سورة
اية:

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال: { إنه كان بكم رحيما} أي إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته بكم.

تفسير الجلالين

{ ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } السفن { في البحر لتبتغوا } تطلبوا { من فضله } تعالى بالتجارة { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ : رَبّكُمْ أَيّهَا الْقَوْم هُوَ الَّذِي يُسَيِّر لَكُمْ السُّفُن فِي الْبَحْر . فَيَحْمِلكُمْ فِيهَا { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله } لِتُوَصَّلُوا بِالرُّكُوبِ فِيهَا إِلَى أَمَاكِن تِجَارَاتكُمْ وَمَطَالِبكُمْ وَمَعَايِشكُمْ , وَتَلْتَمِسُونَ مِنْ رِزْقه . { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا حِين أَجْرَى لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر , تَسْهِيلًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ التَّصَرُّف فِي طَلَب فَضْله فِي الْبِلَاد النَّائِيَة الَّتِي لَوْلَا تَسْهِيله لَكُمْ لَصَعُبَ عَلَيْكُمْ الْوُصُول إِلَيْهَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله : { يُزْجِي لَكُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16975 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ . عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَوْله : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } يَقُول : يَجْرِي الْفُلْك . 16976 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { رَبّكُمْ الَّذِينَ يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُسَيِّرهَا فِي الْبَحْر . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُجْرِي . 16977 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُجْرِيهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ : رَبّكُمْ أَيّهَا الْقَوْم هُوَ الَّذِي يُسَيِّر لَكُمْ السُّفُن فِي الْبَحْر . فَيَحْمِلكُمْ فِيهَا { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله } لِتُوَصَّلُوا بِالرُّكُوبِ فِيهَا إِلَى أَمَاكِن تِجَارَاتكُمْ وَمَطَالِبكُمْ وَمَعَايِشكُمْ , وَتَلْتَمِسُونَ مِنْ رِزْقه . { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا حِين أَجْرَى لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر , تَسْهِيلًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ التَّصَرُّف فِي طَلَب فَضْله فِي الْبِلَاد النَّائِيَة الَّتِي لَوْلَا تَسْهِيله لَكُمْ لَصَعُبَ عَلَيْكُمْ الْوُصُول إِلَيْهَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله : { يُزْجِي لَكُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16975 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ . عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَوْله : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } يَقُول : يَجْرِي الْفُلْك . 16976 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { رَبّكُمْ الَّذِينَ يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُسَيِّرهَا فِي الْبَحْر . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُجْرِي . 16977 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر } قَالَ : يُجْرِيهَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر} الإزجاء : السوق؛ ومنه قوله تعالى { ألم تر أن الله يزجي سحابا} . وقال الشاعر : يا أيها الراكب المزجي مطيته ** سائل بنى أسد ما هذه الصوت وإزجاء الفلك : سوقه بالريح اللينة. والفلك هنا جمع، وقد تقدم. والبحر الماء الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب هذا الاسم على الملح. وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده؛ أي ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئا. { لتبتغوا من فضله} أي في التجارات. وقد تقدم. { إنه كان بكم رحيما} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الربّ هو المتولّي تربيتك: خَلْقاً من عَدم، وإمداداً من عُدم، وقيُّوميته تعالى عطاء ينتظم المؤمن والكافر { يُزْجِي } الإزجاء: الإرسال بهوادة شيئاً فشيئاً. و { ٱلْفُلْكَ } هي السفن وتُطلَق على المفرد وعلى الجمع، وعلى المذكّر والمؤنث.

ومنها قوله تعالى:
{  وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ }
[البقرة: 164]

ومنها قوله تعالى:
{  هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ.. }
[يونس: 22]

ثم يقول تعالى: { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. } [الإسراء: 66]

الابتغاء هو القصد إلى نافع يطلب من البحر كالقوت أو غيره، كما قال تعالى في آية أخرى:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا.. }
[النحل: 14]

فالبحر مصدر من مصادر الرزق والقُوت، ومُسْتودع لثروة عظيمة من فضل الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [الإسراء: 66]

والرحمة اتساع مَدَد الفضل من الله، فالذي أعطاكم البَرَّ بما فيه من خيرات أعطاكم البحر أيضاً بما فيه من خيرات.

والأرض التي نعيش عليها إما بَرَّ يسمى يابسة، أو بحر، وإنْ كانت نسبة اليابس من الأرض الرُّبْع أو الخُمْس، فالباقي بحر شاسع واسع يَزْخَر من خَيْرات الله بالكثير.

وطُرُق السير في اليابسة كثيرة متعددة، تستطيع أن تمشي أو تركب، وكُلُّ وسيلة من وسائل الركوب حَسْب قدرة الراكب، فهذا يركب حماراً، وهذا يركب سيارة، وتستطيع أن تنتقل فيها من مكان إلى آخر. أما البحر فلا يمكن الانتقال فيه إلا أنْ تُحملَ على شيء، فمن رحمة الله بنا أنْ جعل لنا السفن آية من آياته تسير بنا على لُجَّة الماء، ويمسكها بقدرته تعالى فنأمَن الغرق.

وأول مَنْ صنع السفن بوحي من الله نوح عليه السلام، فلم تكُنْ معروفة قِبله، بدليل قوله تعالى:
{  وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }
[هود: 38].

فلم يكُنْ للناس عهد بالسفن، وكانت سفينة نوح بدائية من ألواح الخشب والحبال، ولولا أن الله تعالى دَلَّه على طريقة بنائها، وهداه إلى تنظيمها ما كان له عِلْم بهذه المسألة، فكَوْنُ الحق سبحانه يهدينا بواسطة نبي من أنبيائه إلى مركب من المراكب التي تيسّر لنا الانتفاع بثلاثة أرباع الأرض، لا شكَّ أنها رحمة بالإنسان وتوسيع عليه.

وكذلك من رحمته بنا أنْ يسّر لنا تطوير هذا المركب على مر العصور، فبعد أن كان يتحرك على سطح الماء بقوة الهواء باستخدام ما يسمى بالقلع، والذي يتحكم في المركب من خلاله، ويستطيع الربان الماهر تسفيح القلع، يعني توجيهه إلى الناحية التي يريدها.

فكان الريح هو الأصل في سَيْر السفن، ثم أتى التقدم العلمي الذي اكتشف البخار والآلات ثم الكهرباء، وبذلك سهّل على الإنسان تحريك السفن على سطح الماء بسهولة ويُسْر، كما تطورتْ صناعة السفن كذلك على مَرَّ العصور، حتى أصبحنا نرى الآن البوارج الكبيرة متعددة الأدوار، والتي تشبه فعلاً الجبال، مِصْداقاً لقوله الحق سبحانه وتعالى:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ }
[الشورى: 32]

يعني: كالجبال، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُعطينا الدليل على عِلْمه تعالى بما سيصل إليه العالم من تقدم، وما ستصل إليه صناعة السفن من رقيّ يصل بها إلى أنْ تكونَ كالجبال، وإلاّ ففي زمن نزول القرآن لم يكُنْ هناك بوارج عالية كهذه، إنها لم توجد إلا بعد قانون أرشميدس الذي تُبْنَى على أساسه هذه البوارج.

لكن مع كل هذا التقدم في مجال الملاحة البحرية لا نغفل أن القدرة الإلهية هي التي تُسيِّر هذه السفن، وتحملها بأمان على صفحة الماء، ويجب أَلاّ يغتَرّ الإنسان بما توصّل إليه من العلوم، ويظن أنه أصبح مالكاً لزمام الأمور في الكون؛ لأن الحق سبحانه يقول:
{  إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ }
[الشورى: 33]

والريح هي الأصل في تسيير السفن.

فإنْ قال قائل الآن: إنْ توقف الريح استخدمنا القوى الأخرى مثل البخار أو الكهرباء. نقول: لقد أخذت الريح على أنه الهواء فقط، إنما لو نظرتَ إلى كلمة الريح، وماذا تعني لوجدتَ أن معنى الريح القوة المطلقة أيّاً كان نوعها، بدليل قَوْل الحق سبحانه وتعالى:
{  وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. }
[الأنفال: 46] إذن: الريح هو القوة المطلقة.

فمعنى:
{  يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ.. }
[الشورى: 33] يُسكِن القوة المحرّكة للسفن أيّاً كانت هذه القوة: قوة الريح أو البخار أو الكهرباء أو غيرها من القوى، فإنْ شاء سبحانه تعطَّلَتْ كُلُّ هذه القوى.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ... }.


www.alro7.net