وَلَمْ يُحَوَّل . 16676 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَلَمَّا رَفَعَ اللَّه عِيسَى مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ وَقَتَلُوا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ( وَبَعْض النَّاس يَقُول : وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا ) , اِبْتَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوك بَابِل يُقَال لَهُ خردوس , فَسَارَ إِلَيْهِ بِأَهْلِ بَابِل حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ الشَّام , فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَمَرَ رَأْسًا مِنْ رُءُوس جُنْده يُدْعَى نبور زاذان صَاحِب الْقَتْل , فَقَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ كُنْت حَلَفْت بِإِلَهِي لَئِنْ أَظْهَرَنَا عَلَى أَهْل بَيْت الْمَقْدِس لَأَقْتُلَنهُمْ حَتَّى تَسِيل دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَط عَسْكَرِي , إِلَّا أَنْ لَا أَجِد أَحَدًا أَقْتُلهُ ; فَأَمَرَ أَنْ يَقْتُلهُمْ حَتَّى يَبْلُغ ذَلِكَ مِنْهُمْ نبور زادان , فَدَخَلَ بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ فِي الْبُقْعَة الَّتِي كَانُوا يُقَرِّبُونَ فِيهَا قُرْبَانهمْ , فَوَجَدَ فِيهَا دَمًا يَغْلِي , فَسَأَلَهُمْ فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , مَا شَأْن هَذَا الدَّم الَّذِي يَغْلِي , أَخْبِرُونِي خَبَره وَلَا تَكْتُمُونِي شَيْئًا مِنْ أَمْره ؟ فَقَالُوا : هَذَا دَم قُرْبَان كَانَ لَنَا كُنَّا قَرَّبْنَاهُ فَلَمْ يُتَقَبَّل مِنَّا , فَلِذَلِكَ هُوَ مَغْلِيّ كَمَا تَرَاهُ ! وَلَقَدْ قَرَّبْنَا مُنْذُ ثَمَان مِائَة سَنَة الْقُرْبَان فَتُقُبِّلَ مِنَّا إِلَّا هَذَا الْقُرْبَان ! قَالَ : مَا صَدَقْتُمُونِي الْخَبَر قَالُوا لَهُ : لَوْ كَانَ كَأَوَّلِ زَمَاننَا لَقُبِلَ مِنَّا , وَلَكِنَّهُ قَدْ اِنْقَطَعَ مِنَّا الْمُلْك وَالنُّبُوَّة وَالْوَحْي , فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَقَبَّل مِنَّا ! فَذَبَحَ مِنْهُمْ نبور زادان عَلَى ذَلِكَ الدَّم سَبْع مِائَة وَسَبْعِينَ رُوحًا مِنْ رُءُوسهمْ , فَلَمْ يَهْدَأ , فَأَمَرَ بِسَبْعِ مِائَة غُلَام مِنْ غِلْمَانهمْ فَذُبِحُوا عَلَى الدَّم فَلَمْ يَهْدَأ ; فَأَمَرَ بِسَبْعَةِ آلَاف مِنْ شِيَعهمْ وَأَزْوَاجهمْ , فَذَبَحَهُمْ عَلَى الدَّم فَلَمْ يَبْرُد وَلَمْ يَهْدَأ ; فَلَمَّا رَأَى نبور زَاذَان أَنَّ الدَّم لَا يَهْدَأ قَالَ لَهُمْ . وَيْلكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل , أَصْدِقُونِي وَاصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّكُمْ ; فَقَدْ طَالَ مَا مَلَكْتُمْ فِي الْأَرْض ; تَفْعَلُونَ فِيهَا مَا شِئْتُمْ قَبْل أَنْ لَا أَتْرُك مِنْكُمْ نَافِخ نَار , لَا أُنْثَى وَلَا ذَكَرًا إِلَّا قَتَلْته ; فَلَمَّا رَأَوْا الْجَهْد وَشِدَّة الْقَتْل صَدَّقُوهُ الْخَبَر , فَقَالُوا لَهُ : إِنَّ هَذَا دَم نَبِيّ مِنَّا كَانَ يَنْهَانَا عَنْ أُمُور كَثِيرَة مِنْ سَخَط اللَّه , فَلَوْ أَطَعْنَاهُ فِيهَا لَكَانَ أَرْشَدَ لَنَا , وَكَانَ يُخْبِرنَا بِأَمْرِكُمْ , فَلَمْ نُصَدِّقهُ , فَقَتَلْنَاهُ , فَهَذَا دَمه ! فَقَالَ لَهُمْ نبور زاذان : مَا كَانَ اِسْمه ؟ قَالُوا : يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَالَ : الْآن صَدَقْتُمُونِي ! بِمِثْلِ هَذَا يَنْتَقِم رَبّكُمْ مِنْكُمْ ; فَلَمَّا رَأَى نبور زاذان أَنَّهُمْ صَدَقُوهُ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ لِمَنْ حَوْله : غَلِّقُوا الْأَبْوَاب , أَبْوَاب الْمَدِينَة , وَأَخْرِجُوا مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ جَيْش خردوس . وَخَلَا فِي بَنِي إِسْرَائِيل ثُمَّ قَالَ : يَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبّك مَا قَدْ أَصَابَ قَوْمك مِنْ أَجْلك , وَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ مِنْ أَجْلك , فَاهْدَأْ بِإِذْنِ اللَّه قَبْل أَنْ لَا أُبْقِي مِنْ قَوْمك أَحَدًا ! فَهَدَأَ دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَرَفَعَ نبور زاذان عَنْهُمْ الْقَتْل وَقَالَ : آمَنْت بِمَا آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل , وَصَدَّقْت وَأَيْقَنْت أَنَّهُ لَا رَبّ غَيْره , وَلَوْ كَانَ مَعَهُ آخَر لَمْ يَصْلُح , وَلَوْ كَانَ لَهُ شَرِيك لَمْ تَسْتَمْسِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَد لَمْ يَصْلُح , فَتَبَارَكَ وَتَقَدَّسَ , وَتَسَبَّحَ وَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ , مَلِك الْمُلُوك الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ , وَمَا بَيْنهمَا , وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , فَلَهُ الْحِلْم وَالْعِلْم وَالْعِزَّة وَالْجَبَرُوت , وَهُوَ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْض وَأَلْقَى فِيهَا رَوَاسِي لِئَلَّا تَزُول , فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِرَبَّيَّ أَنْ يَكُون وَيَكُون مُلْكه . فَأَوْحَى اللَّه إِلَى رَأْس مِنْ رُءُوس بَقِيَّة الْأَنْبِيَاء أَنَّ نبور زاذان حُبُور صَدُوق ; وَالْحُبُور بِالْعِبْرَانِيَّةِ : حَدِيث الْإِيمَان . وَإِنَّ نبور زاذان قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , إِنَّ عَدُوّ اللَّه خردوس أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُل مِنْكُمْ حَتَّى تَسِيل دِمَاؤُكُمْ وَسَط عَسْكَره , وَإِنِّي لَسْت أَسْتَطِيع أَنْ أَعْصِيه . قَالُوا لَهُ : اِفْعَلْ مَا أُمِرْت بِهِ . فَأَمَرَهُمْ فَحَفَرُوا خَنْدَقًا وَأَمَرَ بِأَمْوَالِهِمْ مِنْ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالْإِبِل , فَذَبَحَهَا حَتَّى سَالَ الدَّم فِي الْعَسْكَر , وَأَمَرَ بِالْقَتْلَى الَّذِينَ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ , فَطُرِحُوا عَلَى مَا قُتِلَ مِنْ مَوَاشِيهمْ حَتَّى كَانُوا فَوْقهمْ , فَلَمْ يَظُنّ خردوس إِلَّا أَنَّ مَا كَانَ فِي الْخَنْدَق مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . فَلَمَّا بَلَغَ الدَّم عَسْكَره , أَرْسَلَ إِلَى نبور زاذان أَنْ اِرْفَعْ عَنْهُمْ , فَقَدْ بَلَغَتْنِي دِمَاؤُهُمْ , وَقَدْ اِنْتَقَمْت مِنْهُمْ بِمَا فَعَلُوا . ثُمَّ اِنْصَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى أَرْض بَابِل , وَقَدْ أَفْنَى بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ كَادَ , وَهِيَ الْوَقْعَة الْآخِرَة الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه بِبَنِي إِسْرَائِيل . يَقُول اللَّه عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْكِتَاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْس شَدِيد فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَار وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَر نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } وَعَسَى مِنْ اللَّه حَقّ , فَكَانَتْ الْوَقْعَة الْأُولَى : بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده , ثُمَّ رَدَّ اللَّه لَكُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ , وَكَانَتْ الْوَقْعَة الْآخِرَة خردوس وَجُنُوده , وَهِيَ كَانَتْ أَعْظَم الْوَقْعَتَيْنِ , فِيهَا كَانَ خَرَاب بِلَادهمْ , وَقَتْل رِجَالهمْ , وَسَبْي ذَرَارِيّهمْ وَنِسَائِهِمْ . يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } ثُمَّ عَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ , فَأَكْثَر عَدَدهمْ , وَنَشَرَهُمْ فِي بِلَادهمْ , ثُمَّ بَدَّلُوا وَأَحْدَثُوا الْأَحْدَاث , وَاسْتَبْدَلُوا بِكِتَابِهِمْ غَيْره , وَرَكِبُوا الْمَعَاصِي , وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِم وَضَيَّعُوا الْحُدُود . 16677 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ أَبِي عَتَّاب رَجُل مِنْ تَغْلِب كَانَ نَصْرَانِيًّا عُمْرًا مِنْ دَهْره , ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد , فَقَرَأَ الْقُرْآن , وَفَقِهَ فِي الدِّين , وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَرْبَعِينَ سَنَة , ثُمَّ عُمِّرَ فِي الْإِسْلَام أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ : كَانَ آخِر أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل نَبِيًّا بَعَثَهُ اللَّه إِلَيْهِمْ , فَقَالَ لَهُمْ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل إِنَّ اللَّه يَقُول لَكُمْ : إِنِّي قَدْ سَلَبْت أَصْوَاتكُمْ , وَأَبْغَضْتُكُمْ بِكَثْرَةِ أَحْدَاثكُمْ ; فَهَمُّوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ , فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ : اِئْتِهِمْ وَاضْرِبْ لِي وَلَهُمْ مَثَلًا , فَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول لَكُمْ : اِقْضُوا بَيْنِي وَبَيْن كَرَمِي ! أَلَمْ أَخْتَرْ لَهَا الْبِلَاد , وَطَيَّبْت لَهُ الْمَدَرَة , وَحَظَرْته بِالسِّيَاجِ , وَعَرَّشْته السَّوِيق وَالشَّوْك وَالسِّيَاج وَالْعَوْسَج , وَأَحَطْته بِرِدَائِي , وَمَنَعْته مِنْ الْعَالَم وَفَضَّلْته , فَلَقِيَنِي بِالشَّوْكِ وَالْجُذُوع , وَكُلّ شَجَرَة لَا تُؤْكَل ؟ ! مَا لِهَذَا اِخْتَرْت الْبَلْدَة , وَلَا طَيَّبْت الْمَدَرَة , وَلَا حَظَرْته بِالسِّيَاجِ , وَلَا عَرَّشْته السَّوِيق , وَلَا حُطْته بِرِدَائِي , وَلَا مَنَعْته مِنْ الْعَالَم ! فَضَّلْتُكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي , ثُمَّ اِسْتَقْبَلْتُمُونِي بِكُلِّ مَا أَكْرَه مِنْ مَعْصِيَتِي وَخِلَاف أَمْرِي ! لَمَهْ إِنَّ الْحِمَار لَيَعْرِف مِذْوَده ! لَمَهْ إِنَّ الْبَقَرَة لَتَعْرِف سَيِّدهَا ! وَقَدْ حَلَفْت بِعِزَّتِي الْعَزِيزَة , وَبِذِرَاعِي الشَّدِيد لَآخُذَن رِدَائِي , وَلَأَمْرُجَن الْحَائِط , وَلَأَجْعَلَنكُمْ تَحْت أَرْجُل الْعَالَم . قَالَ : فَوَثَبُوا عَلَى نَبِيّهمْ فَقَتَلُوهُ , فَضَرَبَ اللَّه عَلَيْهِمْ الذُّلّ , وَنَزَعَ مِنْهُمْ الْمُلْك , فَلَيْسُوا فِي أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا وَعَلَيْهِمْ ذُلّ وَصَغَار وَجِزْيَة يُؤَدُّونَهَا , وَالْمُلْك فِي غَيْرهمْ مِنْ النَّاس , فَلَنْ يَزَالُوا كَذَلِكَ أَبَدًا , مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : قَالَ : فَهَذَا مَا اِنْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ جِمَاع أَحَادِيث بَنِي إِسْرَائِيل . 16678 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : كَانَتْ الْآخِرَة أَشَدّ مِنْ الْأُولَى بِكَثِيرٍ , قَالَ : لِأَنَّ الْأُولَى كَانَتْ هَزِيمَة فَقَطْ , وَالْآخِرَة كَانَ التَّدْمِير , وَأَحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ التَّوْرَاة حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا حَرْف وَاحِد , وَخَرَّبَ الْمَسْجِد . 16679 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : بَعَثَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فِي اِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاس . قَالَ : فَكَانَ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , نِكَاح اِبْنَة الْأَخ . قَالَ : وَكَانَتْ لِمَلِكِهِمْ اِبْنَة أَخ تُعْجِبهُ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا , وَكَانَتْ لَهَا كُلّ يَوْم حَاجَة يَقْضِيهَا ; فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمّهَا قَالَتْ لَهَا : إِذَا دَخَلْت عَلَى الْمَلِك فَسَأَلَك حَاجَتك , فَقُولِي : حَاجَتِي أَنْ تَذْبَح لِي يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ; فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ سَأَلَهَا حَاجَتهَا , فَقَالَتْ : حَاجَتِي أَنْ تَذْبَح يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَقَالَ : سَلِي غَيْر هَذَا ! فَقَالَتْ : مَا أَسْأَلك إِلَّا هَذَا ! قَالَ : فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ دَعَا يَحْيَى وَدَعَا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ , فَبَدَرَتْ قَطْرَة مِنْ دَمه عَلَى الْأَرْض , فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّه بُخْتَنَصَّرَ عَلَيْهِمْ , فَجَاءَتْهُ عَجُوز مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّم . قَالَ : فَأَلْقَى اللَّه فِي نَفْسه أَنْ يَقْتُل عَلَى ذَلِكَ الدَّم مِنْهُمْ حَتَّى يَسْكُن , فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْهُمْ مِنْ سِنّ وَاحِد فَسَكَنَ . وَقَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة مِنْ مَرَّتَيْ إِفْسَادكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْأَرْض { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } يَقُول : لِيَسُوءَ مَجِيء ذَلِكَ الْوَعْد لِلْمَرَّةِ الْآخِرَة وُجُوهكُمْ فَيُقَبِّحهَا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } بِمَعْنَى : لِيَسُوءَ الْعِبَاد أُولُو الْبَأْس الشَّدِيد الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ وُجُوهكُمْ , وَاسْتَشْهَدَ قَارِئُو ذَلِكَ لِصِحَّةِ قِرَاءَتهمْ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد } وَقَالُوا : ذَلِكَ خَبَر عَنْ الْجَمِيع فَكَذَلِكَ الْوَاجِب أَنْ يَكُون قَوْله { لِيَسُوءُوا } . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ " عَلَى التَّوْحِيد وَبِالْيَاءِ . وَقَدْ يَحْتَمِل ذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنْ التَّأْوِيل ; أَحَدهمَا مَا قَدْ ذَكَرْت , وَالْآخَر مِنْهُمَا : لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ . فَمَنْ وَجَّهَ تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى لِيَسُوءَ مَجِيء الْوَعْد وُجُوهكُمْ , جَعَلَ جَوَاب قَوْله " فَإِذَا " مَحْذُوفًا , وَقَدْ اُسْتُغْنِيَ بِمَا ظَهَرَ عَنْهُ , وَذَلِكَ الْمَحْذُوف " جَاءَ " , فَيَكُون الْكَلَام تَأْوِيله : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ جَاءَ . وَمَنْ وَجَّهَ تَأْوِيله إِلَى : لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ , كَانَ أَيْضًا فِي الْكَلَام مَحْذُوف , قَدْ اُسْتُغْنِيَ هُنَا عَنْهُ بِمَا قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ الْمَحْذُوف سِوَى " جَاءَ " , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة بَعَثْنَاهُمْ لِيَسُوءَ اللَّه وُجُوهكُمْ , فَيَكُون الْمُضْمَر بَعَثْنَاهُمْ , وَذَلِكَ جَوَاب " إِذَا " حِينَئِذٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ الْكُوفِيِّينَ : " لِيَسُوءَ وُجُوهكُمْ " عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اِسْمه عَنْ نَفْسه . وَكَانَ مَجِيء وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة عِنْد قَتْلهمْ يَحْيَى . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ , وَالْخَبَر عَمَّا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه حِينَئِذٍ كَمَا : 16666 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرْنَا إِسْنَاده قِيلَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رَأَى فِي النَّوْم أَنَّ خَرَاب بَيْت الْمَقْدِس وَهَلَاك بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى يَدَيْ غُلَام يَتِيم اِبْن أَرْمَلَة مِنْ أَهْل بَابِل , يُدْعَى بُخْتُنَصَّرَ , وَكَانُوا يَصْدُقُونَ فَتَصْدُق رُؤْيَاهُمْ , فَأَقْبَلَ فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أُمّه وَهُوَ يَحْتَطِب , فَلَمَّا جَاءَ وَعَلَى رَأْسه حُزْمَة مِنْ حَطَب أَلْقَاهَا , ثُمَّ قَعَدَ فِي جَانِب الْبَيْت فَضَمَّهُ , ثُمَّ أَعْطَاهُ ثَلَاثَة دَرَاهِم , فَقَالَ : اِشْتَرِ لَنَا بِهَا طَعَامًا وَشَرَابًا , فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ لَحْمًا وَبِدِرْهَمٍ خُبْزًا وَبِدِرْهَمٍ خَمْرًا , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ , حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث فَعَلَ ذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ لَهُ : إِنِّي أُحِبّ أَنْ تَكْتُب لِي أَمَانًا إِنْ أَنْتَ مَلَكْت يَوْمًا مِنْ الدَّهْر , فَقَالَ : أَتَسْخَرُ بِي ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَسْخَر بِك , وَلَكِنْ مَا عَلَيْك أَنْ تَتَّخِذ بِهَا عِنْدِي يَدًا , فَكَلَّمَتْهُ أُمّه , فَقَالَتْ : وَمَا عَلَيْك إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصك شَيْئًا , فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا , فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت إِنْ جِئْت وَالنَّاس حَوْلك قَدْ حَالُوا بَيْنِي وَبَيْنك , فَاجْعَلْ لِي آيَة تَعْرِفنِي بِهَا قَالَ : نَرْفَع صَحِيفَتك عَلَى قَصَبَة أَعْرِفك بِهَا , فَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ . ثُمَّ إِنَّ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ يُكَرِّم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَيُدْنِي مَجْلِسه , وَيَسْتَشِيرهُ فِي أَمْره , وَلَا يَقْطَع أَمْرًا دُونه , وَأَنَّهُ هَوَى أَنْ يَتَزَوَّج اِبْنَة اِمْرَأَة لَهُ , فَسَأَلَ يَحْيَى عَنْ ذَلِكَ , فَنَهَاهُ عَنْ نِكَاحهَا وَقَالَ : لَسْت أَرْضَاهَا لَك , فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمّهَا فَحَقَدَتْ عَلَى يَحْيَى حِين نَهَاهُ أَنْ يَتَزَوَّج اِبْنَتهَا , فَعَمَدَتْ أُمّ الْجَارِيَة حِين جَلَسَ الْمَلِك عَلَى شَرَابه , فَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا رِقَاقًا حُمْرًا , وَطَيَّبَتْهَا وَأَلْبَسَتْهَا مِنْ الْحُلِيّ , وَقِيلَ : إِنَّهَا أَلْبَسَتْهَا فَوْق ذَلِكَ كِسَاء أَسْوَد , وَأَرْسَلَتْهَا إِلَى الْمَلِك , وَأَمَرَتْهَا أَنْ تَسْقِيه , وَأَنْ تَعْرِض لَهُ نَفْسهَا , فَإِنْ أَرَادَهَا عَلَى نَفْسهَا أَبَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْطِيهَا مَا سَأَلَتْهُ , فَإِذَا أَعْطَاهَا ذَلِكَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَأْتِي بِرَأْسِ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فِي طَسْت , فَفَعَلَتْ , فَجَعَلَتْ تَسْقِيه وَتَعْرِض لَهُ نَفْسهَا ; فَلَمَّا أَخَذَ فِيهِ الشَّرَاب أَرَادَهَا عَلَى نَفْسهَا , فَقَالَتْ : لَا أَفْعَل حَتَّى تُعْطِينِي مَا أَسْأَلك , فَقَالَ : مَا الَّذِي تَسْأَلِينِي ؟ قَالَتْ : أَسْأَلك أَنْ تَبْعَث إِلَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَأُوتِيَ بِرَأْسِهِ فِي هَذَا الطَّسْت , فَقَالَ : وَيْحك سَلِينِي غَيْر هَذَا , فَقَالَتْ لَهُ : مَا أُرِيد أَنْ أَسْأَلك إِلَّا هَذَا . قَالَ : فَلَمَّا أَلَحَّتْ عَلَيْهِ بَعَثَ إِلَيْهِ , فَأَتَى بِرَأْسِهِ , وَالرَّأْس يَتَكَلَّم حَتَّى وُضِعَ بَيْن يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول : لَا يَحِلّ لَك ذَلِكَ ; فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا دَمه يَغْلِي , فَأَمَرَ بِتُرَابٍ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ , فَرَقَى الدَّم فَوْق التُّرَاب يَغْلِي , فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ التُّرَاب أَيْضًا , فَارْتَفَعَ الدَّم فَوْقه ; فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي عَلَيْهِ التُّرَاب حَتَّى بَلَغَ سُور الْمَدِينَة وَهُوَ يَغْلِي وَبَلَغَ صحابين , فَثَارَ فِي النَّاس , وَأَرَادَ أَنْ يَبْعَث عَلَيْهِمْ جَيْشًا , وَيُؤَمِّر عَلَيْهِمْ رَجُلًا , فَأَتَاهُ بُخْتُنَصَّرَ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي كُنْت أَرْسَلْته تِلْكَ الْمَرَّة ضَعِيف , وَإِنِّي قَدْ دَخَلْت الْمَدِينَة وَسَمِعْت كَلَام أَهْلهَا , فَابْعَثْنِي , فَبَعَثَهُ , فَسَارَ بُخْتُنَصَّرَ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ الْمَكَان تَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي مَدَائِنهمْ , فَلَمْ يُطِقْهُمْ , فَلَمَّا اِشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْمَقَام وَجَاعَ أَصْحَابه , أَرَادُوا الرُّجُوع , فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ عَجُوز مِنْ عَجَائِز بَنِي إِسْرَائِيل فَقَالَتْ : أَيْنَ أَمِير الْجُنْد ؟ فَأُتِيَ بِهَا إِلَيْهِ , فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُرِيد أَنْ تَرْجِع بِجُنْدِك قَبْل أَنْ تُفْتَح هَذِهِ الْمَدِينَة , قَالَ : نَعَمْ , قَدْ طَالَ مَقَامِي , وَجَاعَ أَصْحَابِي , فَلَسْت أَسْتَطِيع الْمَقَام فَوْق الَّذِي كَانَ مِنِّي , فَقَالَتْ : أَرَأَيْتُك إِنْ فَتَحْت لَك الْمَدِينَة أَتُعْطِينِي مَا سَأَلْتُك , وَتَقْتُل مَنْ أَمَرْتُك بِقَتْلِهِ , وَتَكُفّ إِذَا أَمَرْتُك أَنْ تَكُفّ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَتْ : إِذَا أَصْبَحْت فَاقْسِمْ جُنْدك أَرْبَعَة أَرْبَاع , ثُمَّ أَقِمْ عَلَى كُلّ زَاوِيَة رُبْعًا , ثُمَّ اِرْفَعُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى السَّمَاء فَنَادَوْا : إِنَّا نَسْتَفْتِحك يَا اللَّه بِدَمِ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَإِنَّهَا سَوْفَ تُسَاقَط ; فَفَعَلُوا , فَتَسَاقَطَتْ الْمَدِينَة , وَدَخَلُوا مِنْ جَوَانِبهَا , فَقَالَتْ لَهُ : اُقْتُلْ عَلَى هَذَا الدَّم حَتَّى يَسْكُن , وَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى دَم يَحْيَى وَهُوَ عَلَى تُرَاب كَثِير , فَقَتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى سَكَنَ سَبْعِينَ أَلْفًا وَامْرَأَة ; فَلَمَّا سَكَنَ الدَّم قَالَتْ لَهُ : كُفَّ يَدك , فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا قُتِلَ نَبِيّ لَمْ يَرْضَ , حَتَّى يُقْتَل مَنْ قَتَلَهُ , وَمَنْ رَضِيَ قَتْله , وَأَتَاهُ صَاحِب الصَّحِيفَة بِصَحِيفَتِهِ , فَكَفَّ عَنْهُ وَعَنْ أَهْل بَيْته , وَخَرِبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُطْرَح فِيهِ الْجِيَف , وَقَالَ : مَنْ طَرَحَ فِيهِ جِيفَة فَلَهُ جِزْيَته تِلْكَ السَّنَة , وَأَعَانَهُ عَلَى خَرَابه الرُّوم مِنْ أَجْل أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَتَلُوا يَحْيَى , فَلَمَّا خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرَ ذَهَبَ مَعَهُ بِوُجُوهِ بَنِي إِسْرَائِيل وَأَشْرَافهمْ , وَذَهَبَ بِدَانْيَال وعليا وعزاريا وميشائيل , هَؤُلَاءِ كُلّهمْ مِنْ أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء وَذَهَبَ مَعَهُ بِرَأْسِ جَالُوت ; فَلَمَّا قَدِمَ أَرْض بَابِل وَجَدَ صحابين قَدْ مَاتَ , فَمَلَكَ مَكَانه , وَكَانَ أَكْرَم النَّاس عَلَيْهِ دَانْيَال وَأَصْحَابه , فَحَسَدَهُمْ الْمَجُوس عَلَى ذَلِكَ , فَوَشَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا : إِنَّ دَانْيَال وَأَصْحَابه لَا يَعْبُدُونَ إِلَهك , وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبِيحَتك , فَدَعَاهُمْ فَسَأَلَهُمْ , فَقَالُوا : أَجَلْ إِنَّ لَنَا رَبًّا نَعْبُدهُ , وَلَسْنَا نَأْكُل مِنْ ذَبِيحَتكُمْ , فَأَمَرَ بِخَدٍّ فَخُدَّ لَهُمْ , فَأُلْقُوا فِيهِ وَهُمْ سِتَّة , وَأُلْقِيَ مَعَهُمْ سَبْعًا ضَارِيًا لِيَأْكُلهُمْ , فَقَالَ : اِنْطَلَقُوا فَلِنَأْكُل وَلِنَشْرَب , فَذَهَبُوا فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا , ثُمَّ رَاحُوا فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا وَالسَّبْع مُفْتَرِش ذِرَاعَيْهِ بَيْنهمْ , وَلَمْ يَخْدِش مِنْهُمْ أَحَدًا , وَلَمْ يَنْكَأهُ شَيْئًا , وَوَجَدُوا مَعَهُمْ رَجُلًا , فَعَدُوّهُمْ فَوَجَدُوهُمْ سَبْعَة , فَقَالُوا : مَا بَال هَذَا السَّابِع إِنَّمَا كَانُوا سِتَّة ؟ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ السَّابِع , وَكَانَ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة , فَلَطَمَهُ لَطْمَة فَصَارَ فِي الْوَحْش , فَكَانَ فِيهِمْ سَبْع سِنِينَ , لَا يَرَاهُ وَحْشِيّ إِلَّا أَتَاهُ حَتَّى يَنْكِحهُ , يَقْتَصّ مِنْهُ مَا كَانَ يَصْنَع بِالرِّجَالِ ; ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ وَرَدَّ اللَّه عَلَيْهِ مُلْكه , فَكَانُوا أَكْرَم خَلْق اللَّه عَلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ الْمَجُوس وَشَوْا بِهِ ثَانِيَة , فَأَلْقَوْا أَسَدًا فِي بِئْر قَدْ ضَرِيَ , فَكَانُوا يُلْقُونَ إِلَيْهِ الصَّخْرَة فَيَأْخُذهَا , فَأَلْقَوْا إِلَيْهِ دَانْيَال , فَقَامَ الْأَسَد فِي جَانِب , وَقَامَ دَانْيَال فِي جَانِب لَا يَمَسّهُ , فَأَخْرَجُوهُ , وَقَدْ كَانَ قَبْل ذَلِكَ خَدَّ لَهُمْ خَدًّا , فَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا , حَتَّى إِذَا أَجَّجَهَا قَذَفَهُمْ فِيهَا , فَأَطْفَأَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَنَلْهُمْ مِنْهَا شَيْء . ثُمَّ إِنَّ بُخْتَنَصَّرَ رَأَى بَعْد ذَلِكَ فِي مَنَامه صَنَمًا رَأْسه مِنْ ذَهَب , وَعُنُقه مِنْ شَبَه , وَصَدْره مِنْ حَدِيد , وَبَطْنه أَخْلَاط ذَهَب وَفِضَّة وَقَوَارِير , وَرِجْلَاهُ مِنْ فَخَّار ; فَبَيْنَا هُوَ قَائِم يَنْظُر , إِذْ جَاءَتْ صَخْرَة مِنْ السَّمَاء مِنْ قِبَل الْقِبْلَة , فَكَسَرَتْ الصَّنَم فَجَعَلَتْهُ هُشَيْمًا , فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا وَأُنْسِيهَا , فَدَعَا السَّحَرَة وَالْكَهَنَة , فَسَأَلَهُمْ , فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَمَّا رَأَيْت ! فَقَالُوا لَهُ : لَا , بَلْ أَنْتَ أَخْبِرْنَا مَا رَأَيْت فَنَعْبُرهُ لَك . قَالَ : لَا أَدْرِي , قَالُوا لَهُ : فَهَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ تُكْرِمهُمْ , فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ , فَإِنْ هُمْ لَمْ يُخْبِرُوك بِمَا رَأَيْت فَمَا تَصْنَع بِهِمْ ؟ قَالَ : أَقْتُلهُمْ ! فَأَرْسَلَ إِلَى دَانْيَال وَأَصْحَابه , فَدَعَاهُمْ , فَقَالَ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي مَاذَا رَأَيْت ؟ فَقَالَ لَهُ دَانْيَال : بَلْ أَنْتَ أَخْبِرْنَا مَا رَأَيْت فَنَعْبُرهُ لَك ! قَالَ : لَا أَدْرِي قَدْ نَسِيتهَا ! فَقَالَ لَهُ دَانْيَال : كَيْف نَعْلَم رُؤْيَا لَمْ تُخْبِرنَا بِهَا ؟ فَأَمَرَ الْبَوَّاب أَنْ يَقْتُلهُمْ , فَقَالَ دَانْيَال لِلْبَوَّابِ : إِنَّ الْمَلِك إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِنَا مِنْ أَجْل رُؤْيَاهُ , فَأَخِّرْنَا ثَلَاثَة أَيَّام , فَإِنْ نَحْنُ أَخْبَرَنَا الْمُلْك بِرُؤْيَاهُ وَإِلَّا فَاضْرِبْ أَعْنَاقنَا ; فَأَجَّلَهُمْ فَدَعَوْا اللَّه ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث أَبْصَرَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ رُؤْيَا بُخْتَنَصَّرَ عَلَى حِدَة , فَأَتَوْا الْبَوَّاب فَأَخْبَرُوهُ , فَدَخَلَ عَلَى الْمَلِك فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ : أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ ; وَكَانَ بُخْتُنَصَّرَ لَا يَعْرِف مِنْ رُؤْيَاهُ شَيْئًا , إِلَّا شَيْئًا يَذْكُرُونَهُ , فَقَالُوا لَهُ : أَنْتَ رَأَيْت كَذَا وَكَذَا , فَقَصُّوهَا عَلَيْهِ , فَقَالَ : صَدَقْتُمْ ! قَالُوا : نَحْنُ نَعْبُرهَا لَك . أَمَّا الصَّنَم الَّذِي رَأَيْت رَأْسه مِنْ ذَهَب , فَإِنَّهُ مُلْك حَسَن مِثْل الذَّهَب , وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْأَرْض كُلّهَا ; وَأَمَّا الْعُنُق مِنْ الشَّبَه , فَهُوَ مُلْك اِبْنك بَعْد , يَمْلِك فَيَكُون مُلْكه حَسَنًا , وَلَا يَكُون مِثْل الذَّهَب ; وَأَمَّا صَدْره الَّذِي مِنْ حَدِيد فَهُوَ مُلْك أَهْل فَارِس , يَمْلِكُونَ بَعْدك اِبْنك , فَيَكُون مُلْكهمْ شَدِيدًا مِثْل الْحَدِيد ; وَأَمَّا بَطْنه الْأَخْلَاط , فَإِنَّهُ يَذْهَب مُلْك أَهْل فَارِس , وَيَتَنَازَع النَّاس الْمُلْك فِي كُلّ قَرْيَة , حَتَّى يَكُون الْمَلِك يُمْلَك الْيَوْم وَالْيَوْمَيْنِ , وَالشَّهْر وَالشَّهْرَيْنِ , ثُمَّ يُقْتَل , فَلَا يَكُون لِلنَّاسِ قِوَام عَلَى ذَلِكَ , كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّنَمِ قِوَام عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ فَخَّار ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ بَعَثَ اللَّه تَعَالَى نَبِيًّا مِنْ أَرْض الْعَرَب , فَأَظْهَرَهُ عَلَى بَقِيَّة مُلْك أَهْل فَارِس , وَبَقِيَّة مُلْك اِبْنك وَمُلْكك , فَدَمَّرَهُ وَأَهْلَكَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء , كَمَا جَاءَتْ الصَّخْرَة فَهَدَمَتْ الصَّنَم ; فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأَحَبَّهُمْ . ثُمَّ إِنَّ الْمَجُوس وَشَوْا بِدَانْيَال , فَقَالُوا : إِنَّ دَانْيَال إِذَا شَرِبَ الْخَمْر لَمْ يَمْلِك نَفْسه أَنْ يَبُول , وَكَانَ ذَلِكَ فِيهِمْ عَارًا , فَجَعَلَ لَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ طَعَامًا , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا , وَقَالَ لِلْبَوَّابِ : اُنْظُرْ أَوَّل مَنْ يَخْرُج عَلَيْك يَبُول , فَاضْرِبْهُ بالطبرزين , وَإِنْ قَالَ : أَنَا بُخْتُنَصَّرَ , فَقُلْ : كَذَبْت , بُخْتُنَصَّرَ أَمَرَنِي . فَحَبَسَ اللَّه عَنْ دَانْيَال الْبَوْل , وَكَانَ أَوَّل مَنْ قَامَ مِنْ الْقَوْم يُرِيد الْبَوْل بُخْتُنَصَّرَ , فَقَامَ مُدِلًّا , وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا , يَسْحَب ثِيَابه ; فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّاب شَدَّ عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَنَا بُخْتُنَصَّرَ , فَقَالَ : كَذَبْت , بُخْتُنَصَّرَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُل أَوَّل مَنْ يَخْرُج , فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ . 16667 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْأُولَى سنحاريب . قَالَ : فَرَدَّ اللَّه لَهُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ ; قَالَ : ثُمَّ عَصَوْا رَبّهمْ وَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ , فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ , فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَة , وَسَبَى الذُّرِّيَّة , وَأَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ الْأَمْوَال , وَدَخَلُوا بَيْت الْمَقْدِس , كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } دَخَلُوهُ فَتَبَرُّوهُ وَخَرَّبُوهُ وَأَلْقَوْا فِيهِ مَا اِسْتَطَاعُوا مِنْ الْعَذِرَة وَالْحَيْض وَالْجِيَف وَالْقَذَر , فَقَالَ اللَّه { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } 17 8 فَرَحِمَهُمْ فَرَدَّ إِلَيْهِمْ مَلِكهمْ وَخَلَّصَ مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ ذُرِّيَّة بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالَ لَهُمْ : إِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا . فَقَالَ أَبُو الْمُعَلَّى , وَلَا أَعْلَم ذَلِكَ , إِلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَلَمْ يَعِدْهُمْ الرَّجْعَة إِلَى مَلِكهمْ . 16668 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } قَالَ : بَعَثَ اللَّه مُلْك فَارِس بِبَابِل جَيْشًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ , فَأَتَوْا بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَمَّرُوهُمْ , فَكَانَتْ هَذِهِ الْآخِرَة وَوَعْدهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم . قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 16669 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : ثني يَعْلَى بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا ضَرَبَ بُخْتُنَصَّرَ الْمَلِك بِجِرَانِهِ , قَالَ : ثَلَاثَة فَمَنْ اِسْتَأْخَرَ مِنْكُمْ بَعْدهَا فَلْيَمْشِ إِلَى خَشَبَته , فَغَزَا الشَّام , فَذَلِكَ حِين قَتَلَ وَأَخْرَجَ بَيْت الْمَقْدِس , وَنَزَعَ حِلْيَته , فَجَعَلَهَا آنِيَة لِيَشْرَب فِيهَا الْخُمُور , وَخُوَانًا يَأْكُل عَلَيْهِ الْخَنَازِير , وَحَمَلَ التَّوْرَاة مَعَهُ , ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي النَّار , وَقَدِمَ فِيمَا قَدِمَ بِهِ مِائَة وَصِيف مِنْهُمْ دَانْيَال وعزريا وحنانيا ومشائيل , فَقَالَ لِإِنْسَانٍ : أَصْلِحْ لِي أَجْسَام هَؤُلَاءِ لَعَلِّي أَخْتَار مِنْهُمْ أَرْبَعَة يَخْدُمُونَنِي , فَقَالَ دَانْيَال لِأَصْحَابِهِ : إِنَّمَا نُصِرُوا عَلَيْكُمْ بِمَا غَيَّرْتُمْ مِنْ دِين آبَائِكُمْ , لَا تَأْكُلُوا لَحْم الْخِنْزِير , وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْر , فَقَالُوا لِلَّذِي يُصْلِح أَجْسَامهمْ : هَلْ لَك أَنْ تُطْعِمنَا طَعَامًا , هُوَ أَهْوَن عَلَيْك فِي الْمُؤْنَة مَا تُطْعِم أَصْحَابنَا , فَإِنْ لَمْ نَسْمَن قَبْلهمْ رَأَيْت رَأْيك , قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : خُبْز الشَّعِير وَالْكُرَّاث , فَفَعَلَ فَسَمِنُوا قَبْل أَصْحَابهمْ , فَأَخَذَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ يَخْدُمُونَهُ ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ رَأَى بُخْتُنَصَّرَ رُؤْيَا , فَجَلَسَ فَنَسِيَهَا ; فَعَادَ فَرَقَدَ فَرَآهَا , فَقَامَ فَنَسِيَهَا , ثُمَّ عَادَ فَرَقَدَ فَرَآهَا , فَخَرَجَ إِلَى الْحُجْرَة , فَنَسِيَهَا ; فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا الْعُلَمَاء وَالْكُهَّان , فَقَالَ : أَخْبِرُونِي بِمَا رَأَيْت الْبَارِحَة , وَأَوِّلُوا لِي رُؤْيَايَ , وَإِلَّا فَلْيَمْشِ كُلّ رَجُل مِنْكُمْ إِلَى خَشَبَته , مَوْعِدكُمْ ثَالِثَة . فَقَالُوا : هَذَا لَوْ أَخْبَرَنَا بِرُؤْيَاهُ ; وَذَكَرَ كَلَامًا لَمْ أَحْفَظهُ , قَالَ : وَجَعَلَ دَانْيَال كُلَّمَا مَرَّ بِهِ أَحَد مِنْ قَرَابَته يَقُول : لَوْ دَعَانِي الْمَلِك لَأَخْبَرْته بِرُؤْيَاهُ , وَلَأَوَّلْتهَا لَهُ , قَالَ : فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : مَا أَحْمَق هَذَا الْغُلَام الْإِسْرَائِيلِيّ إِلَى أَنْ مَرَّ بِهِ كَهْل , فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ , فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ , فَدَعَاهُ فَقَالَ : مَاذَا رَأَيْت ؟ قَالَ : رَأَيْت تِمْثَالًا , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَرَأْسه مِنْ ذَهَب , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَعُنُقه مِنْ فِضَّة , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَصَدْره مِنْ حَدِيد , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَبَطْنه مِنْ صُفْر , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَرِجْلَاهُ مِنْ آنُك , قَالَ : إِيه , قَالَ : وَقَدَمَاهُ مِنْ فَخَّار , قَالَ : هَذَا الَّذِي رَأَيْت ؟ قَالَ : إِيه , قَالَ : فَجَاءَتْ حَصَاهُ فَوَقَعَتْ فِي رَأْسه , ثُمَّ فِي عُنُقه , ثُمَّ فِي صَدْره , ثُمَّ فِي بَطْنه , ثُمَّ فِي رِجْلَيْهِ , ثُمَّ فِي قَدَمَيْهِ , قَالَ : فَأَهْلَكْته . قَالَ : فَمَا هَذَا ؟ قَالَ : أَمَّا الذَّهَب فَإِنَّهُ مُلْكك , وَأَمَّا الْفِضَّة فَمُلْك اِبْنك مِنْ بَعْدك , ثُمَّ مُلْك اِبْن اِبْنك , قَالَ : وَأَمَّا الْفَخَّار فَمُلْك النِّسَاء , فَكَسَاهُ جُبَّة تَرِثُونَ , وَسَوَّرَهُ وَطَافَ بِهِ فِي الْقَرْيَة , وَأَجَازَ خَاتَمه ; فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ فَارِس , قَالُوا : مَا الْأَمْر إِلَّا أَمْر هَذَا الْإِسْرَائِيلِيّ , فَقَالُوا : اِئْتُوهُ مِنْ نَحْو الْفِتْيَة الثَّلَاثَة , وَلَا تَذْكُرُوا لَهُ دَانْيَال , فَإِنَّهُ لَا يُصَدِّقكُمْ عَلَيْهِ , فَأَتَوْهُ , فَقَالُوا : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الثَّلَاثَة لَيْسُوا عَلَى دِينك , وَآيَة ذَلِكَ أَنَّك إِنْ قَرَّبْت إِلَيْهِمْ لَحْم الْخِنْزِير وَالْخَمْر لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا ; فَأَمَرَ بِحَطَبٍ كَثِير فَوُضِعَ , ثُمَّ أَرْقَاهُمْ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَوْقَدَ فِيهِ نَارًا , ثُمَّ خَرَجَ مِنْ آخِر اللَّيْل يَبُول , فَإِذَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ , وَإِذَا مَعَهُمْ رَابِع يَرُوح عَلَيْهِمْ يُصَلِّي , قَالَ : مَنْ هَذَا يَا دَانْيَال ؟ قَالَ : هَذَا جِبْرِيل , إِنَّك ظَلَمْتهمْ , قَالَ : ظَلَمْتهمْ ! مُرْ بِهِمْ يَنْزِلُوا ; فَأَمَرَ بِهِمْ فَنَزَلُوا , قَالَ : وَمَسَخَ اللَّه تَعَالَى بُخْتَنَصَّرَ مِنْ الدَّوَابّ كُلّهَا , فَجَعَلَ مِنْ كُلّ صِنْف مِنْ الدَّوَابّ رَأْسه رَأْس سَبْع مِنْ السِّبَاع الْأَسَد , وَمِنْ الطَّيْر النَّسْر , وَمُلْك اِبْنه فَرَأَى كَفًّا خَرَجَتْ بَيْن لَوْحَيْنِ , ثُمَّ كَتَبْت سَطْرَيْنِ , فَدَعَا الْكُهَّان وَالْعُلَمَاء فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِلْمًا , فَقَالَتْ لَهُ أُمّه : إِنَّك لَوْ أَعَدْت إِلَى دَانْيَال مَنْزِلَته الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْ أَبِيك أُخْبِرك , وَكَانَ قَدْ جَفَاهُ , فَدَعَاهُ , فَقَالَ : إِنِّي مُعِيد إِلَيْك مَنْزِلَتك مِنْ أَبِي , فَأَخْبَرَنِي مَا هَذَانِ السَّطْرَانِ ؟ قَالَ : إِمَّا أَنْ تُعِيد إِلَيَّ مَنْزِلَتِي مِنْ أَبِيك , فَلَا حَاجَة لِي بِهَا , وَأَمَّا هَذَانِ السَّطْرَانِ فَإِنَّك تُقْتَل اللَّيْلَة , فَأَخْرِجْ مَنْ فِي الْقَصْر أَجْمَعِينَ , وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ , فَأُقْفِلَتْ الْأَبْوَاب عَلَيْهِ , وَادْخُلْ مَعَهُ آمَنَ أَهْل الْقَرْيَة فِي نَفْسه مَعَهُ سَيْف , فَقَالَ : مَنْ جَاءَك مِنْ خَلْق اللَّه فَاقْتُلْهُ , وَإِنْ قَالَ أَنَا فُلَان ; وَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِ الْبَطْن , فَجَعَلَ يَمْشِي حَتَّى كَانَ شَطْر اللَّيْل , فَرَقَدَ وَرَقَدَ صَاحِبه ; ثُمَّ نَبَّهَهُ الْبَطْن , فَذَهَبَ يَمْشِي وَالْآخَر نَائِم , فَرَجَعَ فَاسْتَيْقَظَ بِهِ , فَقَالَ لَهُ : أَنَا فُلَان , فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ . 16670 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } آخِر الْعُقُوبَتَيْنِ { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة } كَمَا دَخَلَهُ عَدُوّهُمْ قَبْل ذَلِكَ { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ الْمَجُوسِيّ الْبَابِلِيّ , أَبْغَض خَلْق اللَّه إِلَيْهِ , فَسَبَى وَقَتَلَ وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَسَامَهُمْ سُوء الْعَذَاب . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } مِنْ الْمَرَّتَيْنِ { لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ } قَالَ : لِيُقَبِّحُوا وُجُوهكُمْ { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا , قَالَ : هُوَ بُخْتُنَصَّرَ , بَعَثَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة . 16671 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنْي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَلَمَّا أَفْسَدُوا بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ , فَخَرَّبَ الْمَسَاجِد وَتَبَّرَ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . 16672 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : فِيمَا بَلَغَنِي , اِسْتَخْلَفَ اللَّه عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بَعْد ذَلِكَ , يَعْنِي بَعْد قَتْلهمْ شعياء رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَال لَهُ : ناشة بْن آموص , فَبَعَثَ اللَّه الْخَضِر نَبِيًّا , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ بَلَغَنِي يَقُول : " إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر خَضِرًا , لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء , فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزّ خَضْرَاء " قَالَ : وَاسْم الْخَضِر فِيمَا كَانَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَزْعُم عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل : أرميا بْن حلفيا , وَكَانَ مِنْ سِبْط هَارُون بْن عِمْرَان . 16673 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن زَنْجُوَيْهِ , قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق عَمَّنْ لَا يُتَّهَم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , وَاللَّفْظ لِحَدِيثِ اِبْن حُمَيْد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لإرميا حِين بَعَثَهُ نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل : يَا إرميا مِنْ قَبْل أَنْ أَخْلُقك اِخْتَرْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ أُصَوِّرك فِي بَطْن أُمّك قَدَّسْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ أُخْرِجك مِنْ بَطْن أُمّك طَهَّرْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ تَبْلُغ السَّعْي نَبَّأْتُك , وَمِنْ قَبْل أَنْ تَبْلُغ الْأَشُدّ اِخْتَرْتُك , وَلِأَمْرٍ عَظِيم اِخْتَبَأْتُكَ ; فَبَعَثَ اللَّه إرميا إِلَى ذَلِكَ الْمَلِك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يُسَدِّدهُ وَيُرْشِدهُ , وَيَأْتِيه بِالْخَبَرِ مِنْ اللَّه فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه ; قَالَ : ثُمَّ عَظُمَتْ الْأَحْدَاث فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَكِبُوا الْمَعَاصِي , وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِم , وَنَسُوا مَا كَانَ اللَّه تَعَالَى صَنَعَ بِهِمْ , وَمَا نَجَّاهُمْ مِنْ عَدُوّهُمْ سنحاريب وَجُنُوده . فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى إرمياء : أَنْ اِئْتِ قَوْمك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَاقْصُصُوا عَلَيْهِمْ مَا أَمَرَك بِهِ , وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ , وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثهمْ , فَقَالَ إرمياء : إِنِّي ضَعِيف إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي , وَعَاجِز إِنْ لَمْ تُبَلِّغنِي , وَمُخْطِئ إِنْ لَمْ تُسَدِّدنِي , وَمَخْذُول إِنْ لَمْ تَنْصُرنِي , وَذَلِيل إِنْ لَمْ تُعِزّنِي . قَالَ : اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَوَلَمْ تَعْلَم أَنَّ الْأُمُور كُلّهَا تَصْدُر عَنْ مَشِيئَتِي , وَإِنَّ الْقُلُوب كُلّهَا وَالْأَلْسِنَة بِيَدِي , أُقَلِّبهَا كَيْف شِئْت , فَتُطِيعنِي , وَإِنِّي أَنَا اللَّه الَّذِي لَا شَيْء مِثْلِي , قَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي , وَأَنَا كَلَّمْت الْبِحَار , فَفَهِمَتْ قَوْلِي , وَأَمَرْتهَا فَعَقَلَتْ أَمْرِي , وَحَدَّدْت عَلَيْهَا بِالْبَطْحَاءِ فَلَا تَعَدَّى حَدِّي , تَأْتِي بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتهَا مَذَلَّة طَاعَتِي خَوْفًا وَاعْتِرَافًا لِأَمْرِي إِنِّي مَعَك , وَلَنْ يَصِل إِلَيْك شَيْء مَعِي , وَإِنْ بَعَثْتُك إِلَى خَلْق عَظِيم مِنْ خَلْقِي , لِتُبَلِّغهُمْ رِسَالَاتِي , وَلِتَسْتَحِقّ بِذَلِكَ مِثْل أَجْر مَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أُجُورهمْ شَيْئًا , وَإِنْ تُقَصِّر عَنْهَا فَلَك مِثْل وِزْر مَنْ تَرَكَّبَ فِي عَمَاهُ لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارهمْ شَيْئًا ; اِنْطَلِقْ إِلَى قَوْمك فَقُلْ : إِنَّ اللَّه ذَكَرَ لَكُمْ صَلَاح آبَائِكُمْ , فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِيبكُمْ يَا مَعْشَر الْأَبْنَاء , وَسَلْهُمْ كَيْف وَجَدَ آبَاؤُهُمْ مَغَبَّة طَاعَتِي , وَكَيْف وَجَدُوا هُمْ مَغَبَّة مَعْصِيَتِي , وَهَلْ عَلِمُوا أَنَّ أَحَدًا قَبْلهمْ أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي , أَوْ عَصَانِي فَسَعِدَ بِمَعْصِيَتِي , فَإِنَّ الدَّوَابّ مَا تَذْكُر أَوْطَانهَا الصَّالِحَة , فَتَنْتَابهَا , وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم قَدْ رَتَعُوا فِي مُرُوج الْهَلَكَة . أَمَّا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ فَاِتَّخَذُوا عِبَادِي خَوَلًا لِيَعْبُدُوهُمْ دُونِي وَتَحَكَّمُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي , وَأَنْسَوْهُمْ ذِكْرِي , وَغَرُّوهُمْ مِنِّي . أَمَّا أُمَرَاؤُهُمْ وَقَادَّاتهمْ فَبَطِرُوا نِعْمَتِي , وَأَمِنُوا مَكْرِي , وَنَبَذُوا كِتَابِي , وَنَسُوا عَهْدِي , وَغَيَّرُوا سُنَّتِي , فَادَّانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي , فَهُمْ يُطِيعُوهُمْ فِي مَعْصِيَتِي , وَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى الْبِدَع الَّتِي يَبْتَدِعُونَ فِي دِينِي جَرَاءَة عَلَيَّ وَغُرَّة وَفِرْيَة عَلَيَّ وَعَلَى رُسُلِي , فَسُبْحَان جَلَالِي وَعُلُوّ مَكَانِي , وَعِظَم شَأْنِي , فَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاع فِي مَعْصِيَتِي , وَهَلْ يَنْبَغِي فِي أَنْ أَخْلُق عِبَادًا اِجْعَلْهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِي . وَأَمَّا قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ فَيَتَعَبَّدُونَ فِي الْمَسَاجِد , وَيَتَزَيَّنُونَ بِعِمَارَتِهَا لِغَيْرِي , لِطَلَبِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ , وَيَتَفَقَّهُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعِلْم , وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعَمَل . وَأَمَّا أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء , فَمُكْثِرُونَ مَقْهُورُونَ مُغَيِّرُونَ , يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ , وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَى مِثْل نُصْرَة آبَائِهِمْ وَالْكَرَامَة الَّتِي أَكْرَمْتهمْ بِهَا , وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا أَحَد أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ مِنِّي بِغَيْرِ صِدْق وَلَا تَفَكُّر وَلَا تَدَبُّر , وَلَا يَذْكُرُونَ كَيْف كَانَ صَبْر آبَائِهِمْ لِي , وَكَيْف كَانَ جِدّهمْ فِي أَمْرِي حِين غَيَّرَ الْمُغَيِّرُونَ , وَكَيْف بَذَلُوا أَنْفُسهمْ وَدِمَاءَهُمْ , فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا حَتَّى عَزَّ أَمْرِي , وَطَهُرَ دِينِي , فَتَأَنَّيْت بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم لَعَلَّهُمْ يَسْتَجِيبُونَ , فَأَطْوَلْت لَهُمْ , وَصَفَحْت عَنْهُمْ , لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ , فَأَكْثَرْت وَمَدَدْت لَهُمْ فِي الْعُمْر لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ , فَأَعْذَرْت فِي كُلّ ذَلِكَ , أُمْطِر عَلَيْهِمْ السَّمَاء , وَأُنْبِت لَهُمْ الْأَرْض , وَأُلْبِسهُمْ الْعَافِيَة وَأُظْهِرهُمْ عَلَى الْعَدُوّ فَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا طُغْيَانًا وَبُعْدًا مِنِّي , فَحَتَّى مَتَى هَذَا ؟ أَبِي يَتَمَرَّسُونَ أَمْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ ؟ وَإِنِّي أَحْلِف بِعِزَّتِي لَأُقَيِّضَن لَهُمْ فِتْنَة يَتَحَيَّر فِيهَا الْحَلِيم , وَيَضِلّ فِيهَا رَأْي ذِي الرَّأْي , وَحِكْمَة الْحَكِيم , ثُمَّ لَأُسَلِّطَن عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِيًا , أَلْبِسْهُ الْهَيْبَة , وَأَنْتَزِع مِنْ صَدْره الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة وَالْبَيَان , يَتْبَعهُ عَدَد وَسَوَاد مِثْل سَوَاد اللَّيْل الْمُظْلِم , لَهُ عَسَاكِر مِثْل قِطَع السَّحَاب , وَمَرَاكِب أَمْثَال الْعَجَاج , كَأَنَّ خَفِيق رَايَاته طَيَرَان النُّسُور , وَأَنَّ حَمَلَة فُرْسَانه كَوَبَرِ الْعُقْبَانِ . ثُمَّ أَوْحَى اللَّه إِلَى إرميا : إِنِّي مُهْلِك بَنَى إِسْرَائِيل بِيَافِث , وَيَافِث أَهْل بَابِل , وَهُمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح . ثُمَّ لَمَّا سَمِعَ إرميا وَحْي رَبّه صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابه , وَنَبَذَ الرَّمَاد عَلَى رَأْسه وَقَالَ : مَلْعُون يَوْم وُلِدْت فِيهِ , وَيَوْم لَقِيت التَّوْرَاة , وَمِنْ شَرّ أَيَّامِي يَوْم وُلِدْت فِيهِ , فَمَا أَبْقَيْت آخِر الْأَنْبِيَاء إِلَّا لِمَا هُوَ أَشَرّ عَلَيَّ ! لَوْ أَرَادَ بِي خَيْرًا مَا جَعَلَنِي آخِر الْأَنْبِيَاء مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَمِنْ أَجْلِي تُصِيبهُمْ الشِّقْوَة وَالْهَلَاك ; فَلَمَّا سَمِعَ اللَّه تَضَرُّع الْخَضِر وَبُكَاءَهُ , وَكَيْف يَقُول , نَادَاهُ : يَا إرميا أَشُقّ ذَلِكَ عَلَيْك فِيمَا أَوْحَيْت لَك ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَبّ ! أَهْلِكْنِي قَبْل أَنْ أَرَى فِي بَنِي إِسْرَائِيل مَا لَا أُسَرّ بِهِ ! فَقَالَ اللَّه : وَعِزَّتِي الْعَزِيزَة لَا أُهْلِك بَيْت الْمَقْدِس وَبَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى يَكُون الْأَمْر مِنْ قِبَلك فِي ذَلِكَ ; فَفَرِحَ عِنْد ذَلِكَ إرميا لَمَّا قَالَ لَهُ رَبّه , وَطَابَتْ نَفْسه , وَقَالَ : لَا , وَاَلَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ لَا آمُر رَبِّي بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيل أَبَدًا ! ثُمَّ أَتَى مُلْك بَنِي إِسْرَائِيل فَأَخْبَرَهُ مَأْ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ وَقَالَ : إِنْ يُعَذِّبنَا رَبّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَة قَدَّمْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا , وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِقُدْرَتِهِ . مِمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْد هَذَا الْوَحْي ثَلَاث سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَة وَتَمَادِيًا فِي الشَّرّ , وَذَلِكَ حِين اِقْتَرَبَ هَلَاكهمْ ; فَقَلَّ الْوَحْي حِين لَمْ يَكُونُوا يَتَذَكَّرُونَ الْآخِرَة , وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ حِين أَلْهَتْهُمْ الدُّنْيَا وَشَأْنهَا , فَقَالَ لَهُمْ مَلِكهمْ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , اِنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَمَسّكُمْ بَأْس اللَّه , وَقَبْل أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ قَوْم لَا رَحْمَة لَهُمْ بِكُمْ , وَإِنَّ رَبّكُمْ قَرِيب التَّوْبَة , مَبْسُوط الْيَدَيْنِ بِالْخَيْرِ , رَحِيم بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ . فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعُوا عَنْ شَيْء مَا هُمْ عَلَيْهِ ; وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَبْقَى فِي قَلْب بُخْتَنَصَّرَ بْن نَجُور زَاذَان بْن سنحاريب بْن دارياس بْن نُمْرُود بْن فالخ بْن عَابِر بْن نُمْرُود صَاحِب إِبْرَاهِيم الَّذِي حَاجَّهُ فِي رَبّه , أَنْ يَسِير إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , ثُمَّ يَفْعَل فِيهِ مَا كَانَ جَدّه سنحاريب أَرَادَ أَنْ يَفْعَل , فَخَرَجَ فِي سِتّ مِائَة أَلْف رَايَة يُرِيد أَهْل بَيْت الْمَقْدِس ; فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل الْخَبَر أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَدْ أَقْبَلَ هُوَ وَجُنُوده يُرِيدكُمْ , فَأَرْسَلَ الْمَلِك إِلَى إرميا , فَجَاءَهُ فَقَالَ : يَا إرميا أَيْنَ مَا زَعَمْت لَنَا أَنَّ رَبّك أَوْحَى إِلَيْك أَنْ لَا يُهْلِك أَهْل بَيْت الْمَقْدِس , حَتَّى يَكُون مِنْك الْأَمْر فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ إرميا لِلْمَلِكِ : إِنَّ رَبِّي لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , وَأَنَا بِهِ وَاثِق . فَلَمَّا اِقْتَرَبَ الْأَجَل وَدَنَا اِنْقِطَاع مُلْكهمْ وَعَزَمَ اللَّه عَلَى هَلَاكهمْ , بَعَثَ اللَّه مَلِكًا مِنْ عِنْده , فَقَالَ لَهُ : اِذْهَبْ إِلَى إرميا فَاسْتَفْتِهِ , وَأَمَرَهُ بِاَلَّذِي يَسْتَفْتِي فِيهِ ; فَأَقْبَلَ الْمَلِك إِلَى إرمياء , وَكَانَ قَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَسْتَفْتِيك فِي بَعْض أَمْرِي ; فَأَذِنَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : يَا نَبِيّ اللَّه أَتَيْتُك أَسْتَفْتِيك فِي أَهْل رَحِمِي , وَصَلْت أَرْحَامهمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّه بِهِ , لَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلَّا حَسَنًا , وَلَمْ آلُهُمْ كَرَامَة , فَلَا تَزِيدهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلَّا إِسْخَاطًا لِي , فَأَفْتِنِي فِيهِمْ يَا نَبِيّ اللَّه ! فَقَالَ لَهُ : أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنك وَبَيْن اللَّه , وَصِلْ مَا أَمَرَك اللَّه أَنْ تَصِل , وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ وَانْصَرِفْ عَنْهُ . فَمَكَثَ أَيَّامًا , ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَة ذَلِكَ الَّذِي جَاءَهُ , فَقَعَدَ بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الرَّجُل الَّذِي آتَيْتُك أَسْتَفْتِيك فِي شَأْن أَهْلِي , فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : أَوَمَا ظَهَرَتْ لَك أَخْلَاقهمْ بَعْد , وَلَمْ تَرَ مِنْهُمْ الَّذِي تُحِبّ ؟ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَعْلَم كَرَامَة يَأْتِيهَا أَحَد مِنْ النَّاس لِأَهْلِ رَحِمه إِلَّا قَدْ أَتَيْتهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَل مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ النَّبِيّ : اِرْجِعْ إِلَى أَهْلك فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ , أَسْأَل اللَّه الَّذِي يُصْلِح عِبَاده الصَّالِحِينَ أَنْ يُصْلِح ذَات بَيْنكُمْ , وَأَنْ يَجْمَعكُمْ عَلَى مَرْضَاته , وَيُجَنِّبكُمْ سَخَطه ; فَقَالَ الْمَلِك مَنْ عِنْده , فَلَبِثَ أَيَّامًا وَقَدْ نَزَلَ بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده حَوْل بَيْت الْمَقْدِس , وَمَعَهُ خَلَائِق مِنْ قَوْمه كَأَمْثَالِ الْجَرَاد , فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيل فَزَعًا شَدِيدًا , وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَعَا إرميا , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَيْنَ مَا وَعَدَك اللَّه ؟ فَقَالَ : إِنِّي بِرَبِّي وَاثِق . ثُمَّ إِنَّ الْمَلِك أَقْبَلَ إِلَى إرميا وَهُوَ قَاعِد عَلَى جِدَار بَيْت الْمَقْدِس يَضْحَك وَيَسْتَبْشِر بِنَصْرِ رَبّه الَّذِي وَعَدَهُ , فَقَعَدَ بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ إرميا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الَّذِي كُنْت آتَيْتُك فِي شَأْن أَهْلِي مَرَّتَيْنِ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : أَوَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : يَا نَبِيّ اللَّه , كُلّ شَيْء كَانَ يُصِيبنِي مِنْهُمْ قَبْل الْيَوْم كُنْت أَصْبِر عَلَيْهِ , وَأَعْلَم أَنَّ مَأْرَبهمْ فِي ذَلِكَ سَخَطِي ; فَلَمَّا أَتَيْتهمْ الْيَوْم رَأَيْتهمْ فِي عَمَل لَا يُرْضِي اللَّه وَلَا يُحِبّهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه : عَلَى أَيّ عَمَل رَأَيْتهمْ ؟ قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه رَأَيْتهمْ عَلَى عَمَل عَظِيم مِنْ سَخَط اللَّه , فَلَوْ كَانُوا عَلَى مِثْل مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل الْيَوْم لَمْ يَشْتَدّ عَلَيْهِمْ غَضَبِي , وَصَبَرْت لَهُمْ وَرَجَوْتهمْ , وَلَكِنْ غَضِبْت الْيَوْم لِلَّهِ وَلَك , فَأَتَيْتُك لِأُخْبِرك خَبَرهمْ , وَإِنِّي أَسْأَلك بِاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِلَّا مَا دَعَوْت عَلَيْهِمْ رَبّك أَنْ يُهْلِكهُمْ ; فَقَالَ إرميا : يَا مَالِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض , إِنْ كَانُوا عَلَى حَقّ وَصَوَاب فَأَبْقِهِمْ , وَإِنْ كَانُوا عَلَى سَخَطك وَعَمَل لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ . فَمَا خَرَجَتْ الْكَلِمَة مِنْ فِي إرميا حَتَّى أَرْسَلَ اللَّه صَاعِقَة مِنْ السَّمَاء فِي بَيْت الْمَقْدِس , فَالْتَهَبَ مَكَان الْقُرْبَانِ , وَخَسَفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَاب مِنْ أَبْوَابهَا ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إرميا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابه , وَنَبَذَ الرَّمَاد عَلَى رَأْسه وَقَالَ : يَا مَلِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِيَدِك مَلَكُوت كُلّ شَيْء وَأَنْتَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ ! أَيْنَ مِيعَادك الَّذِي وَعَدْتنِي ؟ فَنُودِيَ إرميا : إِنَّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمْ الَّذِي أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاك الَّتِي أَفْتَيْت بِهَا رَسُولنَا ; فَاسْتَيْقَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ الَّتِي أَفْتَى بِهَا ثَلَاث مَرَّات , وَأَنَّهُ رَسُول رَبّه . ثُمَّ إِنَّ إرميا طَارَ حَتَّى خَالَطَ الْوَحْش , وَدَخَلَ بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده بَيْت الْمَقْدِس , فَوَطِئَ الشَّام , وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى أَفْنَاهُمْ , وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , أَمَرَ جُنُوده أَنْ يَمْلَأ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ تُرْسه تُرَابًا ثُمَّ يَقْذِفهُ فِي بَيْت الْمَقْدِس , فَقَذَفُوا فِيهِ التُّرَاب حَتَّى مَلَئُوهُ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَرْض بَابِل , وَاحْتَمَلَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مِنْ كَانَ فِي بَيْت الْمَقْدِس كُلّهمْ , فَاجْتَمَعَ عِنْده كُلّ صَغِير وَكَبِير مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْف صَبِيّ ; فَلَمَّا خَرَجَتْ غَنَائِم جُنْده , وَأَرَادَ أَنْ يَقْسِمهَا فِيهِمْ , قَالَتْ لَهُ الْمُلُوك الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ : أَيّهَا الْمَلِك لَك غَنَائِمنَا كُلّهَا , وَاقْسِمْ بَيْننَا هَؤُلَاءِ الصِّبْيَان الَّذِينَ اِخْتَرْتهمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَفَعَلَ , وَأَصَابَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ أَرْبَعَة أَغْلِمَة , وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَان دَانْيَال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وَسَبْعَة آلَاف مِنْ أَهْل بَيْت دَاوُدَ , وَأَحَد عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْط يُوسُف بْن يَعْقُوب , وَأَخِيهِ بِنْيَامِين , وَثَمَانِيَة آلَاف مِنْ سِبْط أشر بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْط زبالون بْن يَعْقُوب ونفثالي بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة آلَاف مِنْ سِبْط يهوذا بْن يَعْقُوب , وَأَرْبَعَة آلَاف مِنْ سِبْط روبيل ولاوي اِبْنَيْ يَعْقُوب . وَمَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَجَعَلَهُمْ بُخْتُنَصَّرَ ثَلَاث فِرَق , فَثُلُثًا أَقَرَّ بِالشَّامِ , وَثُلُثًا سَبْي , وَثُلُثًا قُتِلَ , وَذَهَبَ بِآنِيَةِ بَيْت الْمَقْدِس حَتَّى أَقْدَمهَا بَابِل , وَذَهَبَ بِالصِّبْيَانِ السَّبْعِينَ الْأَلْف حَتَّى أَقْدَمَهُمْ بَابِل , فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَة الْأُولَى الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه بِبَنِي إِسْرَائِيل بِإِحْدَاثِهِمْ وَظُلْمهمْ . فَلَمَّا وَلَّى بُخْتُنَصَّرَ عَنْهُمْ رَاجِعًا إِلَى بَاب بِمَنْ مَعَهُ مِنْ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيل , أَقْبَلَ إرميا عَلَى حِمَار لَهُ مَعَهُ عَصِير ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّته حِين أَمَاتَهُ اللَّه مِائَة عَام , ثُمَّ بَعَثَهُ , ثُمَّ خَبَر رُؤْيَا بُخْتَنَصَّرَ وَأَمَرَ دَانْيَال , وَهَلَاك بُخْتَنَصَّرَ , وَرُجُوع مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَيْدِي أَصْحَاب بُخْتَنَصَّرَ بَعْد هَلَاكه إِلَى الشَّام , وَعِمَارَة بَيْت الْمَقْدِس , وَأَمْر عُزَيْر وَكَيْفَ رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ التَّوْرَاة . 16674 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثُمَّ عَمَدَتْ بَنُو إِسْرَائِيل بَعْد ذَلِكَ يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاث , يَعْنِي بَعْد مَهْلِك عُزَيْر , وَيَعُود اللَّه عَلَيْهِمْ , وَيَبْعَث فِيهِمْ الرُّسُل , فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ , وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ , حَتَّى كَانَ آخِر مَنْ بَعَثَ اللَّه فِيهِمْ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم , وَكَانُوا مِنْ بَيْت آل دَاوُد . 16675 - حَدَّثَنَا اِبْن اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ قَالَ , وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ قَتْل يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا قَالَ : مَا قُتِلَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا إِلَّا بِسَبَبِ اِمْرَأَة بَغِيّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيل ; كَانَ فِيهِمْ مَلِك , وَكَانَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا تَحْت يَدَيْ ذَلِكَ الْمَلِك , فَهَمَّتْ اِبْنَة ذَلِكَ الْمَلِك بِأَبِيهَا , فَقَالَتْ : لَوْ أَنِّي تَزَوَّجْت بِأَبِي فَاجْتَمَعَ لِي سُلْطَانه دُون النِّسَاء , فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَتِ تَزَوَّجْنِي وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسهَا , فَقَالَ لَهَا : يَا بُنَيَّة إِنَّ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا لَا يُحِلّ لَنَا هَذَا , فَقَالَتْ : مَنْ لِي بِيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ؟ ضَيَّقَ عَلَيَّ , وَحَالَ بَيْنِي وَبَيْن أَنْ أَتَزَوَّج بِأَبِي , فَأَغْلِب عَلَى مُلْكه وَدُنْيَاهُ دُون النِّسَاء ! قَالَ : فَأَمَرَتْ اللَّعَّابِينَ ! وَمَحَلَتْ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَتْل يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَقَالَتْ : اُدْخُلُوا عَلَيْهِ فَالْعَبُوا , حَتَّى إِذَا فَرَغْتُمْ فَإِنَّهُ سَيُحَكِّمُكُمْ , فَقُولُوا : دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَلَا تَقْبَلُوا غَيْره . وَكَانَ اِسْم الْمَلِك رَوَّاد , وَاسْم اِبْنَته الْبَغِيّ , وَكَانَ الْمَلِك فِيهِمْ إِذَا حَدَّثَ فَكَذَبَ , أَوْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ , خَلَعَ فَاسْتُبْدِلَ بِهِ غَيْره ; فَلَمَّا أَلْعَبُوهُ وَكَثُرَ عَجَبه مِنْهُمْ , قَالَ : سَلُونِي أُعْطِكُمْ , فَقَالُوا لَهُ : نَسْأَلك دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا أَعْطِنَا إِيَّاهُ ! قَالَ : وَيْحكُمْ سَلُونِي غَيْر هَذَا ! فَقَالُوا : لَا نَسْأَلك شَيْئًا غَيْره ; فَخَافَ عَلَى مُلْكه إِنْ هُوَ أَخْلَفَهُمْ أَنْ يُسْتَحَلّ بِذَلِكَ خَلْعه , فَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وَهُوَ جَالِس فِي مِحْرَابه يُصَلِّي , فَذَبَحُوهُ فِي طَسْت ثُمَّ حَزُّوا رَأْسه , فَاحْتَمَلَهُ رَجُل فِي يَده وَالدَّم يُحْمَل فِي الطَّسْت مَعَهُ . قَالَ : فَطَلَعَ بِرَأْسِهِ يَحْمِلهُ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى الْمَلِك , وَرَأْسه يَقُول فِي يَدِي الَّذِي يَحْمِلهُ لَا يَحِلّ لَك ذَلِكَ ! فَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل : أَيّهَا الْمَلِك لَوْ أَنَّك وَهَبْت لِي هَذَا الدَّم ؟ فَقَالَ : وَمَا تَصْنَع بِهِ ؟ قَالَ : أُطَهِّر مِنْهُ الْأَرْض , فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ ضَيَّقَهَا عَلَيْنَا , فَقَالَ : أَعْطُوهُ هَذَا الدَّم , فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي قُلَّة , ثُمَّ عَمَدَ بِهِ إِلَى بَيْت فِي الْمَذْبَح , فَوَضَعَ الْقُلَّة فِيهِ , ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ , فَفَارَ فِي الْقُلَّة حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا مِنْ تَحْت الْبَاب مِنْ الْبَيْت الَّذِي هُوَ فِيهِ ; فَلَمَّا رَأَى الرَّجُل ذَلِكَ , فَظِعَ بِهِ , فَأَخْرَجَهُ فَجَعَلَهُ فِي فَلَاة مِنْ الْأَرْض , فَجَعَلَ يَفُور ; وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْأَحْدَاث . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : أُقِرَّ مَكَانه فِي الْقُرْبَانِ وَلَمْ يُحَوَّل . 16676 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَلَمَّا رَفَعَ اللَّه عِيسَى مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ وَقَتَلُوا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ( وَبَعْض النَّاس يَقُول : وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا ) , اِبْتَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوك بَابِل يُقَال لَهُ خردوس , فَسَارَ إِلَيْهِ بِأَهْلِ بَابِل حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ الشَّام , فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَمَرَ رَأْسًا مِنْ رُءُوس جُنْده يُدْعَى نبور زاذان صَاحِب الْقَتْل , فَقَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ كُنْت حَلَفْت بِإِلَهِي لَئِنْ أَظْهَرَنَا عَلَى أَهْل بَيْت الْمَقْدِس لَأَقْتُلَنهُمْ حَتَّى تَسِيل دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَط عَسْكَرِي , إِلَّا أَنْ لَا أَجِد أَحَدًا أَقْتُلهُ ; فَأَمَرَ أَنْ يَقْتُلهُمْ حَتَّى يَبْلُغ ذَلِكَ مِنْهُمْ نبور زادان , فَدَخَلَ بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ فِي الْبُقْعَة الَّتِي كَانُوا يُقَرِّبُونَ فِيهَا قُرْبَانهمْ , فَوَجَدَ فِيهَا دَمًا يَغْلِي , فَسَأَلَهُمْ فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , مَا شَأْن هَذَا الدَّم الَّذِي يَغْلِي , أَخْبِرُونِي خَبَره وَلَا تَكْتُمُونِي شَيْئًا مِنْ أَمْره ؟ فَقَالُوا : هَذَا دَم قُرْبَان كَانَ لَنَا كُنَّا قَرَّبْنَاهُ فَلَمْ يُتَقَبَّل مِنَّا , فَلِذَلِكَ هُوَ مَغْلِيّ كَمَا تَرَاهُ ! وَلَقَدْ قَرَّبْنَا مُنْذُ ثَمَان مِائَة سَنَة الْقُرْبَان فَتُقُبِّلَ مِنَّا إِلَّا هَذَا الْقُرْبَان ! قَالَ : مَا صَدَقْتُمُونِي الْخَبَر قَالُوا لَهُ : لَوْ كَانَ كَأَوَّلِ زَمَاننَا لَقُبِلَ مِنَّا , وَلَكِنَّهُ قَدْ اِنْقَطَعَ مِنَّا الْمُلْك وَالنُّبُوَّة وَالْوَحْي , فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَقَبَّل مِنَّا ! فَذَبَحَ مِنْهُمْ نبور زادان عَلَى ذَلِكَ الدَّم سَبْع مِائَة وَسَبْعِينَ رُوحًا مِنْ رُءُوسهمْ , فَلَمْ يَهْدَأ , فَأَمَرَ بِسَبْعِ مِائَة غُلَام مِنْ غِلْمَانهمْ فَذُبِحُوا عَلَى الدَّم فَلَمْ يَهْدَأ ; فَأَمَرَ بِسَبْعَةِ آلَاف مِنْ شِيَعهمْ وَأَزْوَاجهمْ , فَذَبَحَهُمْ عَلَى الدَّم فَلَمْ يَبْرُد وَلَمْ يَهْدَأ ; فَلَمَّا رَأَى نبور زَاذَان أَنَّ الدَّم لَا يَهْدَأ قَالَ لَهُمْ . وَيْلكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل , أَصْدِقُونِي وَاصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّكُمْ ; فَقَدْ طَالَ مَا مَلَكْتُمْ فِي الْأَرْض ; تَفْعَلُونَ فِيهَا مَا شِئْتُمْ قَبْل أَنْ لَا أَتْرُك مِنْكُمْ نَافِخ نَار , لَا أُنْثَى وَلَا ذَكَرًا إِلَّا قَتَلْته ; فَلَمَّا رَأَوْا الْجَهْد وَشِدَّة الْقَتْل صَدَّقُوهُ الْخَبَر , فَقَالُوا لَهُ : إِنَّ هَذَا دَم نَبِيّ مِنَّا كَانَ يَنْهَانَا عَنْ أُمُور كَثِيرَة مِنْ سَخَط اللَّه , فَلَوْ أَطَعْنَاهُ فِيهَا لَكَانَ أَرْشَدَ لَنَا , وَكَانَ يُخْبِرنَا بِأَمْرِكُمْ , فَلَمْ نُصَدِّقهُ , فَقَتَلْنَاهُ , فَهَذَا دَمه ! فَقَالَ لَهُمْ نبور زاذان : مَا كَانَ اِسْمه ؟ قَالُوا : يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَالَ : الْآن صَدَقْتُمُونِي ! بِمِثْلِ هَذَا يَنْتَقِم رَبّكُمْ مِنْكُمْ ; فَلَمَّا رَأَى نبور زاذان أَنَّهُمْ صَدَقُوهُ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ لِمَنْ حَوْله : غَلِّقُوا الْأَبْوَاب , أَبْوَاب الْمَدِينَة , وَأَخْرِجُوا مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ جَيْش خردوس . وَخَلَا فِي بَنِي إِسْرَائِيل ثُمَّ قَالَ : يَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبّك مَا قَدْ أَصَابَ قَوْمك مِنْ أَجْلك , وَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ مِنْ أَجْلك , فَاهْدَأْ بِإِذْنِ اللَّه قَبْل أَنْ لَا أُبْقِي مِنْ قَوْمك أَحَدًا ! فَهَدَأَ دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَرَفَعَ نبور زاذان عَنْهُمْ الْقَتْل وَقَالَ : آمَنْت بِمَا آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل , وَصَدَّقْت وَأَيْقَنْت أَنَّهُ لَا رَبّ غَيْره , وَلَوْ كَانَ مَعَهُ آخَر لَمْ يَصْلُح , وَلَوْ كَانَ لَهُ شَرِيك لَمْ تَسْتَمْسِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَد لَمْ يَصْلُح , فَتَبَارَكَ وَتَقَدَّسَ , وَتَسَبَّحَ وَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ , مَلِك الْمُلُوك الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ , وَمَا بَيْنهمَا , وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , فَلَهُ الْحِلْم وَالْعِلْم وَالْعِزَّة وَالْجَبَرُوت , وَهُوَ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْض وَأَلْقَى فِيهَا رَوَاسِي لِئَلَّا تَزُول , فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِرَبَّيَّ أَنْ يَكُون وَيَكُون مُلْكه . فَأَوْحَى اللَّه إِلَى رَأْس مِنْ رُءُوس بَقِيَّة الْأَنْبِيَاء أَنَّ نبور زاذان حُبُور صَدُوق ; وَالْحُبُور بِالْعِبْرَانِيَّةِ : حَدِيث الْإِيمَان . وَإِنَّ نبور زاذان قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , إِنَّ عَدُوّ اللَّه خردوس أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُل مِنْكُمْ حَتَّى تَسِيل دِمَاؤُكُمْ وَسَط عَسْكَره , وَإِنِّي لَسْت أَسْتَطِيع أَنْ أَعْصِيه . قَالُوا لَهُ : اِفْعَلْ مَا أُمِرْت بِهِ . فَأَمَرَهُمْ فَحَفَرُوا خَنْدَقًا وَأَمَرَ بِأَمْوَالِهِمْ مِنْ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالْإِبِل , فَذَبَحَهَا حَتَّى سَالَ الدَّم فِي الْعَسْكَر , وَأَمَرَ بِالْقَتْلَى الَّذِينَ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ , فَطُرِحُوا عَلَى مَا قُتِلَ مِنْ مَوَاشِيهمْ حَتَّى كَانُوا فَوْقهمْ , فَلَمْ يَظُنّ خردوس إِلَّا أَنَّ مَا كَانَ فِي الْخَنْدَق مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . فَلَمَّا بَلَغَ الدَّم عَسْكَره , أَرْسَلَ إِلَى نبور زاذان أَنْ اِرْفَعْ عَنْهُمْ , فَقَدْ بَلَغَتْنِي دِمَاؤُهُمْ , وَقَدْ اِنْتَقَمْت مِنْهُمْ بِمَا فَعَلُوا . ثُمَّ اِنْصَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى أَرْض بَابِل , وَقَدْ أَفْنَى بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ كَادَ , وَهِيَ الْوَقْعَة الْآخِرَة الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه بِبَنِي إِسْرَائِيل . يَقُول اللَّه عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْكِتَاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْس شَدِيد فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَار وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَر نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } وَعَسَى مِنْ اللَّه حَقّ , فَكَانَتْ الْوَقْعَة الْأُولَى : بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُوده , ثُمَّ رَدَّ اللَّه لَكُمْ الْكَرَّة عَلَيْهِمْ , وَكَانَتْ الْوَقْعَة الْآخِرَة خردوس وَجُنُوده , وَهِيَ كَانَتْ أَعْظَم الْوَقْعَتَيْنِ , فِيهَا كَانَ خَرَاب بِلَادهمْ , وَقَتْل رِجَالهمْ , وَسَبْي ذَرَارِيّهمْ وَنِسَائِهِمْ . يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } ثُمَّ عَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ , فَأَكْثَر عَدَدهمْ , وَنَشَرَهُمْ فِي بِلَادهمْ , ثُمَّ بَدَّلُوا وَأَحْدَثُوا الْأَحْدَاث , وَاسْتَبْدَلُوا بِكِتَابِهِمْ غَيْره , وَرَكِبُوا الْمَعَاصِي , وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِم وَضَيَّعُوا الْحُدُود . 16677 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ أَبِي عَتَّاب رَجُل مِنْ تَغْلِب كَانَ نَصْرَانِيًّا عُمْرًا مِنْ دَهْره , ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد , فَقَرَأَ الْقُرْآن , وَفَقِهَ فِي الدِّين , وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَرْبَعِينَ سَنَة , ثُمَّ عُمِّرَ فِي الْإِسْلَام أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ : كَانَ آخِر أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل نَبِيًّا بَعَثَهُ اللَّه إِلَيْهِمْ , فَقَالَ لَهُمْ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل إِنَّ اللَّه يَقُول لَكُمْ : إِنِّي قَدْ سَلَبْت أَصْوَاتكُمْ , وَأَبْغَضْتُكُمْ بِكَثْرَةِ أَحْدَاثكُمْ ; فَهَمُّوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ , فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ : اِئْتِهِمْ وَاضْرِبْ لِي وَلَهُمْ مَثَلًا , فَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول لَكُمْ : اِقْضُوا بَيْنِي وَبَيْن كَرَمِي ! أَلَمْ أَخْتَرْ لَهَا الْبِلَاد , وَطَيَّبْت لَهُ الْمَدَرَة , وَحَظَرْته بِالسِّيَاجِ , وَعَرَّشْته السَّوِيق وَالشَّوْك وَالسِّيَاج وَالْعَوْسَج , وَأَحَطْته بِرِدَائِي , وَمَنَعْته مِنْ الْعَالَم وَفَضَّلْته , فَلَقِيَنِي بِالشَّوْكِ وَالْجُذُوع , وَكُلّ شَجَرَة لَا تُؤْكَل ؟ ! مَا لِهَذَا اِخْتَرْت الْبَلْدَة , وَلَا طَيَّبْت الْمَدَرَة , وَلَا حَظَرْته بِالسِّيَاجِ , وَلَا عَرَّشْته السَّوِيق , وَلَا حُطْته بِرِدَائِي , وَلَا مَنَعْته مِنْ الْعَالَم ! فَضَّلْتُكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي , ثُمَّ اِسْتَقْبَلْتُمُونِي بِكُلِّ مَا أَكْرَه مِنْ مَعْصِيَتِي وَخِلَاف أَمْرِي ! لَمَهْ إِنَّ الْحِمَار لَيَعْرِف مِذْوَده ! لَمَهْ إِنَّ الْبَقَرَة لَتَعْرِف سَيِّدهَا ! وَقَدْ حَلَفْت بِعِزَّتِي الْعَزِيزَة , وَبِذِرَاعِي الشَّدِيد لَآخُذَن رِدَائِي , وَلَأَمْرُجَن الْحَائِط , وَلَأَجْعَلَنكُمْ تَحْت أَرْجُل الْعَالَم . قَالَ : فَوَثَبُوا عَلَى نَبِيّهمْ فَقَتَلُوهُ , فَضَرَبَ اللَّه عَلَيْهِمْ الذُّلّ , وَنَزَعَ مِنْهُمْ الْمُلْك , فَلَيْسُوا فِي أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا وَعَلَيْهِمْ ذُلّ وَصَغَار وَجِزْيَة يُؤَدُّونَهَا , وَالْمُلْك فِي غَيْرهمْ مِنْ النَّاس , فَلَنْ يَزَالُوا كَذَلِكَ أَبَدًا , مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : قَالَ : فَهَذَا مَا اِنْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ جِمَاع أَحَادِيث بَنِي إِسْرَائِيل . 16678 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : كَانَتْ الْآخِرَة أَشَدّ مِنْ الْأُولَى بِكَثِيرٍ , قَالَ : لِأَنَّ الْأُولَى كَانَتْ هَزِيمَة فَقَطْ , وَالْآخِرَة كَانَ التَّدْمِير , وَأَحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ التَّوْرَاة حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا حَرْف وَاحِد , وَخَرَّبَ الْمَسْجِد . 16679 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : بَعَثَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فِي اِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاس . قَالَ : فَكَانَ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , نِكَاح اِبْنَة الْأَخ . قَالَ : وَكَانَتْ لِمَلِكِهِمْ اِبْنَة أَخ تُعْجِبهُ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا , وَكَانَتْ لَهَا كُلّ يَوْم حَاجَة يَقْضِيهَا ; فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمّهَا قَالَتْ لَهَا : إِذَا دَخَلْت عَلَى الْمَلِك فَسَأَلَك حَاجَتك , فَقُولِي : حَاجَتِي أَنْ تَذْبَح لِي يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ; فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ سَأَلَهَا حَاجَتهَا , فَقَالَتْ : حَاجَتِي أَنْ تَذْبَح يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , فَقَالَ : سَلِي غَيْر هَذَا ! فَقَالَتْ : مَا أَسْأَلك إِلَّا هَذَا ! قَالَ : فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ دَعَا يَحْيَى وَدَعَا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ , فَبَدَرَتْ قَطْرَة مِنْ دَمه عَلَى الْأَرْض , فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّه بُخْتَنَصَّرَ عَلَيْهِمْ , فَجَاءَتْهُ عَجُوز مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّم . قَالَ : فَأَلْقَى اللَّه فِي نَفْسه أَنْ يَقْتُل عَلَى ذَلِكَ الدَّم مِنْهُمْ حَتَّى يَسْكُن , فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْهُمْ مِنْ سِنّ وَاحِد فَسَكَنَ . ' وَقَوْله : { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة } يَقُول : وَلِيَدْخُل عَدُوّكُمْ الَّذِي أَبْعَثهُ عَلَيْكُمْ مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس قَهْرًا مِنْهُمْ لَكُمْ وَغَلَبَة , كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة حِين أَفْسَدْتُمْ الْفَسَاد الْأَوَّل فِي الْأَرْض .وَقَوْله : { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة } يَقُول : وَلِيَدْخُل عَدُوّكُمْ الَّذِي أَبْعَثهُ عَلَيْكُمْ مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس قَهْرًا مِنْهُمْ لَكُمْ وَغَلَبَة , كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّل مَرَّة حِين أَفْسَدْتُمْ الْفَسَاد الْأَوَّل فِي الْأَرْض .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } فَإِنَّهُ يَقُول : وَلِيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ بِلَادكُمْ تَدْمِيرًا . يُقَال مِنْهُ : دَمَّرْت الْبَلَد : إِذَا خَرَّبْته وَأَهْلَكْت أَهْله . وَتَبَرَ تَبْرًا وَتَبَارًا , وَتَبَّرْته أُتَبِّرهُ تَتْبِيرًا . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره { وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } 71 28 يَعْنِي : هَلَاكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16680 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : تَدْمِيرًا . 16681 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا . وَأَمَّا قَوْله : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } فَإِنَّهُ يَقُول : وَلِيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ بِلَادكُمْ تَدْمِيرًا . يُقَال مِنْهُ : دَمَّرْت الْبَلَد : إِذَا خَرَّبْته وَأَهْلَكْت أَهْله . وَتَبَرَ تَبْرًا وَتَبَارًا , وَتَبَّرْته أُتَبِّرهُ تَتْبِيرًا . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره { وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } 71 28 يَعْنِي : هَلَاكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16680 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : تَدْمِيرًا . 16681 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } قَالَ : يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} أي نفع إحسانكم عائد عليكم. { وإن أسأتم فلها} أي فعليها؛ نحو سلام لك، أي سلام عليك. قال : فخر صريعا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم. وقال الطبري : اللام بمعنى إلى، يعني وإن أسأتم فإليها، أي فإليها ترجع الإساءة؛ لقوله تعالى { بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة : 5] أي إليها. وقيل : فلها الجزاء والعقاب. وقال الحسين بن الفضل : فلها رب يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا خطابا لبني إسرائيل في أول الأمر؛ أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال. ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه. { فإذا جاء وعد الآخرة} من إفسادكم؛ وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام، قتله ملك من بني إسرائيل يقال له لاخت؛ قاله القتبي. وقال الطبري : اسمه هردوس، ذكره في التاريخ؛ حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل. وقال السدي : كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الأمر، فاستشاره الملك أن يتزوج بنت امرأة له فنهاه عنها وقال : إنها لا تحل لك؛ فحقدت أمها على يحيى عليه السلام، ثم ألبست ابنتها ثيابا حمرا رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه، وأمرتها أن تتعرض له، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله؛ فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب؛ ففعلت ذلك حتى أتى برأس يحيى بن زكريا والرأس تتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا تحل لك؛ لا تحل لك؛ فلما أصبح إذا دمه يغلي، فألقى عليه التراب فغلى فوقه، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي؛ ذكره الثعلبي وغيره. وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن علي قال : كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له : لا تتزوجها فإنها بغي؛ فعرفت ذلك المرأة أنه قد ذكرها وصرفه عنها، فقالت : من أين هذا! حتى بلغها أنه من قبل يحيى، فقالت : ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه، فعمدت إلى ابنتها وصنعتها، ثم قالت : اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره، ويقول سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئا إلا أعطيتك، فإذا قال لك ذلك فقولي : لا أسأل إلا رأس يحيى. قال : وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رءوس الملأ ثم لم يمض له نزع من ملكه؛ ففعلت ذلك. قال : فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه فقتله. قال : فساخت بأمها الأرض. قال ابن جدعان : فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب فقال: أفما أخبرك كيف كان قتل زكريا؟ قلت: لا؛ إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق هاربا منهم واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هدبة تكفتها الرياح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها، ونظروا بتلك الهدبة فدعوا بالمنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها. قلت : وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : (بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، قال : كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، قال : وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه... )وذكر الخبر بمعناه. وعن ابن عباس قال : (بعث يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، وكان فيما يعلمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها : إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجة فقولي : حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا؛ فقال : سليني سوى هذا! قالت : ما أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه دعا بطست ودعا به فذبحه، فندرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله عليهم بختنصر فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقتل عليه منهم سبعين ألفا، في رواية خمسة وسبعين ألفا. قال سعيد بن المسيب : هي دية كل نبي. وعن ابن عباس قال : (أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا). وعن سمير بن عطية قال : قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا. وعن زيد بن واقد قال : رأيت رأس يحيى عليه السلام حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير. وعن قرة بن خالد قال : ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي؛ وحمرتها بكاؤها. وعن سفيان بن عيينة قال : أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن : يوم ولد فيخرج إلى دار هم، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم، ويوم يبعث فيشهد مشهدا لم ير مثله؛ قال الله تعالى ليحيى في هذه الثلاثة مواطن { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} [مريم : 15]. كله من التاريخ المذكور. واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة؛ فقيل : بختنصر. وقاله القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره. قال السهيلي : وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى ابن مريم عليهما السلام بزمان طويل.، وقبل الإسكندر؛ وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة، ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا، فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا، فهو الذي قتلهم وخرب بيت المقدس واتبعهم إلى مصر. وأخرجهم منها. وقال الثعلبي : ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا فغلط عند أهل السير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعيا وفي عهد إرمياء. قالوا : ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلاثمائة وثلاثا وستين سنة. قلت : ذكر جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله. قال الثعلبي : والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال : لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى - وبعض الناس يقول : لما قتلوا زكريا - بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له : خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، ثم قال لرئيس جنوده : كنت حلفت بإلهي لئن أظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، وأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تغلي، فسألهم فقالوا : دم قربان قربناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة. قال ما صدقتموني، فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤسائهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فقال : يا بني إسرائيل، أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتلته. فلما رأوا الجهد قالوا : إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فقتلناه، فهذا دمه، كان اسمه يحيى بن زكريا، ما عصى الله قط طرفة عين ولا هم بمعصية. فقال : الآن صدقتموني، وخر ساجدا ثم قال : لمثل هذا ينتقم منكم، وأمر بغلق الأبواب وقال : أخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس، وخلا في بني إسرائيل وقال : يا نبي الله يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحدا. فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله عز وجل، ورفع عنهم القتل وقال : رب إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به؛ فأوحى الله تعالى إلى رأس من رءوس الأنبياء : إن هذا الرئيس مؤمن صدوق. ثم قال : إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد أن يفني بني إسرائيل. قلت : قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حذيفة، وقد كتبناه في كتاب التذكرة مقطعا في أبواب في أخبار المهدي، نذكر منها هنا ما يبين معنى الآية ويفسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان، قال حذيفة : قلت يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هو من أجل البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد) : وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة : فقلت يا رسول الله، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله { فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل؛ فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في بيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة وقال لهم : يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله { عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا} [الإسراء : 8] فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا} فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي فيرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين... وذكر الحديث. قوله تعالى { فإذا جاء وعد الآخرة} أي من المرتين؛ وجواب { إذا} محذوف، تقديره بعثناهم؛ دل عليه { بعثنا} الأول. { ليسوءوا وجوهكم} أي بالسبي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم؛ فـ { ليسوءوا} متعلق بمحذوف؛ أي بعثنا عبادا ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم. قيل : المراد بالوجوه السادة؛ أي ليذلوهم. وقرأ الكسائي { لنسوء} بنون وفتح الهمزة، فعل مخبر عن نفسه معظم، اعتبارا بقوله (وقضينا - وبعثنا - ورددنا). ونحوه عن علي. وتصديقها قراءة أُبَي { لنسوءن} بالنون وحرف التوكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة وابن عامر { ليسوء} بالياء على التوحيد وفتح الهمزة؛ ولها وجهان : أحدهما : ليسوء الله وجوهكم. والثاني : ليسوء الوعد وجوهكم. وقرأ الباقون { ليسوءوا} بالياء وضم الهمزة على الجمع؛ أي ليسوء العباد الذين هم أولو بأس شديد وجوهكم. { وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا} أي ليدمروا ويهلكوا. وقال قطرب : يهدموا؛ قال الشاعر : فما الناس إلا عاملان فعامل ** يتبر ما يبني وآخر رافع { ما علوا} أي غلبوا عليه من بلادكم { تتبيرا} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 4 - 7


سورة الاسراء الايات 7 - 9

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومازال الخطاب مُوجّهاً إلى بني إسرائيل، هاكم سُنّة من سنن الله الكونية التي يستوي أمامها المؤمن والكافر، وهي أن مَنْ أحسن فله إحسانه، ومَنْ أساء فعليه إساءته.

فها هم اليهود لهم الغَلبة بما حدث منهم من شبه استقامة على المنهج، أو على الأقل بمقدار ما تراجع المسلمون عن منهج الله؛ لأن هذه سُنّة كونية، مَنِ استحق الغلبة فهي له؛ لأن الحق سبحانه وتعالى مُنزّه عن الظلم، حتى مع أعداء دينه ومنهجه.

والدليل على ذلك ما أمسى فيه المسلمون بتخليهم عن منهج الله.

وقوله تعالى: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ.. } [الإسراء: 7]

فيه إشارة إلى أنهم في شَكٍّ أنْ يُحسِنوا، وكأن أحدهم يقول للآخر: دَعْكَ من قضية الإحسان هذه.

فإذا كانت الكَرَّة الآن لليهود، فهل ستظل لهم على طول الطريق؟ لا.. لن تظل لهم الغَلبة، ولن تدوم لهم الكرّة على المسلمين، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ.. } [الإسراء: 7]

أي: إذا جاء وقت الإفسادة الثانية لهم، وقد سبق أنْ قال الحق سبحانه عنهم:
{  لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ.. }
[الإسراء: 4]

وبينّا الإفساد الأول حينما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.

وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا، وستكون لنا يقظة وصَحْوة نعود بها إلى منهج الله وإلى طريقه المستقيم، وعندها ستكون لنا الغَلبة والقوة، وستعود لنا الكَرَّة على اليهود.

وقوله تعالى: { لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ.. } [الإسراء: 7]

أي: نُلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم؛ لأن الوجه هو السِّمة المعبرة عن نوازع النفس الإنسانية، وعليه تبدو الانفعالات والمشاعر، وهو أشرف ما في المرء، وإساءته أبلغ أنواع الإساءة.

وقوله تعالى: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. } [الإسراء: 7] أي: أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى وسينقذونه من أيدي اليهود.

{ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. } [الإسراء: 7]

المتأمل في هذه العبارة يجد أن دخولَ المسلمين للمسجد الأقصى أول مرة كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي اليهود، بل كان في أيدي الرومان المسيحيين.

فدخوله الأول لم يكُنْ إساءةً لليهود، وإنما كان إساءة للمسيحيين، لكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى، وهو في حوزة اليهود، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد الأقصى، ونُطهِّره من رِجْسهم.

ونلحظ كذلك في قوله تعالى: { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. } [الإسراء: 7] أن القرآن لم يقُلْ ذلك إلا إذا كان بين الدخولين خروج.

إذن: فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق لِنُبوءَة القرآن، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يلفتنا: إنْ أردتُمْ أنْ تدخلوا المسجد الأقصى مرة أخرى، فعودوا إلى منهج ربكم وتصالحوا معه.وقوله تعالى: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ.. } [الإسراء: 7]

كلمة الآخرة تدلُّ على أنها المرة التي لن تتكرر، ولكن يكون لليهود غَلَبة بعدها.

وقوله تعالى: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً.. } [الإسراء: 7]

يتبروا: أي: يُهلكوا ويُدمِّروا، ويُخرِّبوا ما أقامه اليهود وما بنَوْهُ وشيَّدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم.

لكن نلاحظ أن القرآن لم يقُلْ: ما علوتُم، إنما قال { مَا عَلَوْاْ } ليدل على أن ما أقاموه وما شيدوه ليس بذاتهم، وإنما بمساعدة من وراءهم من أتباعهم وأنصارهم، فاليهود بذاتهم ضعفاء، لا تقوم لهم قائمة، وهذا واضح في قَوْل الحق سبحانه عنهم:
{  ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ.. }
[آل عمران: 112]

فهم أذلاء أينما وُجدوا، ليس لهم ذاتية إلا بعهد يعيشون في ظِلِّه، كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أو عهد من الناس الذين يدافعون عنهم ويُعاونونهم.

واليهود قوم منعزلون لهم ذاتية وهُويّة لا تذوب في غيرهم من الأمم، ولا ينخرطون في البلاد التي يعيشون فيها؛ لذلك نجد لهم في كل بلد يعيشون به حارة تسمى " حارة اليهود " ، ولم يكن لهم ميْلٌ للبناء والتشييد؛ لأنهم كما قال تعالى عنهم:
{  وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً.. }
[الأعراف: 168]

كل جماعة منهم في أمة تعيش عيشة انعزالية، أما الآن، وبعد أنْ أصبح لهم وطن قومي في فلسطين على حَدِّ زعمهم، فنراهم يميلون للبناء والتعمير والتشييد.

ونحن الآن ننتظر وَعْد الله سبحانه، ونعيش على أمل أن تنصلح أحوالنا، ونعود إلى ساحة ربنا، وعندها سينجز لنا ما وعدنا من دخول المسجد الأقصى، وتكون لنا الكرّة الأخيرة عليهم، سيتحقق لنا هذا عندما ندخل معهم معركة على أسس إسلامية وإيمانية، لا على عروبة وعصبية سياسية، لتعود لنا صِفَة العباد، ونكون أَهْلاً لِنُصْرة الله تعالى:

إذن: طالما أن الحق سبحانه قال: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ.. } [الإسراء: 7]

فهو وَعْد آتٍ لا شَكَّ فيه، بدليل أن هذه العبارة جاءت بنصِّها في آخر السورة في قوله تعالى:
{  وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }
[الإسراء: 104]

والمتأمل لهذه الآية يجد بها بشارة بتحقُّق وَعْد الله، ويجد أن ما يحدث الآن من تجميع لليهود في أرض فلسطين آية مُُرادة لله تعالى.

ومعنى الآية أننا قُلْنا لبني إسرائيل من بعد موسى:

اسكنوا الأرض وإذا قال لك واحد: اسكُنْ فلا بُدَّ أن يُحدد لك مكاناً من الأرض تسكن فيه فيقول لك: اسكن بورسعيد.. اسكن القاهرة.. اسكن الأردن.

أما أن يقول لك: اسكن الأرض!! فمعنى هذا أن الله تعالى أراد لهم أنْ يظلُّوا مبعثرين في جميع الأنحاء، مُفرِّقين في كل البلاد، كما قال عنهم:
{  وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً.. }
[الأعراف: 168]

فتجدهم منعزلين عن الناس منبوذين بينهم، كثيراً ما تُثار بسببهم المشاكل، فيشكو الناس منهم ويقتلونهم، وقد قال تعالى:
{  وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }
[الأعراف: 167]

وهكذا سيظل اليهود خميرة عكننة ونكَدٍ بين سكان الأرض إلى يوم القيامة، وهذه الخميرة هي في نفس الوقت عنصر إثارة وإهاجة للإيمان والخير؛ لأن الإسلام لا يلتفت إليه أهله إلا حين يُهَاج الإسلام، فساعة أنْ يُهَاجَ تتحرك النزعة الإيمانية وتتنبّه في الناس.

إذن: فوجود اليهود كعنصر إثارة له حكمة، وهي إثارة الحيوية الإيمانية في النفوس، فلو لم تُثَر الحيوية الإيمانية لَبهتَ الإسلام.

وهذه هي رسالة الكفر ورسالة الباطل، فلوجودهما حكمة؛ لأن الكفر الذي يشقي الناس به يُلفِت الناس إلى الإيمان، فلا يروْنَ راحة لهم إلا في الإيمان بالله، ولو لم يكُنْ الكفر الذي يؤذي الناس ويُقلق حياتهم ما التفتوا إلى الإيمان.

وكذلك الباطل في الكون بعض الناس ويُزعجهم، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه.

وبعد أن أسكنهم الله الأرض وبعثرهم فيها، أهاج قلوب أتباعهم من جنود الباطل، فأوحَوْا إليهم بفكرة الوطن القومي، وزيَّنُوا لهم أولى خطوات نهايتهم، فكان أن اختاروا لهم فلسطين ليتخذوا منها وطناً يتجمعون فيه من شتى البلاد.

وقد يرى البعض أن في قيام دولة إسرائيل وتجمّع اليهود بها نكاية في الإسلام والمسلمين، ولكن الحقيقة غير هذا، فالحق سبحانه وتعالى حين يريد أن نضربهم الضربة الإيمانية من جنود موصوفين بأنهم:
{  عِبَاداً لَّنَآ.. }
[الإسراء: 5]

يلفتنا إلى أن هذه الضربة لا تكون وهم مُفرّقون مُبعْثرون في كل أنحاء العالم، فلن نحارب في العالم كله، ولن نرسل عليهم كتيبة إلى كل بلد لهم فيها حارة أو حي، فكيف لنا أن نتتبعهم وهم مبعثرون، في كل بلد شِرْذمة منهم؟

إذن: ففكرة التجمُّع والوطن القومي التي نادى بها بلفور وأيَّدتْها الدول الكبرى المساندة لليهود والمعادية للإسلام، هذه الفكرة في الحقيقة تمثل خدمة لقضية الإسلام، وتُسهِّل علينا تتبعهم وتُمكّننا من القضاء عليهم؛ لذلك يقول تعالى:
{  فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }
[الإسراء: 104]

أي: أتينا بكم جميعاً، نضمُّ بعضكم إلى بعض، فهذه إذن بُشرى لنا معشر المسلمين بأن الكَرَّة ستعود لنا، وأن الغلبة ستكون في النهاية للإسلام والمسلمين، وليس بيننا وبين هذا الوعد إلا أن نعود إلى الله، ونتجه إليه كما قال سبحانه:
{  فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ }
[الأنعام: 43]

والمراد بقوله هنا: { وَعْدُ ٱلآخِرَةِ.. } [الإسراء: 7]

هو الوعد الذي قال الله عنه: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. } [الإسراء: 7]

ثم يقول الحق سبحانه: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.


www.alro7.net