سورة
اية:

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ممتناً على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه، ويستريحون فيه من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصراً، أي مضيئاً ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتكمن من الصناعات { إن اللّه لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي لا يقومون بشكر نعم اللّه عليهم، ثم قال عزَّ وجلَّ: { ذلكم اللّه ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو} أي الذي فعل هذه الأشياء هو الواحد الأحد، خالق الأشياء الذي لا إله غيره ولا رب سواه، { فأنّى تؤفكون} أي فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة منحوتة! وقوله عزَّ وجلَّ: { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات اللّه يجحدون} أي كما ضل هؤلاء بعبادة غير اللّه، كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره، بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج اللّه وآياته، وقوله تعالى: { اللّه الذي جعل لكم الأرض قراراً} أي جعلها لكم مستقراً، تعيشون عليها وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، { والسماء بناء} أي سقفاً للعالم محفوظاً، { وصوركم فأحسن صوركم} أي فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، { ورزقكم من الطيبات} أي من المآكل والمشارب في الدنيا، فذكر أنه خلق الدار والسكان والأرزاق، فهو الخالق الرزّاق، كما قال تعالى في سورة البقرة: { الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا للّه أنداداً وأنتم تعلمون} . وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء: { ذلكم اللّه ربكم فتبارك اللّه رب العالمين} أي فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين، ثم قال تعالى: { هو الحي لا إله إلا هو} أي هو الحي أولاً وأبداً، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، { لا إله إلا هو} أي لا نظير له ولا عديل له { فادعوه مخلصين له الدين} أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو الحمد للّه رب العالمين، عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا اللّه فليقل على أثرها الحمد للّه رب العالمين، وذلك قوله تعالى: { فادعوه مخلصين له الدين الحمد للّه رب العالمين} "رواه ابن جرير"

تفسير الجلالين

{ هو الحي لا إله إلا هو فادعوه } اعبدوه { مخلصين له الدين } من الشرك { الحمد لله رب العالمين } .

تفسير الطبري

{ هُوَ الْحَيّ } يَقُول : هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , الدَّائِم الْحَيَاة , وَكُلّ شَيْء سِوَاهُ فَمُنْقَطِع الْحَيَاة غَيْر دَائِمهَا { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُود بِحَقٍّ تَجُوز عِبَادَته , وَتَصْلُح الْأُلُوهَة لَهُ إِلَّا اللَّه الَّذِي هَذِهِ الصِّفَات صِفَاته , فَادْعُوهُ أَيّهَا النَّاس مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين , مُخْلِصِينَ لَهُ الطَّاعَة , مُفْرِدِينَ لَهُ الْأُلُوهَة , لَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَته شَيْئًا سِوَاهُ , مِنْ وَثَن وَصَنَم , وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا وَلَا عَدْلًا { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : الشُّكْر لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مَالِك جَمِيع أَجْنَاس الْخَلْق , مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس وَغَيْرهمْ , لَا لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَمْلِك شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع , بَلْ هُوَ مَمْلُوك , إِنْ نَالَهُ نَائِل بِسُوءٍ لَمْ يَقْدِر لَهُ عَنْ نَفْسه دَفْعًا . وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , أَنْ يُتْبِع ذَلِكَ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَة , بِأَنَّهَا أَمْر مِنْ اللَّه بِقِيلِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23442 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَلْيَقُلْ عَلَى إِثْرهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَذَلِكَ قَوْله : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } 23443 -حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان السُّكَّرِيّ قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : " إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , فَلْيَقُلْ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَالَ : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . 23444 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبّ إِذَا قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُتْبِعهَا الْحَمْد لِلَّهِ , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده , فَلْيَقُلْ بِإِثْرِهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَرَأَ { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . { هُوَ الْحَيّ } يَقُول : هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , الدَّائِم الْحَيَاة , وَكُلّ شَيْء سِوَاهُ فَمُنْقَطِع الْحَيَاة غَيْر دَائِمهَا { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُود بِحَقٍّ تَجُوز عِبَادَته , وَتَصْلُح الْأُلُوهَة لَهُ إِلَّا اللَّه الَّذِي هَذِهِ الصِّفَات صِفَاته , فَادْعُوهُ أَيّهَا النَّاس مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين , مُخْلِصِينَ لَهُ الطَّاعَة , مُفْرِدِينَ لَهُ الْأُلُوهَة , لَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَته شَيْئًا سِوَاهُ , مِنْ وَثَن وَصَنَم , وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا وَلَا عَدْلًا { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : الشُّكْر لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مَالِك جَمِيع أَجْنَاس الْخَلْق , مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس وَغَيْرهمْ , لَا لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَمْلِك شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع , بَلْ هُوَ مَمْلُوك , إِنْ نَالَهُ نَائِل بِسُوءٍ لَمْ يَقْدِر لَهُ عَنْ نَفْسه دَفْعًا . وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , أَنْ يُتْبِع ذَلِكَ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَة , بِأَنَّهَا أَمْر مِنْ اللَّه بِقِيلِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23442 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَلْيَقُلْ عَلَى إِثْرهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَذَلِكَ قَوْله : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } 23443 -حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان السُّكَّرِيّ قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : " إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , فَلْيَقُلْ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَالَ : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . 23444 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبّ إِذَا قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُتْبِعهَا الْحَمْد لِلَّهِ , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده , فَلْيَقُلْ بِإِثْرِهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَرَأَ { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} روى النعمان بن بشير قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين وأن المعنى : وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل : هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) ويقال الدعاء : هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي : كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: { لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة : 143] وكان يقال للنبي : ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج : 78] وكان يقال للنبي ادعني استجب لك، وقال لهذه الأمة { ادعوني استجب لكم} . قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعا؛ رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبي قال ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة { ادعوني استجب لكم} وكان الله إذا بعث النبي قال : ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج : 78] وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس) ""ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول"". وكان خالد الربعي يقول : عجيب لهذه الأمة قيل لها: { ادعوني استجب لكم} أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل : مثل ماذا؟ قال : مثل قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة : 25] فها هنا شرط، وقوله: { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق} [يونس : 2]، فليس فيه شرط العمل؛ ومثل قوله: { فادعوا الله مخلصين له الدين} [غافر : 14] فها هنا شرط، وقوله تعالى: { ادعوني استجب لكم} ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل : إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدم في { البقرة} بيانه. أي { استجب لكم} إن شئت؛ كقوله: { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} [الأنعام : 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم في { البقرة} بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم { سيدخلون} بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله. الباقون { يدخلون} بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى { داخرين} صاغرين أذلاء وقد تقدم. قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} { جعل} هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذ لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو قوله : { إنا جعلناه قرآنا عربيا} وقد مضى هذا المعنى في موضع. { والنهار مبصرا} أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فضله وإنعامه عليهم. قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم خالق كل شيء} بين الدلالة على وحدانيته وقدرته. { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه فـ { كذلك يؤفك} يصرف عن الحق الذين كانوا بآيات الله يجحدون. قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت. { والسماء بناء} تقدم. { وصوركم فأحسن صوركم} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي { صوركم} بكسر الصاد؛ قال الجوهري : والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري قائلا : أشبهن من بقر الخلصاء أعينها ** وهن أحسن من صيرانها صورا والصيران جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك وقد جمعهما الشاعر : إذا لاح الصوار ذكرت ليلى ** وأذكرها إذا نفخ الصوار والصيار لغة فيه. { ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} وقد مضى. { هو الحي} أي الباقي الذي لا يموت { لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين} أي مخلصين له الطاعة والعبادة. { الحمد لله رب العالمين} قال الفراء : هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هدا كله مستوفى في { البقرة} وغيرها. وقال ابن عباس : من قال: { لا إله إلا الله} فليقل: { الحمد لله رب العالمين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 56 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { هُوَ ٱلْحَيُّ } [غافر: 65] كأن كلّ صفات الكمال الأصل فيها أنْ توجد بحياة، فلا يمكن أنْ توجد قوة إلا بحياة،ولا سمع إلا بحياة، ولا بصر إلا بحياة. وكلمة (الحي) تعني أن الله تعالى ليس من الأغيار، فأنتم لكم وجود وحياة مرتبطة بهذا الوجود، أما الحق سبحانه فحيٌّ بذاته، الحيُّ صفة ذاته، والمحيي صفة فعله، وما دام الحيُّ صفة الذات؛ فما بالذات لا يتخلف، فهو حَيٌّ أي: لا يموت، لكن صفة المحيي يقابلها صفة المميت؛ فيُحيي هذا ويُميت هذا.

لذلك قالوا: الاسم الذي له مقابل (صفة فعل)، والاسم الذي ليس له مقابل (صفة ذات) فقالوا في الثناء عليه سبحانه: يا حي صفة ذاته، ويا محيي صفة فعله، وما بالذات لا يفوت، وما بالفعل يحيا ويموت.

وما دام أنه سبحانه حَيٌّ ولا إله إلا هو { فَـٱدْعُوهُ } [غافر: 65] بشرط { مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [غافر: 65] يعني: حين تدعوه لا يكون في بالك غيره، فإذا لم يكن في بالك غيره حين تدعوه كان معك واستجاب لك.

نعم { فَـٱدْعُوهُ } [غافر: 65] لأنه قيوم يقول لك: نَمْ واسترح لأن ربك قيُّوم لا ينام
{  لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }
[البقرة: 255] وكأنه سبحانه (بيدلع) مَنْ آمن به { فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [غافر: 65] فإياك أنْ تقول: توكلت على الله وعليك، أو توكلت على الله ثم عليك، هذا كله كذب، استكفِ بالله وكفى به وكيلاً.

وحين تدعوه مخلصاً له الدين فقد وضعتَ أمرك في يد واحد، هو الذي يملك أنْ يفعل، لا أنْ تذبذبه في يد مَنْ لا يستطيع، ثم لاحظ في الدعاء أن ربك أعطاك واستجاب لك قبل أنْ تدعو، بل وقبل أن تعرف الدعاء، بل وأعطاك قبل أنْ توجد أصلاً، إذن: كل ما يريده منك هو إظهار ذل العبودية لعِزِّ الربوبية.

{ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [غافر: 65] يعني: احمدوا الله أنْ تفضَّل عليكم بكلِّ هذه النعم بداية، أوجدكم من عدم وأمدكم من عُدْم، إلى أنْ ينتهي بكم المطاف في الجنة إنْ شاء الله؛ لذلك ساعة ندخل الجنة نقول كما قال سبحانه: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [يونس: 10].


www.alro7.net