سورة
اية:

قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن قيل موسى عليه السلام، لذلك الرجل العالم، وهو الخضر الذي خصه اللّه بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر. { قال له موسى هل أتبعك} سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم، وقوله { أتبعك} أي أصحبك وأرافقك، { على أن تعلمن مما علمت رشدا} أي مما علمك اللّه شيئاً أسترشد به في أمري من علم نافع، وعمل صالح، فعندها { قال} الخضر لموسى { إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك، لأني على علم من علم اللّه ما علمكه اللّه، وأنت على علم من علم اللّه ما علمنيه اللّه، فكل منا مكلف بأمور من اللّه دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} فأنا أعرف أنك ستنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة، التي اطلعت أنا عليها دونك، { قال} أي موسى { ستجدني إن شاء اللّه صابرا} أي على ما أرى من أمورك، { ولا أعصي لك أمرا} أي ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام { قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء} أي ابتداء { حتى أحدث لك منه ذكرا} أي حتى أبدأك أنا به، قبل أن تسألني. عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربه عزَّ وجلَّ فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، قال، أي رب: هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم، قال: فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت، قال، فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر اللّه وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلّم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى، قال: فإن صحبتني { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ، قال فسار به في البحر، حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال، وبعث اللّه الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ، قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم اللّه كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك ""أخرجه ابن جرير عن ابن عباس"".

تفسير الجلالين

{ قال إنك لن تستطيع معي صبرا } .

تفسير الطبري

{ قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْعَالِم : إِنَّك لَنْ تُطِيق الصَّبْر مَعِيَ , وَذَلِكَ أَنِّي أَعْمَل بِبَاطِنِ عِلْم عَلَّمَنِيهِ اللَّه , وَلَا عِلْم لَك إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْ الْأُمُور , فَلَا تَصْبِر عَلَى مَا تَرَى مِنْ الْأَفْعَال , كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَبْل مِنْ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَعْمَل عَلَى الْغَيْب قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ . { قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْعَالِم : إِنَّك لَنْ تُطِيق الصَّبْر مَعِيَ , وَذَلِكَ أَنِّي أَعْمَل بِبَاطِنِ عِلْم عَلَّمَنِيهِ اللَّه , وَلَا عِلْم لَك إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْ الْأُمُور , فَلَا تَصْبِر عَلَى مَا تَرَى مِنْ الْأَفْعَال , كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَبْل مِنْ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَعْمَل عَلَى الْغَيْب قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قال له موسي هل أتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا} فيه مسألتان: الأولى: { قال له موسى هل أتبعك} هذا سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى : هل يتفق لك ويخف عليك؟ وهذا كما في الحديث : (هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟...) وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء...} [المائدة: 112] حسب ما تقدم بيانه في { المائدة} . الثانية: في هذه الآية دليل أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضله الله؛ فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. { ورشدا} مفعول ثان بـ { تعلمني} . { قال} الخضر. { إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب، وهو معنى قوله { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} والأنبياء لا يقرون على منكر، لا يجوز لهم التقرير أي لا يسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك. وانتصب { خبرا} على التمييز المنقول عن الفاعل. وقيل : على المصدر الملاقى في المعنى، لأن قوله { لم تحط} . معناه لم تخبره، فكأنه قال : لم تخبره خبرا؛ وإليه أشار مجاهد والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 63 - 77

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا يبدأ العبد الصالح يُملي شروط هذه الصُّحْبة ويُوضّح لموسى ـ عليه السلام ـ طبيعة عِلْمه ومذهبه، فمذهبُك غير مذْهبي، وعلمي من كيس غير كيسك، وسوف ترى مني تصرفات لن تصبر عليها؛ لأنه لا عِلْم لك ببواطنها، وكأنه يلتمس له عُذْراً على عدم صَبْره معه؛ لذلك يقول: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً }.


www.alro7.net