سورة
اية:

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى: أهذا الذي ذكر من نعيم الجنة، وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح، وغير ذلك من الملاذ خير ضيافةً وعطاءً { أم شجرة الزقوم} أي التي في جهنم؟ وقوله عزَّ وجلَّ: { إنا جعلناها فتنة للظالمين} ، قال قتادة: ذكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر، فأنزل اللّه تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} غذيت من النار ومنها خلقت، وقال مجاهد: { إنا جعلناها فتنة للظالمين} . قال أبو جهل لعنه اللّه: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه؟ قلت: ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم، اختباراً تختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله تبارك وتعالى: { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} وقوله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي أصل منبتها في قرار النار: { طلعها كأنه رؤوس الشياطين} تبشيع لها وتكريه لذكرها، وإنما شبّهها برؤوس الشياطين، وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين، لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وقوله تعالى: { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة، التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها، لأنهم لا يجدون إلا إياها وما هو في معناها، كما قال تعالى: { ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع} ، روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلا هذه الآية وقال: (اتقوا اللّه حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟" "أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح". وقوله تعالى: { ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم} ، قال ابن عباس: يعني شرب الحميم على الزقوم، وعنه { شوباً من حميم} مزجاً من حميم، وقال غيره: يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق، مما يسيل من فروجهم وعيونهم، عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول: يقرب - يعني إلى أهل النار - ماء فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه، حتى تخرج من دبره" "أخرجه ابن أبي حاتم" وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن ماراً قد مر بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم ووجوههم، التي سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم، وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور" "هذا حديث موقوف أخرجه ابن أبي حاتم" وقوله عزَّ وجلَّ: { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، كما قال تعالى: { يطوفون بينها وبين حميم آن} هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي، وكان عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ثم قرأ: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً} . وقوله تعالى: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي إنما جازيناه بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة، فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان؛ ولهذا قال: { فهم على آثارهم يهرعون} قال مجاهد: شبَّهه بالهرولة، وقال سعيد بن جبير: يسفهون.

تفسير الجلالين

{ إنهم ألفوْا } وجدوا { آباءهم ضالين } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَسْتَكْبِرُونَ , وَجَدُوا آبَاءَهُمْ ضُلَّالًا عَنْ قَصْد السَّبِيل , غَيْر سَالِكِينَ مَحَجَّة الْحَقّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22548 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } : أَيْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . 22549- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ } : أَيْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ . وَقَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَسْتَكْبِرُونَ , وَجَدُوا آبَاءَهُمْ ضُلَّالًا عَنْ قَصْد السَّبِيل , غَيْر سَالِكِينَ مَحَجَّة الْحَقّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22548 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } : أَيْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . 22549- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ } : أَيْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم. { فهم على آثارهم يهرعون} أي يسرعون؛ عن قتادة. وقال مجاهد : كهيئة الهرولة. قال الفراء : الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: { يهرعون} يستحثون من خلفهم. ونحوه قول المبرد. قال : المهرع المستحث؛ يقال : جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها. وقيل : يزعجون من شدة الإسراع؛ قال الفضل. الزجاج : يقال هرع وأهرع إذا استحث وأزعج. قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} أي من الأمم الماضية. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أي رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي آخر أمرهم. { إلا عباد الله المخلصين} أي الذين استخلصهم الله من الكفر. وقد تقدم. ثم قيل : هو استثناء من { المنذَرين} . وقيل هو من قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 60 - 89

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: وجدوا آباءهم على ضلال { فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ } [الصافات: 70] يعني: يتبعون طريقهم ويُقلِّدونهم، ومعنى { يُهْرَعُونَ } [الصافات: 70] أي: يُزعجون ويسرعون كأن شيئاً يحملهم على الإسراع؛ لأن هذا الفعل (يُهْرَعُونَ) مبني للمجهول. أى: لِمَا لم يُسَمَّ فاعله كما نقول: زُكم فلان، فالفاعل غير معروف.

ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.

أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.

لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:
{  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ }
[الأعراف: 172-173].

وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه:
{  وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ }
[البقرة: 170] ويردُّ عليهم
{  أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }
[البقرة: 170].

فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولاستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.


www.alro7.net