سورة
اية:

وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عما يوبخ به المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: { أين شركائي الذين كنتم تزعمون} ؟ يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد كما قال تعالى: { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} ، وقوله: { قال الذين حق عليهم القول} يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، قال تعالى: { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} ، وقال تعالى: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ، وقال الخليل عليه السلام لقومه { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} الآية، وقال اللّه تعالى: { وإذا تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} الآية، ولهذا قال: { وقيل ادعوا شركاءكم} أي ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، { فدعوهم فلم يستجيبوا ورأوا العذاب} ، أي وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وقوله: { لو أنهم كانوا يهتدون} أي فودّوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: { ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقاً . ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً} وقوله: { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} النداء الأول سؤال عن التوحيد، وهذا عن إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، ولهذا قال تعالى: { فعميت عليهم الأنبياء يومئذ فهم لا يتساءلون} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج فهم لا يتساءلون بالأنساب، وقوله: { فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً} أي في الدنيا { فعسى أن يكون من المفلحين} أي يوم القيامة، وعسى من اللّه موجبة، فإن هذا واقع بفضل اللّه ومنته لا محالة.

تفسير الجلالين

{ وقيل ادعوا شركاءكم } أي الأصنام الذين تزعمون أنهم شركاء الله { فدعوْهم فلم يستجيبوا لهم } دعاءهم { ورأوا العذاب } أبصروه { لو أنهم كانوا يهتدون } في الدنيا لما رأوه في الآخرة.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي الدُّنْيَا { اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي الدُّنْيَا { اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه .' يَقُول فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ.يَقُول فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ.' يَقُول : وَعَايَنُوا الْعَذَاب .يَقُول : وَعَايَنُوا الْعَذَاب .' يَقُول : فَوَدُّوا حِين رَأَوْا الْعَذَاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُهْتَدِينَ لِلْحَقِّ .يَقُول : فَوَدُّوا حِين رَأَوْا الْعَذَاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُهْتَدِينَ لِلْحَقِّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ويوم يناديهم} أي ينادي الله يوم القيامة هؤلاء المشركين { فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم { قال الذين حق عليهم القول} أي حقت عليهم كلمة العذاب وهم الرؤساء؛ قاله الكلبى وقال قتادة : هم الشياطين. { ربنا هؤلاء الذين أغوينا} أي دعوناهم إلى الغي فقيل لهم : أغويتموهم ؟ قالوا { أغويناهم كما غوينا} يعنون أضللناهم كما كنا ضالين. { تبرأنا إليك} أي تبرأ بعضنا من بعض، والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم؛ كما قال { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} الزخرف 67 . قوله تعالى: { وقيل} أي للكفار { ادعوا شركاءكم} أي استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم { فدعوهم} أي استغاثوا بهم { فلم يستجيبوا لهم} أي فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} قال الزجاج : جواب { لو} محذوف؛ والمعنى : لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب وقيل : أي لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم وقيل المعنى : ودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إذا رأوا العذاب يوم القيامة. { ماذا أجبتم المرسلين} أي يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي. { فعميت عليهم الأنباء يومئذ} أي خفيت عليهم الحجج؛ قاله مجاهد؛ لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة و { الأنباء} الأخبار؛ سمى حججهم أنباء لأنها أخبار يخبرونها { فهم لا يتساءلون} أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن الله تعالى أدحض حججهم؛ قاله الضحاك وقال ابن عباس { لا يتساءلون} أي لا ينطقون بحجة وقيل { لا يتساءلون} في تلك الساعة، ولا يدرون ما يجيبون به من هول تلك الساعة، ثم يجيبون بعد ذلك كما أخبر عن قولهم { والله ربنا ما كنا مشركين} الأنعام 23 وقال مجاهد : لا يتساءلون بالأنساب وقيل : لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل من ذنوبه شيئا؛ حكاه ابن عيسى. قوله تعالى: { فأما من تاب} أي من الشرك { وآمن} أي صدق { وعمل صالحا} أدى الفرائض وأكثر من النوافل { فعسى أن يكون من المفلحين} أي من الفائزين بالسعادة. وعسى من الله واجبة.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وسبق أن ناداهم
{  أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
[القصص: 62] أي: في زعمكم؛ لأنه سبحانه ليس له شركاء، وهنا يقول لهم { ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } [القصص: 64] ولم يقُلْ شركائي، مع أنهم اتخذوهم شركاء لله.

فمعنى { شُرَكَآءَكُمْ... } [القصص: 64] أفي دعوى الألوهية؟ لا، لأنهم تابعون لهم، إذن: فما معنى { شُرَكَآءَكُمْ... } [القصص: 64]؟ قالوا: الإضافة تأتي بمعَانٍ ثلاثة: إما بمعنى (من) مثل: أردب قمح أي: من قمح، أو بمعنى (في) مثل: مكرالليل أي: مكر في الليل، أو: بمعنى (لام) الملكية مثل: قلم زيد أي: قلم لزيد.

فالمعنى هنا { شُرَكَآءَكُمْ... } [القصص: 64] أي: من جنسكم أو فيكم يعني: لا يتميز عنكم بشيء، والإله لا بُدَّ أن يكون من جنس أعلى، فإنْ كان من جنسكم، فهو مُسَاوٍ لكم، لا يصلح أن تتخذوه إلهاً.

ومعنى { ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ.. } [القصص: 64] يعني: نادوهم لينصروكم، ويشفعوا لكم، كما قلتم:
{  هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }
[يونس: 18].

وقلتم:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ }
[الزمر: 3].

إذن: فنادوهم ليُقربوكم من الله، وليشفعوا لكم، والذي يقوم بهذه المهمة لا بُدَّ أنْ يكون له منزلة عند الله يضمنها، وهل يضمن هؤلاء الشركاء منزلة عند الله؟ كيف وهم لا يضمنونها لأنفسهم؟

{ فَدَعَوْهُمْ... } [القصص: 64] يا شركاءنا، يا مَنْ قُلْتم لنا كذا وكذا أدركونا { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ... } [القصص: 64] لأنهم مشغولون بأنفسهم { وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } [القصص: 64] يعني: لو كانوا يهتدون بهَدْي الله، وهَدْي رسوله، ويروْن العذاب الذي أنذرهم به حقيقة وواقعاً لا يتخلفون عنه لَمَا حدث لهم هذا، ولما واجهوا هذه العاقبة.

أو: أنهم لما رأوا العذاب حقيقة في الآخرة تمنَّوا لو أنهم كانوا مهتدين.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ... }.


www.alro7.net