سورة
اية:

قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} ، وما كان عليه أسلافنا، { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} أي شك كثير، { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان، { وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من اللّه إن عصيته} ، وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة اللّه وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني { غير تخسير} أي خسارة.

تفسير الجلالين

{ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا } نرجو أن تكون سيدا { قبل هذا } الذي صدر منك { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } من الأوثان { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد { مريب } موقع في الريب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ ثَمُود لِصَالِحٍ نَبِيّهمْ : { يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُون فِينَا سَيِّدًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ ثَمُود لِصَالِحٍ نَبِيّهمْ : { يَا صَالِح قَدْ كُنْت فِينَا مَرْجُوًّا } أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُون فِينَا سَيِّدًا' { قَبْل هَذَا } الْقَوْل الَّذِي قُلْته لَنَا مِنْ أَنَّهُ مَا لَنَا مِنْ إِلَه غَيْر اللَّه . { قَبْل هَذَا } الْقَوْل الَّذِي قُلْته لَنَا مِنْ أَنَّهُ مَا لَنَا مِنْ إِلَه غَيْر اللَّه .' { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا } يَقُول : أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد الْآلِهَة الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُد { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا } يَقُول : أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد الْآلِهَة الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُد' { وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب } يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ صِحَّة مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَأَنَّ الْأُلُوهَة لَا تَكُون إِلَّا لَهُ خَالِصًا . وَقَوْله { مُرِيب } أَيْ يُوجِب التُّهْمَة مِنْ أَرَبْته فَأَنَا أَرِيبه إِرَابَة , إِذَا فَعَلْت بِهِ فِعْلًا يُوجِب لَهُ الرِّيبَة , وَمِنْهُ قَوْل الْهُذَلِيّ : كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيُبَزّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْبِ { وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب } يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ صِحَّة مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَأَنَّ الْأُلُوهَة لَا تَكُون إِلَّا لَهُ خَالِصًا . وَقَوْله { مُرِيب } أَيْ يُوجِب التُّهْمَة مِنْ أَرَبْته فَأَنَا أَرِيبه إِرَابَة , إِذَا فَعَلْت بِهِ فِعْلًا يُوجِب لَهُ الرِّيبَة , وَمِنْهُ قَوْل الْهُذَلِيّ : كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيُبَزّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْبِ'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا‏} ‏ أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا؛ أي قبل دعوتك النبوة‏.‏ وقيل‏:‏ كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا‏:‏ انقطع رجاؤنا منك‏.‏ ‏ { أتنهانا‏} ‏ استفهام معناه الإنكار‏.‏ ‏ { ‏أن نعبد‏} ‏ أي عن أن نعبد‏.‏ ‏ { ‏ما يعبد آباؤنا‏} ‏ فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر‏.‏ ‏ { ‏وإننا لفي شك‏} ‏ وفي سورة ‏ { ‏إبراهيم‏} ‏ و‏ { ‏وإنا‏} ‏ والأصل وإننا؛ فاستثقل ثلاث نونات فأسقط الثالثة‏.‏ ‏ { ‏مما تدعونا‏} ‏ الخطاب لصالح، وفي سورة إبراهيم ‏ { ‏تدعوننا‏} [‏إبراهيم‏:‏ 9‏]‏ لأن الخطاب للرسل صلوات الله وسلامه عليهم ‏ { ‏إليه مريب‏} ‏ من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة‏.‏ قال الهذلي‏:‏ كنت إذا أتوته من غيب ** يشم عطفي ويبز ثوبي كأنما أربته بريب ** قوله تعالى: ‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة‏} ‏ تقدم معناه في قول نوح‏.‏ ‏ { فمن ينصرني من الله إن عصيته‏} ‏ استفهام معناه النفي؛ أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد‏.‏ ‏ { ‏فما تزيدونني غير تخسير‏} ‏ أي تضليل وإبعاد من الخير؛ قال الفراء‏.‏ والتخسير لهم لا له صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال‏:‏ غير تخسير لكم لا لي‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم؛ عن ابن عباس‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏ويا قوم هذه ناقة الله‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ ‏ { لكم آية‏} ‏ نصب على الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في ‏ { ‏هذه‏} ‏‏.‏ وإنما قيل‏:‏ ناقة الله؛ لأنه أخرجها لهم من جبل - على ما طلبوا - على أنهم يؤمنون‏.‏ وقيل‏:‏ أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة، فلما خرجت الناقة - على ما طلبوا - قال لهم نبي الله صالح‏ { ‏هذه ناقة الله لكم آية‏} ‏‏.‏ ‏ { فذروها تأكل‏} ‏ أمر وجوابه؛ وحذفت النون من ‏ { ‏فذروها‏} ‏ لأنه أمر‏.‏ ولا يقال‏:‏ وذر ولا واذر إلا شاذا‏.‏ وللنحويين فيه قولان؛ قال سيبويه‏:‏ استغنوا عنه بترك‏.‏ وقال غيره‏:‏ لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فعل بمعناه لا واو فيه ألغوه؛ قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ ويجوز رفع ‏ { تأكل‏} ‏ على الحال والاستئناف‏.‏ ‏ { ‏ولا تمسوها‏} ‏ جزم بالنهي‏.‏ ‏ { بسوء‏} ‏ قال الفراء‏:‏ بعقر‏.‏ { ‏فيأخذكم‏} ‏ جواب النهي‏.‏ { ‏عذاب قريب‏} ‏ أي قريب من عقرها‏.‏ قوله تعالى‏: { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { ‏فعقروها‏} ‏ إنما عقرها بعضهم؛ وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين‏.‏ وقد تقدم الكلام في عقرها ‏ { ‏الأعراف‏} ‏‏.‏ ويأتي أيضا‏.‏ ‏ { ‏فقال تمتعوا‏} ‏ أي قال لهم صالح تمتعوا؛ أي بنعم الله عز وجل قبل العذاب‏.‏ ‏ { ‏في داركم‏} ‏ أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم‏.‏ وقيل‏:‏ أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه؛ كقوله: ‏ { ‏يخرجكم طفلا‏} ‏ [غافر‏:‏ 67‏]‏ أي كل واحد طفلا‏.‏ وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميت لا يتلذذ ولا يتمتع بشيء؛ فعقرت يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد‏.‏ وإنما أقاموا ثلاثة أيام؛ لأن الفصيل رغا ثلاثا على ما تقدم في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ فاصفرت ألوانهم في اليوم الأول، ثم احمرت في الثاني، ثم اسودت في الثالث، وهلكوا في الرابع؛ وقد تقدم في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏‏.‏ الثانية: استدل علماؤنا بإرجاء الله العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر؛ لأن الثلاثة أيام خارجة عن حكم الإقامة وقد تقدم في ‏ { ‏النساء‏} ‏ ما للعلماء في هذا‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ذلك وعد غير مكذوب‏} ‏ أي غير كذب‏.‏ وقيل‏:‏ غير مكذوب فيه‏. قوله تعالى‏ { ‏فلما جاء أمرنا‏} ‏ أي عذابنا‏.‏ ‏ { ‏نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا‏} ‏ تقدم‏.‏ ‏ { ‏ومن خزي يومئذ‏} ‏ أي ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي من فضيحته وذلته‏.‏ وقيل‏:‏ الواو زائدة؛ أي نجيناهم من خزي يومئذ‏.‏ ولا يجوز زيادتها عند سيبويه وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع ‏ { ‏لما‏} ‏ و‏ { حتى‏} ‏ لا غير‏.‏ وقرأ نافع والكسائي ‏ { ‏يومئذ‏} ‏ بالنصب‏.‏ الباقون بالكسر على إضافة ‏ { ‏يوم‏} ‏ إلى ‏ { إذ‏} ‏ وقال أبو حاتم‏:‏ حدثنا أبو زيد عن أبي عمرو أنه قرأ ‏ { ‏ومن خزي يومئذ‏} ‏ أدغم الياء في الياء، وأضاف، وكسر الميم في ‏ { ‏يومئذ‏} ‏‏.‏ قال النحاس‏:‏ الذي يرويه النحويون‏:‏ مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا‏:‏ الإخفاء؛ فأما الإدغام فلا يجوز، لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏وأخذ الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا؛ وذكر لأن الصيحة والصياح واحد‏.‏ قيل‏:‏ صيحة جبريل‏.‏ وقيل‏:‏ صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة؛ وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا‏.‏ وقال هنا‏: { ‏وأخذ الذين ظلموا الصيحة‏} ‏ وقال في الأعراف ‏ { ‏فأخذتهم الرجفة‏} ‏ [الأعراف‏:‏ 78‏]‏ وقد تقدم بيانه هناك‏.‏ وفي التفسير‏:‏ أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ فما نصنع‏؟‏ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال اثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، زعموا يلاقون العذاب؛ فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها؛ فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم‏.‏ وجعل الماء يتفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس؛ فصيح بهم فأهلكوا‏.‏ ‏ { ‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين‏} ‏ أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 59 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كانوا ينظرون إلى صالح ـ عليه السلام ـ بتقدير ورجاء قبل أن يدعوهم لعبادة الله تعالى وحده، ولا إله غيره.

والمرجوُّ هو الإنسان المؤمَّل فيه الخير، ذكاءً، وطموحاً، وأمانة، وأية خصلة من الخصال التي تبشر بأنه له مستقبلاً حسناً.

ولكن ما إن دعاهم صالح ـ عليه السلام ـ إلى عبادة الله سبحانه وتعالى أعلنوا أنه ـ بتلك الدعوة ـ إنما يفسد رجاءهم فيه وما كانوا يأملون فيه.

وقد أوضح لهم صالح ـ عليه السلام ـ ما أوضحه الرسل من قبله ومن بعده، أن اتخاذ الأصنام أو الأشجار أو الشمس آلهة تُعْبد هو أمر خاطىء؛ لأن العبادة تقتضي أوامر ونواهي ينزل بها منهج؛ يتبعه من يعبدون، وتلك الكائنات المعبودة لا منهج لها، ولا عبادة دون منهج.

وأضاف قوم ثمود:

{ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } [هود: 62].

والشك هو استواء الطرفين: النفي والإثبات.

إذن: فهم ليسوا على يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة، ودعوة صالح عليه السلام لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة؛ وهذا يُظهر أن خصال الخير في صالح عليه السلام جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم.

ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لثمود: { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي }


www.alro7.net