سورة
اية:

قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا

تفسير بن كثير

لما سأل إبليس النظرة قال اللّه له { اذهب} فقد أنظرتك، كما قال في الآية الأخرى { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} ، ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أي على أعمالكم { جزاء موفورا} قال مجاهد: وافراً، وقال قتادة:موفوراً عليكم لا ينقص لكم منه، وقوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قيل: هو الغناء. قال مجاهد باللهو والغناء، أي استخفهم بذلك، وقال ابن عباس في قوله: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قال: كل داع دعا إلى معصية اللّه عزَّ وجلَّ، واختاره ابن جرير، وقوله تعالى: { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} يقول: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم، فإن الرجل جمع راجل، كما أن الركب جمع راكب، ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدري، كقوله تعالى: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً وتسوقهم إليها سوقاً. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه، تقول العرب: أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه، ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب، ومنه اشتقاق الجلبة، وهي ارتفاع الأصوات، وقوله تعالى: { وشاركهم في الأموال والأولاد} قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي اللّه تعالى، وقال عطاء: هو الربا، وقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، والآية تعم ذلك كله، وقوله: { والأولاد} يعني أولاد الزنا قاله ابن عباس ومجاهد والضحّاك ، وقال ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهاً بغير علم، وقال الحسن البصري: قد واللّه شاركهم في الأموال والأولاد، مجَّسوا وهوّدوا ونصَّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجزأوا من أموالهم جزءاً للشيطان، وقال أبو صالح عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان. قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصي اللّه فيه بتسميته بما يكرهه اللّه، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه اللّه، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى اللّه بفعله به، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه لأن اللّه لم يخصص بقوله: { وشاركهم في الأموال والأولاد} معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصي اللّه فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة، وهذا الذي قاله متجه، وكل من السلف رحمهم اللّه فسر بعض المشاركة، وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم اللّه، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً)، وقوله تعالى: { وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول، إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق: { إن اللّه وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} الآية. وقوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال تعالى: { وكفى بربك وكيلا} أي حافظاً ومؤيداً ونصيراً. وفي الحديث: (إن المؤمن ليُنضِي شياطينه كما يُنضِي أحدكم بعيره في السفر) ""رواه أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً""ينضي: أي يأخذ بناصيته ويقهره.

تفسير الجلالين

{ قال } تعالى له { اذهب } منظرا إلى وقت النفخة الأولى { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } أنت وهم { جزاءً موفورا } وافرا كاملاً .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { قَالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس إِذْ قَالَ لَهُ { لَئِنْ أَخَّرْتنِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } : اِذْهَبْ فَقَدْ أَخَّرْتُك , فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ ذُرِّيَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَأَطَاعَك , فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُك وَجَزَاؤُهُمْ , يَقُول : ثَوَابك عَلَى دُعَائِك إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِي , وَثَوَابهمْ عَلَى اِتِّبَاعهمْ إِيَّاكَ وَخِلَافهمْ أَمْرِي { جَزَاء مَوْفُورًا } : يَقُول : ثَوَابًا مَكْثُورًا مُكَمِّلًا . كَمَا : 16950 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { قَالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } عَذَاب جَهَنَّم جَزَاؤُهُمْ , وَنِقْمَة مِنْ اللَّه مِنْ أَعْدَائِهِ فَلَا يَعْدِل عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا شَيْء . 16951 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } قَالَ : وَافِرًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مَوْفُورًا } , قَالَ : وَافِرًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { قَالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس إِذْ قَالَ لَهُ { لَئِنْ أَخَّرْتنِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } : اِذْهَبْ فَقَدْ أَخَّرْتُك , فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ ذُرِّيَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَأَطَاعَك , فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُك وَجَزَاؤُهُمْ , يَقُول : ثَوَابك عَلَى دُعَائِك إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِي , وَثَوَابهمْ عَلَى اِتِّبَاعهمْ إِيَّاكَ وَخِلَافهمْ أَمْرِي { جَزَاء مَوْفُورًا } : يَقُول : ثَوَابًا مَكْثُورًا مُكَمِّلًا . كَمَا : 16950 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { قَالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } عَذَاب جَهَنَّم جَزَاؤُهُمْ , وَنِقْمَة مِنْ اللَّه مِنْ أَعْدَائِهِ فَلَا يَعْدِل عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا شَيْء . 16951 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَإِنَّ جَهَنَّم جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا } قَالَ : وَافِرًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مَوْفُورًا } , قَالَ : وَافِرًا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قال اذهب} هذا أمر إهانة؛ أي اجهد جهدك فقد أنظرناك { فمن تبعك منهم} أي أطاعك من ذرية آدم. { فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} أي وافرا؛ عن مجاهد وغيره. وهو نصب على المصدر، يقال : وفرته أفره وفرا، ووفر المال بنفسه يفر وفورا فهو وافر؛ فهو لازم ومتعد.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى { ٱذْهَبْ } أمر يحمل معنى الطرد والإبعاد. { فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ.. } [الإسراء: 63] أي: الذين اتبعوك وساروا في ركابك فجزاؤهم جهنم.

ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: { جَزَآؤُكُمْ }. ولم يقل (جزاؤهم) لأنه معهم وداخل في حكمهم، وهو سبب غوايتهم وضلالهم، وكذلك هو المخاطب في الآية الكريمة، وحتى لا يظن إبليس أن الجزاء مقصور على العاصين من ذرية آدم، أو يحتج بأنه يُنفّذ أوامر الله الواردة في قوله تعالى:
{  وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً }
[الإسراء: 64]

فليست هذه أوامر يراد تنفيذها؛ لأن هناك فرقاً بين الأمر الذي يُراد منه تنفيذ الفعل، والأمر الذي لا يُراد منه التنفيذ. فالأول طَلَب أعلى من أَدْنى لكي يفعل: اكتب، اجلس. لكن إذا اتجه الأمر إلى غير مطلوبٍ عادةً من العقلاء ينصرف عن الأمر إلى معنى آخر.

وهذا كما تقول لولدك مراراً: ذاكر دروسك واجتهد، وإذا به لا يهتمّ ولا يستجيب فتقول له: العب كما تشاء، فهل تقصد ظاهر هذا الأمر؟! وهل لو أخفق الولد في الامتحان سيأتي ليقول لك: يا والدي لقد قلت لي العب؟!

إن الأمر هنا لا يُؤخَذ على ظاهره، بل يُراد منه التهديد، كما يقولون في المثل (أعلى ما في خَيْلك اركبه).

وقوله: { جَزَاءً مَّوْفُوراً } أي: وافياً مكتملاً لا نقصَ فيه، لا من العذاب، ولا من المعذبين.

والحق سبحانه يقول مخاطباً إبليس: { وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ... }.


www.alro7.net