سورة
اية:

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى: { وعلامات وبالنجم هم يهتدون} ، وقال تعالى: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} الآية، { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} أي بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث اللّه به عباده المجدبين القانطين { أإله مع اللّه؟ تعالى اللّه عما يشركون} .

تفسير الجلالين

{ أمَّن يهديكم } يرشدكم إلى مقاصدكم { في ظلمات البر والبحر } بالنجوم ليلاً وبعلامات الأرض نهاراً { ومن يرسل الرياح بُشراً بين يديْ رحمته } قدام المطر { أَإِله مع الله تعالى الله عما يشركون } به غيره.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ خَيْر , أَمْ الَّذِي يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر إِذَا ضَلَلْتُمْ فِيهِمَا الطَّرِيق , فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ السُّبُل فِيهِمَا ؟ كَمَا : 20597 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر } وَالظُّلُمَات فِي الْبَرّ , ضَلَالَة الطَّرِيق , وَالْبَحْر , ضَلَاله طَرِيقه وَمَوْجه وَمَا يَكُون فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ خَيْر , أَمْ الَّذِي يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر إِذَا ضَلَلْتُمْ فِيهِمَا الطَّرِيق , فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ السُّبُل فِيهِمَا ؟ كَمَا : 20597 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر } وَالظُّلُمَات فِي الْبَرّ , ضَلَالَة الطَّرِيق , وَالْبَحْر , ضَلَاله طَرِيقه وَمَوْجه وَمَا يَكُون فِيهِ . ' قَوْله : { وَمَنْ يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته } يَقُول : وَاَلَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا لِمَوَتَانِ الْأَرْض بَيْن يَدَيْ رَحْمَته , يَعْنِي : قُدَّام الْغَيْث الَّذِي يُحْيِي مَوَات الْأَرْض .قَوْله : { وَمَنْ يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته } يَقُول : وَاَلَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا لِمَوَتَانِ الْأَرْض بَيْن يَدَيْ رَحْمَته , يَعْنِي : قُدَّام الْغَيْث الَّذِي يُحْيِي مَوَات الْأَرْض .' وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : أَإِلَه مَعَ اللَّه سِوَى اللَّه يَفْعَل بِكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَعَبَّدُوهُ مِنْ دُونه , أَوْ تُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُ .وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : أَإِلَه مَعَ اللَّه سِوَى اللَّه يَفْعَل بِكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَعَبَّدُوهُ مِنْ دُونه , أَوْ تُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُ .' يَقُول : لِلَّهِ الْعُلُوّ وَالرِّفْعَة عَنْ شِرْككُمْ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ , وَعِبَادَتكُمْ مَعَهُ مَا تَعْبُدُونَ .يَقُول : لِلَّهِ الْعُلُوّ وَالرِّفْعَة عَنْ شِرْككُمْ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ , وَعِبَادَتكُمْ مَعَهُ مَا تَعْبُدُونَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} قال الفراء : قال أهل المعاني : قيل للوط { قل الحمد لله} على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا : هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس : وهذا أولى، لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل : المعنى؛ أي { قل} يا محمد { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} يعني أمته عليه السلام. قال الكلبي : اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. +قوله { الذين اصطفى} اختار؛ أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام؛ دليله قوله { وسلام على المرسلين} 37@ 181 . { آلله خير أما يشركون} وأجاز أبو حاتم { أألله خير} بهمزتين. النحاس : ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك؛ لأن هذه المدة إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و { خير} ههنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول الشاعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت : فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل : المعنى؛ الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه : السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل : هو على بابه من التفضيل، والمعنى : آلله خير أم ما تشركون؛ أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل : قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل : اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب} يشركون} بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول : (بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ( +قوله { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء} قال أبو حاتم : تقديره؛ آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض؛ وقد تقدم. ومعناه : قدر على خلقهن. وقيل : المعنى؛ أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى؛ وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر الحسن. قال الفراء : الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن؛ يبهج به من رآه. { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} { ما} للنفي. ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا؛ أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم، ولا يقع تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها؛ إذ هم عجزة عن مثلها، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن؛ وهو قول مجاهد. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : (قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة) ""رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة""؛ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (قال الله عز وجل) فذكره؛ فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أن يصنع الصور : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سبأ إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ} أإله مع الله} أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. { بل هم قوم يعدلون} بالله غيره. وقيل { يعدلون} عن الحق والقصد؛ أي يكفرون. وقيل { إله} مرفوع بـ { مع} تقديره : أمع الله ويلكم إله. والوقف على { مع الله} حسن. +قوله { أمن جعل الأرض قرارا} أي مستقرا. { وجعل خلالها أنهارا} أي وسطها مثل } وفجرنا خلالهما نهرا} 18@ 33 . { وجعل لها رواسي} يعني جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة. { وجعل بين البحرين حاجزا} مانعا من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس : سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا. والحجز المنع. { أإله مع الله} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. { بل أكثرهم لا يعلمون} يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النمل الايات 62 - 64

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه أيضاً من الأمور الخاصة التي تخصُّ بعض الناس دون بعض، وكانت قبل تقدُّم العلم، حيث كانت النجوم هي العلامات التي يهتدي بها الملاحون في البحر والمسافرون في البر
{  وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }
[النحل: 16].

وقد برع في علوم الفلك والنجوم وفي علوم البحار علماء من العرب وضَعُوا أُسساً لهذه العلوم، لا عن علم عندهم، إنما عن مشاهدة لظواهر الكون، وتوفيق وهداية من الله عز وجل.

وحين نتأمل ارتقاءات الإنسان في الحياة نجد أنها نتيجة مشاهدة حدثتْ صدفة، أو حتى بطريق الخطأ، وإلا فكيف اهتدى الإنسان إلى تخمير العجين ليخرج الخبز على هذه الصورة وبهذا الطعم؟ لذلك يُسمُّون العجين: فطير وهو المبلط الذي لم يتخمر، وخمير وهو الذي تخمَّر وارتفع قليلاً وتخلّله الهواء.

وقد نقلوا هذه المعنى للرأي، يقولون: فلان رأيه فطير يعني: سطحي متعجل، وفكرة مختمرة يعني: مدروسة بتأنٍّ، ومنه الفِطْرة يعني الشيء حين يكون على طبيعته.

وربما اكتشفتْ إحدى النساء مسألة الخمير هذه نتيجة خطأ أو مصادفة حين عجنتْ العجين، وتأخرت في خَبْزه حتى خمر، فلما خبزته جاء على هذه الصورة المحببة إلينا، كذلك الأمر في اكتشاف البنسلين مثلاً، والغواصات والبخار والعجلة.. الخ.

وتأمل مثلاً: لماذا نطبخ الملوخية ولا نطبخ النعناع، إنها ـ إذن ـ هداية الله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى.

الحديد تعلمنا طَرْقه بعد إدخاله النار ليلين؛ لأن الله تعالى علمها لنبيه داود عليه السلام حين قال
{  وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }
[سبأ: 10].

إذن: كثير من اكتشافات الكون وارتقاءاته تأتي بهداية الله، وكلما مرَّ الزمن تكشفتْ لنا أسرار الكون، كلّ في ميعاده وميلاده الذي أراده الله، إما أنْ يستنطبه الناس بمقدمات إذا جاء ميلاده، وإلا فيأتي ولو مصادفة.

واقرأ إن شئت قوله تعالى:
{  وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ }
[البقرة: 255] فحين يشاء الله يكشف لك الأشياء، ويُيسر لك أسبابها، فإذا لم تنتبه لها أراكها مصادفة، ومن وسائل إعلام الله لخَلْقه مثلاً أهل البوادي، ترى الواحد منهم متكئاً ينظر إلى السماء ويقول لك: السماء ستمطر بعد كم من الساعات، وليس في السماء سحاب ولا غَيْمٌ يدل على المطر، لكنه عرفها بالاستقراء والتجربة.

ومن هذه الهداية الإلهية أن ترى البهائم العجماوات وهي تأكل بالغريزة، تأكل الحشيش الجاف، ولا تأكل مثلاً النعناع الأخضر، أو الريحان من أن رائحته جميلة، لماذا؟

لأنه جُعِل للرائحة الطيبة، لكن طعمه غير طيب، وإذا أكل الحيوان وشبع لا يمكن أن يأكل بعدها أبداً على خلاف الإنسان الذي يأكل حتى التخمة، ثم الحلو والبارد والساخن، ويقولون (أَرِهَا الألوان تريك الأركان). أي: أَرِ معدتك ألوان الطعام وأصنافه، تريك الأركان الخالية فيها.

لذلك تجد رائحة رَوَث الحيوان أقلّ كراهية من رائحة فضلات الإنسان؛ لأنها تأكل بالغريزة التي خلقها الله فيها، ونحن نأكل بالشهوة، وبلا نظام نلتزم به.

وقوله تعالى: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً } [النمل: 63] اي: مُبشِّرات بالمطر { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } [النمل: 63] والمطر مظهر من مظاهر رحمة الله { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } [النمل: 63] أي: لا إله إلا الله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ولا إله إلا الله يرسل الرياح تبشركم بالمطر { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [النمل: 63] تنزَّه أن يكون له في كَوْنه شريك.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ }


www.alro7.net