سورة
اية:

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

تفسير بن كثير

يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعاً وتوبيخاً { هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي هذه التي حذرتكم الرسل فكذبتموهم، { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} ، كما قال تعالى: { يوم يدّعون إلى نار جهنم دعّاً هذه النار التي كنتم بها تكذبون} ، وقوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترحوه في الدنيا ويحلفون ما فعلوه، فيختم اللّه على أفواههم ويستنطق جوارحهم بما عملت، عن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه قال: كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم: (أتدرون مم أضحك؟) قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال صلى اللّه عليه وسلم: (من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليَّ إلا شاهداً من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل" "أخرجه ابن أبي حاتم ورواه مسلم والنسائي بنحوه". وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث القيامة الطويل قال فيه: "ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصلّيت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع - قال - فيقال له ألا نبعث عليك شاهدنا؟ - قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال: لفخذه انطقي - قال - فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط اللّه تعالى عليه" "أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة بطوله". وروى ابن جرير عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر اللّه تعالى له ذنوبه ويستره منه، قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئاً، وتبدو حسناته فود الناس كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحد، ويقول: أي رب وعزتك، لقد كتب عليَّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم اللّه تعالى على فيه، قال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا: { اليوم نختم على أفواهم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} ""أخرجه ابن جرير وهو حديث موقوف على أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه"". وقوله تبارك وتعالى: { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} ، قال ابن عباس في تفسيرها يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى فكيف يهتدون؟ وقال مرة: أعميناهم، وقال الحسن البصري: لو شاء اللّه لطمس على أعينهم، فجعلهم عمياً يترددون، وقال السدي: ولو نشاء أعمينا أبصارهم، وقال مجاهد وقتادة والسدي: { فاستبقوا الصراط} يعني الطريق، وقال ابن زيد يعني بالصراط ههنا الحق فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم؟ وقال ابن عباس { فأنى يبصرون} لا يبصرون الحق، وقوله عزَّ وجلَّ: { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} قال ابن عباس: أهلكناهم، وقال السدي: يعني لغيَّرنا خلقهم، وقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة، وقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم، ولهذا قال تبارك وتعالى: { فما استطاعوا مضياً} أي إلى الأمام { ولا يرجعون} إلى وراء، بل يلزمون حالاً واحداً لا يتقدمون ولا يتأخرون.

تفسير الجلالين

( اليوم نختم على أفواههم ) أي الكفار لقولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" ( وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ) وغيرها ( بما كانوا يكسبون ) فكل عضو ينطق بما صدر منه .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال : (هل تدرون مم أضحك؟ - قلنا : الله ورسوله أعلم قال : - من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال : يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال : فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال : ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل) خرجه أيضا من حديث أبي هريرة. وفيه : (ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ومتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه). وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال : وأشاره بيده إلى الشام فقال : (من ها هنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفِدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه) في رواية أخرى : (فخذه وكفه) الفدام مصفاة الكوز والإبريق؛ قال الليث. قال أبو عبيد : يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه : أحدها : لأنهم قالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23] فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم؛ قاله أبو موسى الأشعري. الثاني : ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم؛ قاله ابن زياد. الثالث : لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز، إن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع : ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه. فإن قيل : لم قال { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل : إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل؛ فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى) ذكره الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري : إنى لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى؛ ذكره المهدوي أيضا. قال الماوردي : فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء؛ لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها. قال : وتقدمت اليسرى؛ لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها؛ فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قلت : أو بالعكس لغلبة الشهوة، أو كلاهما معا والكف؛ فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة. والله أعلم. قوله تعالى: { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} حكى الكسائي : طمَس يطمِس ويطمُس. والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شق. قال ابن عباس : المعنى لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق. وقال الحسن والسدي : المعنى لتركناهم عميا يترددون. فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها. وهذا اختيار الطبري. وقوله: { فاستبقوا الصراط} أي استبقوا الطريق ليجوزوا { فأنى يبصرون} أي فمن أين يبصرون. وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس : ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى؛ فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: { فأنى يبصرون} ولم نفعل ذلك بهم؛ أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية. وقد روي عن عبدالله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة. وقال : إذا كان يوم القيامة ومد الصراط.، نادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؛ فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته؛ فيقوم فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه : أخذ الأسود بن الأسود حجرا ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فطمس الله على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا اهتدى، ونزلت الآية فيه. والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، مأخوذ من طمس الريح الأثر؛ قاله الأخفش والقتبي. قوله تعالى: { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} المسخ : تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة. قال الحسن : أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم تلك البهيمة لا تعقل موضعا تقصده فتتحير، فلا تقبل ولا تدبر. ابن عباس رضي الله عنه : المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل : المعنى لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترؤوا فيه على المعصية. ابن سلام : هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسلمي وزر بن حبيش وعاصم في رواية أبي بكر} مكاناتهم} على الجمع، الباقون بالتوحيد. وقرأ أبو حيوة} فما استطاعوا مضيا} بفتح الميم. والمضى بضم الميم مصدر يمضى مضيا إذا ذهب. قوله تعالى: { ومن نعمره ننكسه في الخلق} قرأ عاصم وحمزة { ننكسه} بضم النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون } نَنْكُسه} بفتح النون الأولى وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة : المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. وقال سفيان في قوله تعالى: { ومن نعمره ننكسه في الخلق} إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته. قال الشاعر : من عاش أخلقت الأيام جدته ** وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا، وهذا هو الغالب. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد مضى في { النحل} بيانه. { أفلا يعقلون} أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. وقرأ نافع وابن ذكوان { تعقلون} بالتاء. الباقون بالياء} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يس الايات 51 - 65


سورة يس الايات 65 - 73

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر:
يَا دَهْرُ يَا مُنْجِزَ إيعَادِهِ   وَمُخْلِفَ المأْمُولِ مِنْ وَعْدِهِ
وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ.

وقوله سبحانه: { ٱصْلَوْهَا } [يس: 64] ادخلوها، واصْطَلُوا بنارها، واحترقوا بلظَاهَا، { ٱلْيَوْمَ } [يس: 64] أي: يوم الجزاء اليوم القائم الذي نحن فيه، أما ما قبله فقد مضى ومضتْ معه اللذات التي جاءت بكم إلى النار، ذهبتْ اللذات وبقيتْ تبعتها، ولم يعُد أمامكم إلا النار تحترقون فيها { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } [يس: 64] يعني: هذه النار ليست ظُلْماً، إنما جزاء كفركم بنعمة الله، وهذا تقريع لهم؛ لأنهم لم يعرفوا للحق سبحانه نعمه عليهم، ولو عرفوا لله هذه النعمة ما كفروا بها.

لذلك حين تُحسِن إلى إنسان، فيقابل إحسانك بالإساءة يخجل أن يقابلك، ويستطيع أنْ يتحمل منك أيَّ عقاب، إلا أن تواجهه أنت، لماذا؟ لأن حياء المسيء من المحسن أشدُّ عليه من العذاب، فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء الكفرة بنعمه: استحيوا من الله، لأنه أنعم عليكم فكفرتم بنعمه، ولو أن عندكم إحساساً لكان تذكيركم بكفركم أشدَّ عليكم من هذه النار التي تَصْلوْنها.

ثم يقول سبحانه واصفاً حالهم، والعياذ بالله: { ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [يس: 65].

قوله: { ٱلْيَوْمَ } [يس: 65] أي: يوم القيامة والجزاء { نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ } [يس: 65].

نضرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مَنَاط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواههم في الآخرة ختم على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم اللهُ على القلوب فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون.

فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعُد للسان دَوْر، اليوم تُغْلَق الأفواه وتُقيَّد الألسنة لتنطق الجوارح.

وتأمل بعدها: { وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [يس: 65] القياس كان يقتضي أنْ يقول الحق سبحانه { 1649;لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ } [يس: 65].

ومثلها: ونُنْطِق أيديهم ونُشهِد أرجلهم، لكن السياق القرآني هنا مختلف، فبعد أنْ يختمَ اللهُ على أفواههم تُكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوعاً لا أمراً، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل للأرجل: اشهدي.

وإنما تطوعتْ هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس الجوارح التي بُوشِرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع اللهُ لها الجوارح، وأمرها أن تسير وِفْق مرادها، ورهْنَ إشارتها في الدنيا.أما ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررتْ الجوارحُ من تبعيتها للنفس الواعية، وأصبح الملْكُ كله والتفويض كله لله تعالى، فالآن تتكلم الجوارحُ بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه.

وسبق أنْ مثَّلْنَا هذه المسألة بالكتيبة من الجيش يرسلها القائد الأعلى، وعلى الكتيبة أن تطيع أوامر قائدها المباشر، ولو كانت الأوامر خاطئة، إلى أن تعود إلى الأعلى، فتشكو له ما كان من القائد المباشر، هكذا الجوارح يوم القيامة.

فإنْ قلتَ: فلماذا أسند التكلم للأيدي، والشهادة للأرجل؟ نقول: لأن جمهرة الأعمال عادة تُسند إلى الأيدي، حتى لو كان المشي وسيلة العمل، وطالما أن الأيدي تتكلم، فكأنها أصبحتْ مُدَّعية تحتاج إلى شاهد فتشهد الأرجل.

أما مسألة: كيف تنطق الأيدي، فالذي أنطق اللسان وهو قطعة من لحم ودم قادر على أنْ يُنْطِق باقي الأعضاء الأيدي أو غيرها، وما دام الفعلُ لله تعالى فلا داعيَ للسؤال عن الكيفية، ثم إن الأيدي بها من الأعصاب أكثر مما بأعضاء الكلام.

وقوله تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [يس: 65] ولم يقُلْ: بما كانوا يعملون، لأن هناك فرقاً بين إنسان يُقبل على المعصية لكنه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، وآخر يعتبر ارتكاب المعصية مكسباً فيفرح بها، ويتحدث عنها ويتباهى بارتكابها.

ومن حيث التحقيق اللغوي لمادة (كسب)، فإن هذا الفعل يأتي مجرداً (كسب)، ويدل على الربح في البيع والشراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان طبيعياً، لا تكلُّفَ فيه ولا افتعال، وغالباً ما يُستخدم في الخير.

ويأتي هذا الفعل مزيداً بالهمزة والتاء (اكتسب)، ويدل على الافتعال والتكلّف، وتُستخدم هذه الصيغة في الإثم، وأوضحنا هذه المسألة فقلنا: إن الإنسان حين يفعل الخير يأتي الفعلُ منه طبيعياً تلقائياً، أما الشر فيتلصص له ويحتال، ذلك لأن الخير هَيِّن ليِّن سهل مقبول، أما الإثم فشَاقٌّ مخجل.

أنت حين تجلس مثلاً بين أهلك ترى زوجك أو بناتك أو عمتك أو خالتك.. الخ وفيهن الجميلات والحسان، وأنت تنظر إليهن جميعاً دون تكلُّف ودون خجل، لأنه أمر طبيعي، أنا مع غير المحارم ومع مَنْ يحرم عليك النظر إليهن، فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على نقيصتك.

فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعوَّد عليه وألِفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، بل يجاهر به، فَعَدّ الاكتساب في حقه كسباً، كما في هذه الآية:

{ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [يس: 65].


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net