سورة
اية:

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا

تفسير بن كثير

يذكر تبارك وتعالى عداوة إبليس لعنه اللّه لآدم وذريته وأنها عدواة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخاراً عليه واحتقاراً له { قال أأسجد لمن خلقت طينا} ، كما قال في الآية الأخرى: { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} ، وقال أيضاً: أرأيتك، يقول للرب جراءة وكفراً، والرب يحلم وينظر { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي} الآية، قال ابن عباس { لأحتنكن} يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلا. وقال مجاهد: لأحتوين، وقال ابن زيد: لأضلنهم، وكلها متقاربة، والمعنى: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليّ، لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلاً منهم.

تفسير الجلالين

( قال أرأيتك ) أي أخبرني ( هذا الذي كرمت ) فضلت ( علي ) بالأمر بالسجود له "" وأنا خير منه خلقتني من نار "" ( لئن ) لام قسم ( أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ) لأستأصلن ( ذريته ) بالإغواء ( إلا قليلاً ) منهم ممن عصمته .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { أَرَأَيْتَك هَذَا الَّذِي كَرَّمْت عَلَيَّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي كَرَّمْته عَلَيَّ , فَأَمَرْتنِي بِالسُّجُودِ لَهُ , وَيَعْنِي بِذَلِكَ آدَم { لَئِنْ أَخَّرْتنِ } أَقْسَمَ عَدُوّ اللَّه , فَقَالَ لِرَبِّهِ : لَئِنْ أَخَّرْت إِهْلَاكِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : لَأَسْتَوْلِيَن عَلَيْهِمْ , وَلَأَسْتَأْصِلَنهُمْ , وَلَأَسْتَمِيلَنهُمْ . يُقَال مِنْهُ : اِحْتَنَكَ فُلَان مَا عِنْد فُلَان مِنْ مَال أَوْ عِلْم أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : نَشْكُو إِلَيْك سَنَة قَدْ أَجْحَفَتْ جَهْدًا إِلَى جَهْد بِنَا فَأَضْعَفَتْ وَاحْتَنَكَتْ أَمْوَالنَا وَجَلَّفَتْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16947 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لِأَحْتَوِيَنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16948 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ . عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : لَأَسْتَوْلِيَن . 16949 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لَأُضِلَّنهُمْ . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , لِأَنَّ الِاسْتِيلَاء وَالِاحْتِوَاء بِمَعْنًى وَاحِد , وَإِذَا اِسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَضَلَّهُمْ .وَقَوْله : { أَرَأَيْتَك هَذَا الَّذِي كَرَّمْت عَلَيَّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي كَرَّمْته عَلَيَّ , فَأَمَرْتنِي بِالسُّجُودِ لَهُ , وَيَعْنِي بِذَلِكَ آدَم { لَئِنْ أَخَّرْتنِ } أَقْسَمَ عَدُوّ اللَّه , فَقَالَ لِرَبِّهِ : لَئِنْ أَخَّرْت إِهْلَاكِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : لَأَسْتَوْلِيَن عَلَيْهِمْ , وَلَأَسْتَأْصِلَنهُمْ , وَلَأَسْتَمِيلَنهُمْ . يُقَال مِنْهُ : اِحْتَنَكَ فُلَان مَا عِنْد فُلَان مِنْ مَال أَوْ عِلْم أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : نَشْكُو إِلَيْك سَنَة قَدْ أَجْحَفَتْ جَهْدًا إِلَى جَهْد بِنَا فَأَضْعَفَتْ وَاحْتَنَكَتْ أَمْوَالنَا وَجَلَّفَتْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16947 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لِأَحْتَوِيَنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16948 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ . عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : لَأَسْتَوْلِيَن . 16949 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَأَحْتَنِكَن ذُرِّيَّته إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لَأُضِلَّنهُمْ . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , لِأَنَّ الِاسْتِيلَاء وَالِاحْتِوَاء بِمَعْنًى وَاحِد , وَإِذَا اِسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَضَلَّهُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تقدم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان، فانجر الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى : اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى { فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} أي من طين. وهذا استفهام إنكار. وقد تقدم القول في خلق آدم في [البقرة] و[الأنعام] مستوفى. { قال أرأيتك} أي قال إبليس. والكاف توكيد للمخاطبة. { هذا الذي كرمت علي} أي فضلته علي. ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة. وقد تقدم هذا في [الأعراف]. و { هذا} نصب بـ { أرأيت} . { الذي} نعته. والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد. وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع. وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف؛ أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى { لأحتنكن} في قول ابن عباس : لأستولين عليهم. وقاله الفراء. مجاهد : لأحتوينهم. ابن زيد : لأضلنهم. والمعنى متقارب؛ أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم. وروي عن العرب : إحتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله. وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت. ومن قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن. وكذلك احتنكه. والقول الأول قريب من هذا؛ لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك. وقال الشاعر : أشكو إليك سنة قد أجحفت ** جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا واجتلفت { إلا قليلا} يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الإسراء : 65] وإنما قال إبليس ذلك ظنا؛. كما قال الله تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ : 20] أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم؛ أو بنى على قول الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة : 30]. وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ قَالَ } أي: إبليس { أَرَأَيْتَكَ } الهمزة للاستفهام، والتاء للخطاب، وكذلك الكاف، وجمع بينهما في الخطاب للتأكيد، كما تقول: أنت أنت تفعل ذلك. والمعنى: أخبرني، لأن رأي البصرية تُطلق في القرآن على معنى العلم؛ لأن علم العين علم مُؤكّد لا شكَّ فيه.

لذلك قالوا: (ليس مع العين أَيْن) فما تراه أمامك عياناً، وإنْ كان للعلم وسائل كثيرة فأقواها الرؤية؛ لأنها تعطي علماً مؤكداً على خلاف الأذن مثلاً، فقد تسمع بها كلاماً تعرف بعد ذلك أنه كذب.

وقد ورد هذا المعنى في قَوْله الحق سبحانه:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1]

واستخدم الفعل ترى، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الفيل وليداً لم يَرَ شيئاً، فالمعنى: ألم تعلم، ولكن الحق سبحانه عدل عن " تعلم " إلى " تَرَ " كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرك الله بمعلوم، فاجعل إخبار الله لك فوق رؤيتك بعينك.

فقوله تعالى: { أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ.. } [الإسراء: 62] أي: أعلمني، لماذا فضلته عليَّ، وكأن تفضيل آدم على إبليس مسألة تحتاج إلى برهان وتبرير، وكان على إبليس أن ينتظر إجابة هذا السؤال الذي توجه به لربّه عَزَّ وجل، ولكنه تعجَّل وحمله الغيظ والحسد على أن يقول: { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62]

وهذا لأن حقده وعداوته لآدم مُسْبقة فلم ينتظر الجواب.

ومعنى: { أَخَّرْتَنِ } أخَّرت أجلي عن موعده، كأنه يعلم أن الله يجعل لكل نفس منفوسة من إنس أو جنٍّ أجلاً معلوماً، فطلب أنْ يُؤخِّره الله عن أجله، وهذه مبالغة منه في اللدد والعناد، فلم يتوعدهم ويُهدّدهم مدة حياته هو، بل إلى يوم القيامة، فإن كانت البداية مع آدم فلن ينجو ولن تنجو ذريته أيضاً.

فالعداوة بين إبليس وآدم، فما ذنب ذريته من بعده؟ لقد كان عليه أن يقصر هذا الحقد، وهذه العداوة على آدم، ثم يوصي ذريته بحمل هذا العداء من بعده، إنه الغيظ الدفين الذي يملأ قلبه.

وقد أمهله الحق سبحانه بقوله:
{  إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ }
[الأعراف: 15]

ومعنى: { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } [الإسراء: 62] اللام للقسم، كما أقسم في آية أخرى:
{  فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
[ص: 82]

وعجيب أمر إبليس، يقسم بالله وهو يعلم أن العمر والأجل بيده سبحانه، فيسأله أن يُؤخّره، ومع ذلك لا يطيع أمره.

والاحتناك: يَرِد بمعنيين: الأول: الاستئصال. ومنه قولهم: احتنك الجراد الزرع. أي: أتى عليه كله واستأصله، والآخر: بمعنى القهر على التصرف، مأخوذ من اللجام الذي يُوضَع في حنَك الفرس، ويسمونه (الحنكة) وبها تستطيع أن تُوجّه الفرس يميناً أو يساراً أو تُوقِفه، فهي أداة التحكّم فيه، والسيطرة عليه قَهْراً.فالاحتناك قد يكون استئصالاً للذات، وقد يكون قهراً لحركتها.

وقوله سبحانه: { إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62] فيها دليل على عِلْم إبليس ومعرفته بقدرة الله تعالى، فعرف كيف يقسم به حين قال:
{  فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
[ص: 82] والمعنى: بعزتك عن خَلْقك:
{  فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
[الكهف: 29].

سأدخل من هذا الباب، أما عبادك الذين هديتهم واصطفيتهم فلا دَخْلَ لي بهم، وليس لي عليهم سلطان، لقد تذكر قدرة الله، وأن الله إذا أراد إخلاص عبده لنفسه لا يستطيع الشيطان أنْ يأخذَه، فقال:
{  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }
[ص: 83]

فقوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62] هذا القليل المستثنى هم المؤمنون الذين اختارهم الله وهداهم، ولم يجعل للشيطان عليهم سبيلاً.

ثم يقول الحق سبحانه: { قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً }.


www.alro7.net