سورة
اية:

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ

تفسير بن كثير

{ واستعمركم فيها} أي جعلكم عماراً تعمرونها وتستغلونها، { فاستغفروه} لسالف ذنوبكم { ثم توبوا إليه} فيما تسقبلونه { إن ربي قريب مجيب} ، كما قال تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الآية.

تفسير الجلالين

{ و } أرسلنا { إلى ثمود أخاهم } من القبيلة { صالحا قال يا قوم اعبدوا الله } وحدوه { ما لكم من إله غيره هو أنشأكم } ابتدأ خلقكم { من الأرض } بخلق أبيكم آدم منها { واستعمركم فيها } جعلكم عمارا تسكنون بها { فاستغفروه } من الشرك { ثم توبوا } ارجعوا { إليه } بالطاعة { إن ربي قريب } من خلقه بعلمه { مجيب } لمن سأله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْره } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا , فَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة , فَمَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْره يَسْتَوْجِب عَلَيْكُمْ الْعِبَادَة , وَلَا تَجُوز الْأُلُوهَة إِلَّا لَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْره } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا , فَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة , فَمَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْره يَسْتَوْجِب عَلَيْكُمْ الْعِبَادَة , وَلَا تَجُوز الْأُلُوهَة إِلَّا لَهُ .' { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْض } يَقُول : هُوَ اِبْتَدَأَ خَلْقكُمْ مِنْ الْأَرْض . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَلَقَ آدَم مِنْ الْأَرْض , فَخَرَجَ الْخِطَاب لَهُمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ فَعَلَهُ بِمَنْ هُمْ مِنْهُ . { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْض } يَقُول : هُوَ اِبْتَدَأَ خَلْقكُمْ مِنْ الْأَرْض . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَلَقَ آدَم مِنْ الْأَرْض , فَخَرَجَ الْخِطَاب لَهُمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ فَعَلَهُ بِمَنْ هُمْ مِنْهُ .' { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } يَقُول : وَجَعَلَكُمْ عُمَّارًا فِيهَا , فَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ : أَسْكَنَكُمْ فِيهَا أَيَّام حَيَاتكُمْ , مِنْ قَوْلهمْ : أَعْمَرَ فُلَان فُلَانًا دَاره , وَهِيَ لَهُ عُمْرَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14111 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } قَالَ : أَعْمَركُمْ فِيهَا * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } يَقُول : أَعْمَركُمْ { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } يَقُول : وَجَعَلَكُمْ عُمَّارًا فِيهَا , فَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ : أَسْكَنَكُمْ فِيهَا أَيَّام حَيَاتكُمْ , مِنْ قَوْلهمْ : أَعْمَرَ فُلَان فُلَانًا دَاره , وَهِيَ لَهُ عُمْرَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14111 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } قَالَ : أَعْمَركُمْ فِيهَا * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } يَقُول : أَعْمَركُمْ ' وَقَوْله : { فَاسْتَغْفِرُوهُ } يَقُول : اِعْمَلُوا عَمَلًا يَكُون سَبَبًا لِسَتْرِ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُنُوبكُمْ , وَذَلِكَ الْإِيمَان بِهِ وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ دُون مَا سِوَاهُ وَاتِّبَاع رَسُوله صَالِح .وَقَوْله : { فَاسْتَغْفِرُوهُ } يَقُول : اِعْمَلُوا عَمَلًا يَكُون سَبَبًا لِسَتْرِ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُنُوبكُمْ , وَذَلِكَ الْإِيمَان بِهِ وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ دُون مَا سِوَاهُ وَاتِّبَاع رَسُوله صَالِح .' { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ اُتْرُكُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا يَكْرَههُ رَبّكُمْ إِلَى مَا يَرْضَاهُ وَيُحِبّهُ . { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ اُتْرُكُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا يَكْرَههُ رَبّكُمْ إِلَى مَا يَرْضَاهُ وَيُحِبّهُ .' { إِنَّ رَبِّي قَرِيب مُجِيب } يَقُول : إِنَّ رَبِّي قَرِيب مِمَّنْ أَخْلَصَ لَهُ الْعِبَادَة وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي التَّوْبَة , مُجِيب لَهُ إِذَا دَعَاهُ . { إِنَّ رَبِّي قَرِيب مُجِيب } يَقُول : إِنَّ رَبِّي قَرِيب مِمَّنْ أَخْلَصَ لَهُ الْعِبَادَة وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي التَّوْبَة , مُجِيب لَهُ إِذَا دَعَاهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏وإلى ثمود‏} ‏ أي أرسلنا إلى ثمود ‏ { ‏أخاهم‏} ‏ أي في النسب‏.‏ ‏ { ‏صالحا‏} ‏ وقرأ يحيي بن وثاب ‏ { وإلى ثمود‏} ‏ بالتنوين في كل القرآن؛ وكذلك روي عن الحسن‏.‏ واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع‏.‏ وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف؛ إذ كان الأغلب عليه التأنيث‏.‏ قال النحاس‏:‏ الذي قاله أبو عبيدة - رحمه الله - من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود؛ لأن ثمودا يقال له حي؛ ويقال له قبيلة، وليس الغالب عليه القبيلة؛ بل الأمر على ضد ما قال عند سيبويه‏.‏ والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف، نحو قريش وثقيف وما أشبههما، وكذلك ثمود، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى‏.‏ والتأنيث جيد بالغ حسن‏.‏ وأنشد سيبويه في التأنيث‏:‏ غلب المساميح الوليد سماحة ** وكفى قريش المعضلات وسادها قوله تعالى: ‏ { ‏قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ تقدم‏.‏ ‏ { ‏هو أنشأكم من الأرض‏} ‏ أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدم في ‏ { البقرة‏} ‏ و { ‏الأنعام‏} ‏ وهم منه، وقيل: ‏ { ‏أنشأكم في الأرض‏} ‏‏.‏ ولا يجوز إدغام الهاء من ‏ { ‏غيره‏} ‏ في الهاء من ‏ { ‏هو‏} ‏ إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج‏.‏ ‏ { واستعمركم فيها‏} ‏ أي جعلكم عمارها وسكانها‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ومعنى ‏ { استعمركم‏} ‏ أعمركم من قوله‏:‏ أعمر فلان فلانا داره؛ فهي له عمرى‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أسكنكم فيها؛ وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى أفعل؛ مثل استجاب بمعنى أجاب‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف‏.‏ ابن عباس‏:‏ ‏(‏أعاشكم فيها‏)‏‏.‏ زيد بن أسلم‏:‏ أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها‏.‏ قال ابن العربي قال بعض علماء الشافعية‏:‏ الاستعمار طلب العمارة؛ والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب، قال القاضي أبو بكر‏:‏ تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان‏:‏ منها؛ استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله‏:‏ استحملته أي طلبت منه حملانا؛ وبمعنى اعتقد، كقولهم‏:‏ استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا، أو وجدته سهلا، واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته، ومنه استفعلت بمعنى أصبت؛ كقولهم‏:‏ استجدته أي أصبته جيدا‏:‏ ومنها بمعنى فعل؛ كقوله‏:‏ قر في المكان واستقر؛ وقالوا وقوله :‏ { ‏يستهزئون‏} ‏ و‏ { ‏يستسخرون‏} ‏ منه؛ فقوله تعالى‏ { ‏استعمركم فيها‏} ‏ خلقكم لعمارتها، لا على معنى استجدته واستسهلته؛ أي أصبته جيدا وسهلا؛ وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع إلى أنه خلق؛ لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازا؛ ولا يصح أن يقال‏:‏ إنه طلب من الله تعالى لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه، أما أنه يصح أن يقال‏:‏ أنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمرا، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى رغبة‏.‏ قلت‏:‏ لم يذكر استفعل بمعنى أفعل، مثل قوله‏:‏ استوقد بمعنى أوقد، وقد ذكرناه ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في ‏} ‏البقرة‏} ‏ في السكنى والرقبى‏.‏ وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها - أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره؛ فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته؛ هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي، وقد تقدم في ‏ { ‏البقرة‏} ‏ حجة هذا القول‏.‏ الثاني‏:‏ أنها تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة؛ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبي عبيد؛ قالوا‏:‏ من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته؛ وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد ملك رقبتها، وشرط المعطى الحياة والعمر باطل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏العمرى جائزة‏)‏ و‏(‏العمرى لمن وهبت له‏)‏‏.‏ الثالث‏:‏ إن قال عمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأول‏:‏ وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني؛ وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك؛ وهو ظاهر قوله في الموطأ‏.‏ والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر؛ إذا انقرض عقب المعمر؛ إن كان المعمر حيا، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته، وأولى الناس بميراثه‏.‏ ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء، وإنما يملك بلفظ العمرى المنفعة دون الرقبة‏.‏ وقد قال مالك في الحبس أيضا‏:‏ إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه‏.‏ وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه، وكذلك العمرى قياسا، وهو ظاهر الموطأ‏.‏ وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث‏)‏ وعنه قال‏:‏ إن العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول‏:‏ هي لك ولعقبك، فأما إذا قال‏:‏ هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها؛ قال معمر‏:‏ وبذلك كان الزهري يفتي‏.‏ قلت‏:‏ معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني؛ لأن الله سبحانه قال: ‏ { ‏واستعمركم‏} ‏ بمعنى أعمركم؛ فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن؛ وبالعكس الرجل الفاجر؛ فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا‏.‏ وقد يقال‏:‏ إن الثناء الحسن يجري مجرى العقب‏.‏ وفي التنزيل: ‏ { ‏واجعل لي لسان صدق في الآخرين‏} ‏ [الشعراء‏:‏ 84‏]‏ أي ثناء حسنا‏.‏ وقيل‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏: { ‏وجعلنا ذريته هم الباقين‏} [‏الصافات‏:‏ 77‏]‏ وقال: ‏ { ‏وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين‏} ‏ [الصافات‏:‏ 113‏]‏‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏فاستغفروه‏} ‏ أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام‏.‏ { ثم توبوا إليه‏} ‏ أي ارجعوا إلى عبادته‏.‏ ‏ { ‏إن ربي قريب مجيب‏} ‏ أي قريب الإجابة لمن دعاه‏.‏ وقد مضى في ‏ { ‏البقرة‏} ‏ عند قوله: ‏ { ‏فإني قريب أجيب دعوة الداعي‏} ‏ القول فيه‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 59 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبيِّن لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحداً منهم هو صالح عليه السلام.

وجاء الحق سبحانه بلفظ { أَخَاهُمْ } ليبين العلاقة التي بين صالح ـ عليه السلام ـ وقومه، فهو قد نشأ بينهم، وعرفوه وخبروه، فإذا ما جاءهم بدعوة ـ وقد لمسوا صدقه ـ فلا بد أن يؤمنوا بما جاء به من منهج.

وناداهم صالح عليه السلام: { يٰقَوْمِ } ، وهي من القيام، يعني: يا من تقومون للأمور. والذي يقوم على الأمر عادة هم الرجال؛ لأن أمر النساء مستور ـ دائماً ـ في طي الرجال، فليس كل حكم من أحكام الدين يأتي فيه ذكر المرأة، بل نجد كثيراً من الأحكام تنزل للرجال، والنساء مطويات على الستر في ظل الرجال، والرجل يشقى ويكدح، والمرأة تدير حياة السُكْنى وتربية الأولاد.

ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على ألا تخرج المرأة للعمل.

إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها، ولكن إن وجدت من يقوم عليها، فلماذا لا تلتفت إلى عمل لا يقل أهمية عن عمل الرجل، وهو رعاية الأسرة؟

وكذلك يجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على الحجاب، ونقول لمن يفعل ذلك: إذا كنت لم تنتقد التهتك في الملابس، ووَصَفْتَهُ بأنه " حرية " ، فلماذا تتدخل في أمر الحجاب، ولا تعتبره " حرية " أيضاً.

ونعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها { ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } [هود: 61] والعبادة تقتضي تلقي أوامر الإله المعبود بـ " افعل " و " لا تفعل " في كل حركة من حركات الحياة.

فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود { ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وأمر عبادة الله وحده مطلوب من كل أحد، ولا يسع أحداً مخالفته.

{ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } [هود: 61].

تقرير واقع لا تستطيعون تغييره، فليس لكم إله آخر غير الله، مهما حاولتم ادعاء آلهة أخرى.

ويقول الحق سبحانه:

{ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } [هود: 61].

والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من غير واسطة شيء، ويقال: أنشأ، أي: أوجد وجوداً ابتداءً من غير الاستعانة بشيء آخر.

لذلك لا نقول لمن اخترع: إنه " أنشأ " لأنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه؛ فقد يكون مستعيناً بمادة أخذها من الجبال، وبخبره تجارب صنعها من سبقوه، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشيء من عدم.

والوجود من العدم قسمان: قسم أوجدته باستعانة بموجود، وقسم أوجدته من عدم محض، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

والحق سبحانه جلَّت مشيئته في الإنشاء، فهو ينشيء الإنسان من التقاء الزوج والزوجة، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السلام، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض، والأرض مخلوق من مخلوقات الله.فمنيُّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتي من الأرض، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض، أو أبقيتها في ذريته، فكل شيء مَردُّه إلى الأرض.

وقول الحق سبحانه:

{ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } [هود: 61].

نجد فيه كلمة { ٱسْتَعْمَرَكُمْ } وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب، وهكذا يكون معنى كلمة " استعمر " هو طلب التعمير.

ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلاداً أخرى: " دول الاستعمار ".

أقول: إن ذلك خطأ، لأنهم لو كانوا دول استعمار، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الأرض، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض؛ ولذلك كان يجب أن تسمى " دول الاستخراب ".

{ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } أي: طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، أو يزيدوه صلاحاً.

وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى المنازل بعد اكتشاف نظرية الأواني المستطرقة، فقد كان الناس يشربون الماء من الترع، ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه، ثم جاءت نظرية الأواني المستطرقة، فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية، وتوصيل الماء بواسطة مواسير تدخل لكل بيت.

وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل، وهكذا يزداد في الأمر الصالح صلاحاً.

وأيضاً إن استصلحنا الأرض البور، فنحن نزيد الأرض رقعة صالحة لإنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة في عدد السكان.

وما دام عدد السكان في زيادة فلا بد من زيادة رقعة الأرض بالاستصلاح؛ لأن الأزمة التي نعاني منها الآن، هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا، فزاد التكاثر عن الاستصلاح، وكان الواجب يقتضي أن نزيد من الاستصلاح بما يتناسب مع الزيادة في السكان.

وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض.

ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلَّى على الخَلْق بصفات من صفاته، فالقويُّ يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويَهَبُ الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه قبضاً، ومن بسطه بسطاً، ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا.

والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني منا قد يصيبه الفقر؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل.

ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمراً ـ على سبيل المثال ـ فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، فليزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين ـ وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحاً ـ وليستفيد بها من يأتي من بعده.

ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه " ثمود " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } [هود: 61].

فإن استغفر الإنسان، فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب لا تمثل حقوقاً للناس، والله سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة.

فماذا كان الرد من قوم ثمود؟

يقول الحق عز وجل ما جاء على ألسنتهم: { قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا }


www.alro7.net