سورة
اية:

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، وقال تعالى: { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ، وهكذا قال ههنا: { أم من يجيب المضطر إذا دعاه} أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه؟ قال الإمام أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من بلهجيم ""قوله عن رجل من بلهجيم ورد اسم الرجل في رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد وهو جابر بن سليم الهجيمي""قال: قلت يا رسول اللّه إلام تدعو؟ قال: (أدعو إلى اللّه وحده، الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك) قال: قلت أوصني، قال: (لا تسبن أحداً ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن اللّه لا يحب المخيلة)، وفي رواية أخرى لأحمد عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد رسول اللّه؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول اللّه أنا من أهل البادية وفيَّ حفاؤهم فأوصني، قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن اللّه لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحداً) قال: فما سببت بعده أحداً ولا شاة ولا بعيراً. وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: إن اللّه تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماوات بمن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي، فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب فسلكناها فانتهيا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني ففرت من بين يديه وتبعني، فناشدته اللّه، وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك، فخوفته اللّه والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل فقمت أصلي، فأرتج عليّ القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد فبقيت واقفاً متحيراً، وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى اللّه على لساني قوله تعالى: { أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً، فتعلقت بالفارس، وقلت: باللّه من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً ""أخرج القصة ابن عساكر وذكر قصة أخرى مشابهة تدل على إكرام اللّه لأوليائه وعباده الصالحين قال صاحب الجوهرة: واثبتن للأولياء الكرامة ** ومن نفاها فانبذن كلامه وقوله تعالى: { ويجعلكم خلفاء الأرض} أي يخلف قرناً لقرن قبلهم وخلفاً لسلف، كما قال تعالى: { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} ، وقال تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات} ، وهكذا هذه الآية: { ويجعلكم خلفاء الأرض} أي أمة بعد أمة، وجيلاً بعد جيل، وقوماً بعد قوم، ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحداً حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد لكانت تضيق عنهم الأرض وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة ويجعلهم أمماً بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية كما قدر تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعدهم عدا، ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى: { أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع اللّه} أي يقدر على ذلك، أو أإله مع اللّه بعد هذا! وقد علم أن اللّه هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ { قليلا ما تذكرون} أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

تفسير الجلالين

{ أَمَّن يجيب المضطر } المكروب الذي مسه الضر { إذا دعاه ويكشف السوء } عنه وعن غيره { ويجعلكم خلفاء الأرض } الإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله: { أَإِله مع الله قليلاً ما تذكَّرون } تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ يُجِيب الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِف السُّوء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ خَيْر , أَمْ الَّذِي يُجِيب الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ , وَيَكْشِف السُّوء النَّازِل بِهِ عَنْهُ ؟ كَمَا : 20596 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَيَكْشِف السُّوء } قَالَ : الضُّرّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ يُجِيب الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِف السُّوء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ مَا تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ خَيْر , أَمْ الَّذِي يُجِيب الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ , وَيَكْشِف السُّوء النَّازِل بِهِ عَنْهُ ؟ كَمَا : 20596 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَيَكْشِف السُّوء } قَالَ : الضُّرّ . ' وَقَوْله : { وَيَجْعَلكُمْ خُلَفَاء الْأَرْض } يَقُول : وَيَسْتَخْلِف بَعْد أُمَرَائِكُمْ فِي الْأَرْض مِنْكُمْ خُلَفَاء أَحْيَاء يَخْلُفُونَهُمْ.وَقَوْله : { وَيَجْعَلكُمْ خُلَفَاء الْأَرْض } يَقُول : وَيَسْتَخْلِف بَعْد أُمَرَائِكُمْ فِي الْأَرْض مِنْكُمْ خُلَفَاء أَحْيَاء يَخْلُفُونَهُمْ.' وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول : أَإِلَه مَعَ اللَّه سِوَاهُ يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء بِكُمْ , وَيُنْعِم عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَم ؟وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول : أَإِلَه مَعَ اللَّه سِوَاهُ يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء بِكُمْ , وَيُنْعِم عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَم ؟' وَقَوْله : { قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : تَذَكُّرًا قَلِيلًا مِنْ عَظَمَة اللَّه وَأَيَادِيه عِنْدكُمْ تَذَكَّرُونَ وَتَعْتَبِرُونَ حُجَج اللَّه عَلَيْكُمْ يَسِيرًا , فَلِذَلِكَ أَشْرَكْتُمْ بِاَللَّهِ غَيْره فِي عِبَادَته .وَقَوْله : { قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : تَذَكُّرًا قَلِيلًا مِنْ عَظَمَة اللَّه وَأَيَادِيه عِنْدكُمْ تَذَكَّرُونَ وَتَعْتَبِرُونَ حُجَج اللَّه عَلَيْكُمْ يَسِيرًا , فَلِذَلِكَ أَشْرَكْتُمْ بِاَللَّهِ غَيْره فِي عِبَادَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} قال الفراء : قال أهل المعاني : قيل للوط { قل الحمد لله} على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا : هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس : وهذا أولى، لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل : المعنى؛ أي { قل} يا محمد { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} يعني أمته عليه السلام. قال الكلبي : اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. +قوله { الذين اصطفى} اختار؛ أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام؛ دليله قوله { وسلام على المرسلين} 37@ 181 . { آلله خير أما يشركون} وأجاز أبو حاتم { أألله خير} بهمزتين. النحاس : ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك؛ لأن هذه المدة إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و { خير} ههنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول الشاعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت : فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل : المعنى؛ الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه : السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل : هو على بابه من التفضيل، والمعنى : آلله خير أم ما تشركون؛ أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل : قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل : اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب} يشركون} بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول : (بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ( +قوله { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء} قال أبو حاتم : تقديره؛ آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض؛ وقد تقدم. ومعناه : قدر على خلقهن. وقيل : المعنى؛ أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى؛ وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر الحسن. قال الفراء : الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن؛ يبهج به من رآه. { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} { ما} للنفي. ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا؛ أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم، ولا يقع تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها؛ إذ هم عجزة عن مثلها، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن؛ وهو قول مجاهد. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : (قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة) ""رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة""؛ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (قال الله عز وجل) فذكره؛ فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أن يصنع الصور : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سبأ إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ} أإله مع الله} أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. { بل هم قوم يعدلون} بالله غيره. وقيل { يعدلون} عن الحق والقصد؛ أي يكفرون. وقيل { إله} مرفوع بـ { مع} تقديره : أمع الله ويلكم إله. والوقف على { مع الله} حسن. +قوله { أمن جعل الأرض قرارا} أي مستقرا. { وجعل خلالها أنهارا} أي وسطها مثل } وفجرنا خلالهما نهرا} 18@ 33 . { وجعل لها رواسي} يعني جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة. { وجعل بين البحرين حاجزا} مانعا من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس : سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا. والحجز المنع. { أإله مع الله} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. { بل أكثرهم لا يعلمون} يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النمل الايات 60 - 62


سورة النمل الايات 62 - 64

الدكتور زغلول النجار- فيديو


تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(يجيب) الإجابة هي تحقيق المطلوب لداعية، والمضطر: هو الذي استنفد الأسباب، وأخذ بها فلم تُجْدِ معه، فليس أمامه إلا أنْ يترك الأسباب إلى المسبِّب سبحانه فيلجأ إليه؛ ذلك لأن الخالق ـ عز وجل ـ قبل أنْ يخلق الإنسان خلق له مُقوِّمات حياته وضرورياتها وسخَّرها لخدمته.

لذلك جاء في الحديث القدسي: " يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له ".

ثم خلق الله لك الطاقة التي تستطيع أن تُسخِّر بها هذه الأشياء وضمن لك القوت الضروري من ماء ونبات، فإنْ أردتَ أنْ تُرفِّه حياتك فتحرك في الحياة بالأسباب المخلوقة لله، وبالطاقة الفاعلة فيك، وفكِّر كيف ترتقي وتُثرِي حركة الحياة من حولك.

فالماء الذي ينساب في داخل البيت حين تفتح الصنبور، والضوء الذي ينبعث بمجرد أن تضغط على زر الكهرباء، والسيارة التي تنقلك في بضع دقائق.. كلها ارتقاءات في حركة حياة الناس لما أعملوا عقولهم فيما أعطاهم الله من مادة وعقل وفكر وأسباب، وهذه كلها يد الله الممدودة لعباده، والتي لا ينبغي لنا ردّها.

فإذا ما حاولتَ ولم تفلح، ولم تثمر معك الأسباب، فعليك أنْ تلجأ مباشرة إلى المسبِّب سبحانه، لأنه خالقك والمتكفِّل بك.

واقرأ قوله تعالى:
{  وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً }
[يونس: 12] ويا ليته ساعةَ دعا ربه ولجأ إليه فاستجاب له يجعل له عند ربه رَجْعة، ويتوقع أنْ يصيبه الضُّر مرة أخرى؛ لكن إنْ كشف الله عنه سرعان ما يعود كما كان.


{  فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
[يونس: 12].

{ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ } [النمل: 62] فالمضطر إذن لا بدَّ أنْ يُجيبه الله، فمَنْ قال: دعوتُ فلم يُستجب لي. فاعلم أنه غير مضطر، فليست كل ضائقة تمرُّ بالعبد تُعَدُّ من قبيل الاضطرار، كالذي يدعو الله أن يسكن في مسكن أفضل مما هو فيه، أو براتب ودَخْل أوفر مما يأخذه.. الخ، كلها مسائل لا اضطرارَ فيها، وربما علم الله أنها الأفضل لك، ولو زادك عن هذا القدر طغيتَ وتكبرتَ.

كما قال الحق سبحانه وتعالى:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6ـ7].

فلقد طلبتَ الخير من وجهة نظرك، وربُّك يعلم أنه لا خيرَ فيه
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11].

فربُّك يُصحِّح لك هذا الخطأ في فهمك للمسائل فيقول لك: سأحقق لك الخير، لكن بطريقة أخرى أنسب من هذه، فلو أجبتُك إلى ما تريد لحدث مَا لا تُحمد عقباه، وكأن الله ـ عز وجل ـ وهو ربُّنا والمتولِّي أمرنا يجعل على دعائنا (كنترول) ولو كان الله سبحانه موظفاً يلبي لكل مِنّا طلبه ما استحق أن يكون إلهاً ـ حاشا لله.فالإنسان من طبيعته العجلة والتسرع، فلا بُدَّ للرب أن يتدخل في أقدار عبده بما يصلحه، وأنْ يختار له ما يناسبه؛ لأنه سبحانه الأعلم بعواقب الأشياء وبوقتها المناسب، ولكل شيء عنده تعالى موعد وميلاد.

واقرأ قول الله تعالى:
{  وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ }
[يونس: 11].

أَلاَ ترى بعض الأمهات تحب الواحدة ولدها وتشفق عليه، فإنْ عصاها في شيء أو ضايقها تقول رافعةً يديها إلى السماء (إلهي أشرب نارك) أو (إلهي أعمى ولا أشوفك) فكيف لو أجاب الله هذه الحمقاء؟

إذن: من رحمته تعالى بنا أنْ يختار لنا ما يُصلِحنا من الدعاء، ويُعافينا من الحمق والعجلة.

وقوله تعالى: { وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ } [النمل: 62] فكما أنه لا يجيب المضطر إلا الله لا يكشف السوء إلا الله، ولو كان هناك إله آخر يجيب المضطر ويكشف السوء لتوجَّه الناسُ إليه بالدعاء، لكن حينما يُصاب المرء لا يقول إلا يا رب، ولا يجد غير الله يلجأ إليه لأنه لن يغشَّ نفسه في حال الضائقة أو المصيبة التي ألمت به.

وقد مثَّلنا لذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ بحلاق الصحة في الماضي، وكان يقوم بعمل الطبيب الآن، فلما أنشئت كلية الطب وتخرَّج فيها أحد أبناء القرية اتجهتْ الأنظار إليه، فكان الحلاق يذمُّ في الطب والأطباء، وأنهم لا خبرةَ لديهم لتبقى له مكانته بين أهل القرية، لكن لما مرض ابن الحلاق ماذا فعل؟ إنْ غشَّ الناس فلن يغشَّ نفسه: أخذ الولد في ظلام الليل ولفّه في البطانية، وذهب به إلى (الدكتور) الجديد.

لذلك يقول كل مضطر وكل مَنْ أصابه سوء: يا رب يا رب حتى غير المؤمن لا بُدَّ أن يقولها، ولا بُدَّ أنْ يتجه بعينه وقلبه إلى السماء إلى الإله الحق، فالوقت جِدّ لا مساومة فيه.

ويقول تعالى بعدها: { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } [النمل: 62] أي: يخلفُ بعضكم بعضاً فيها، كما قال:
{  لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }
[النور: 55].

فهل يملك هذه المسائل إلا الله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } [النمل: 62] والاستفهام هنا ينكر وجودَ إله غير الله يفعل هذا { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [النمل: 62] يعني: لو تفكرتُم وتذكرتُم لعرفتم أنه لا إله إلا الله.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ }


www.alro7.net