سورة
اية:

وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ

تفسير بن كثير

لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنَّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم، فقال الله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏هذا وإن للطاغين‏} ‏ وهم الخارجون عن طاعة اللّه عزَّ وجلَّ، المخالفون لرسل اللّه صلى اللّه عليهم وسلم ‏ { ‏لشر مآب‏} ‏ أي لسوء منقلب ومرجع، ثم فسره بقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏ { ‏جهنم يصلونها‏} ‏ أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم ‏ { ‏فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق‏} ‏، أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم، ولهذا قال عزَّ وجلَّ ‏ { ‏وآخر من شكله أزواج‏} ‏ أي وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يتعاقبون بها، عن أبي سعيد رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏‏لو أن دلواً من غسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي وابن جرير‏"‏‏.‏ وقال كعب الأحبار ‏ { ‏غساق‏} ‏ عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية، وعقرب وغير ذلك فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج، وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه ‏"‏رواه ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار‏"‏، وقال الحسن البصري ‏ { ‏وآخر من شكله أزواج‏} ‏‏:‏ ألوان من العذاب، كالزمهرير، والسموم، وشرب الحميم، وأكل الزقوم، والصعود والهويّ، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار‏} ‏، هذا إخبار من اللّه تعالى عن قول أهل النار بعضهم لبعض، كما قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏كلما دخلت أمة لعنت أختها‏} ‏ يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى، إذا أقبلت مع الخزنة من الزبانية ‏ { ‏هذا فوج مقتحم‏} ‏ أي داخل ‏ { ‏معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار‏} ‏ أي لأنهم من أهل جهنم، ‏ { ‏قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم‏} ‏ أي فيقول لهم الداخلون ‏ { ‏بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا‏} ‏ أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، ‏ { ‏فبئس القرار‏} ‏ أي فبئس المنزل والمستقر والمصير ‏ { ‏قالوا ربنا من قدّم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار‏} ‏، كما قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكلٍ ضعفٌ ولكن لا تعلمون‏} ‏ أي لكل منكم عذاب بحسبه، ‏ { ‏وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصارْ} ‏ هذا إخبار عن الكفار في النار، أنهم يفتقدون رجالاً كانوا معهم يعتقدون أنهم على الضلالة، وهم المؤمنون في زعمهم قالوا‏:‏ ما لنا لا نراهم معنا في النار‏؟‏ قال مجاهد‏:‏ هذا قول أبي جهل يقول‏:‏ ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً وفلاناً وفلاناً‏؟‏ وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار، افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا‏:‏ ‏ { ‏ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخرياً‏} ‏ أي في الدار الدنيا ‏ { ‏أم زاغت عنهم الأبصار‏} يسلّون أنفسهم بالمحال، يقولون‏:‏ أو لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏ قالوا‏:‏ نعم، فأذَّن مؤذن بينهم أن لعنة اللّه على الظالمين‏} ‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏إن ذلك لحق تخاصم أهل النار‏} ‏، أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد، من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحقٌ لا مرية فيه ولا شك.‏

تفسير الجلالين

{ وقالوا } أي كفار مكة وهم في النار { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الطَّاغُونَ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ أَبُو جَهْل وَالْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَذَوُوهمَا : { مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا } يَقُول : مَا بَالنَا لَا نَرَى مَعَنَا فِي النَّار رِجَالًا { كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } يَقُول : كُنَّا نَعُدّهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَشْرَارنَا , وَعَنَوْا بِذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ صُهَيْبًا وَخَبَّابًا وَبِلَالًا وَسُلَيْمَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23088- حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } قَالَ : ذَاكَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام وَالْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَذُكِرَ أُنَاسًا صُهَيْبًا وَعَمَّارًا وَخَبَّابًا , كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا يَذْكُر عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } قَالَ : قَالُوا : أَيْنَ سُلَيْمَان ؟ أَيْنَ خَبَّاب ؟ أَيْنَ بِلَال ؟ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الطَّاغُونَ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ أَبُو جَهْل وَالْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَذَوُوهمَا : { مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا } يَقُول : مَا بَالنَا لَا نَرَى مَعَنَا فِي النَّار رِجَالًا { كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } يَقُول : كُنَّا نَعُدّهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَشْرَارنَا , وَعَنَوْا بِذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ صُهَيْبًا وَخَبَّابًا وَبِلَالًا وَسُلَيْمَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23088- حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } قَالَ : ذَاكَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام وَالْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَذُكِرَ أُنَاسًا صُهَيْبًا وَعَمَّارًا وَخَبَّابًا , كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا يَذْكُر عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهُمْ مِنْ الْأَشْرَار } قَالَ : قَالُوا : أَيْنَ سُلَيْمَان ؟ أَيْنَ خَبَّاب ؟ أَيْنَ بِلَال ؟ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقالوا} يعني أكابر المشركين { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} قال ابن عباس : يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول أبو جهل : أين بلال أين صهيب أين عمار أولئك في الفردوس واعجبا لأبي جهل مسكين؛ أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو؛ قال : ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا ** وموضع رجلي منه أسود مظلم { أتخذناهم سخريا} قال مجاهد : أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا { أم زاغت عنهم الأبصار} فلم نعلم مكانهم. قال الحسن : كل ذلك قد فعلوا؛ اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل : معنى { أم زاغت عنهم الأبصار} أي أهم معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمر وحمزة والكسائي يقرءون { من الأشرار اتخذناهم} بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرءون { أتخذناهم} بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل؛ لأنه قد استغنى عنها؛ فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على { الأشرار} لأن { أتخذناهم} حال. وقال النحاس والسجستاني : هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري : وهذا خطأ؛ لأن النعت لا يكون ماضيا ولا مستقبلا. ومن قرأ: { أتخذناهم} بقطع الألف وقف على { الأشرار} قال الفراء : والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. { أم زاغت عنهم الأبصار} إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضل وهبيرة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي، { سُخريا} بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة : من كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدم. { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} { لحق} خبر إن و { تخاصم} خبر مبتدأ محذوف بمعنى هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلا من حق. ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر. ويجوز أن يكون بدلا من ذلك على الموضع. أي إن تخاصم أهل النار في النار لحق. يعني قولهم: { لا مرحبا بكم} الآية وشبهه من قول أهل النار.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَقَالُواْ } [ص: 62] أي: أهل النار { مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً.. } [ص: 62] يعنون أصحاب محمد الذين { كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ } [ص: 62]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام:
{  مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ }
[هود: 27] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم.

فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون { مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ } [ص: 62] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. } [ص: 63] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار } [ص: 63] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.

وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى { زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار } [ص: 63] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم { مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ } [ص: 62] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد:
{  مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. }
[النمل: 20] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال:
{  أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ }
[النمل: 20].

ثم يقول سبحانه: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } [ص: 64] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.

ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟
{  فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. }
[فاطر: 43].

فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.

وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.

فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 171-173].

ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.

إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.

كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.

إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه:
{  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }
[التوبة: 14].

وقال:
{  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. }
[الأنفال: 17].

إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.

ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال: { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... } [ص: 65]


www.alro7.net