سورة
اية:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

تفسير بن كثير

هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه، أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطهن أمة قبلها إلا نبي: كان إذا أرسل اللّه نبياً قال له: أنت شاهد على أمتك، وجعلكم شهداء على الناس، وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} وكان يقال له: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: { ادعوني أستجب لكم} ، وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: { ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} "رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح"، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من لم يَدْعُ اللّه عزَّ وجلَّ غضب عليه) "أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به" وروى الحافظ الرامهرمزي، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتاباً: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبداً وقوله عزَّ وجلَّ: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي عن دعائي وتوحيدي، { سيدخلون جهنم داخرين} أي صاغرين حقيرين، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة مثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار" "أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً" وقال وهيب بن الورد: حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفاً من فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحداً غيرك، يا رب عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك، قال: ثم عاد الثانية فقال: يا رب عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك، قال، فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك" "رواه ابن أبي حاتم" وفي الحديث: (من لم يسأل اللّه يغضب عليه) "أخرجه أحمد والبزار".

تفسير الجلالين

{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } أي اعبدوني أثبكم بقرينة ما بعده { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون } بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس { جهنم داخرين } صاغرين .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَقُول رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس لَكُمْ اُدْعُونِي : يَقُول : اُعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَة دُون مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَغَيْر ذَلِكَ { أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول : أَجِب دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23436- حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول : وَحِّدُونِي أَغْفِر لَكُمْ . 23437 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن دَاوُد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " وَقَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , وَالْأَعْمَش عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة , { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . .. الْآيَة . * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع قَالَ أَبُو مُوسَى : هَكَذَا قَالَ غُنْدَر , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن الْعُرْف الْبَاهِلِيّ , عَنْ الْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ مُحَمَّد بْن جُحَادَة , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِبَادَتِي دُعَائِي " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } قَالَ : " عَنْ دُعَائِي " . 23438 -حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا عُمَارَة , عَنْ ثَابِت , قَالَ : قَالَتْ لِأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَة أَبَلَغَك أَنَّ الدُّعَاء نِصْف الْعِبَادَة ؟ قَالَ : لَا , بَلْ هُوَ الْعِبَادَة كُلّهَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } " 23439 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , عَنْ الْأَشْجَعِيّ , قَالَ : قِيلَ لِسُفْيَان : اُدْعُ اللَّه , قَالَ : إِنَّ تَرْك الذُّنُوب هُوَ الدُّعَاء . وَقَوْله : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَقُول رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس لَكُمْ اُدْعُونِي : يَقُول : اُعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَة دُون مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَغَيْر ذَلِكَ { أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول : أَجِب دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23436- حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يَقُول : وَحِّدُونِي أَغْفِر لَكُمْ . 23437 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن دَاوُد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " وَقَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , وَالْأَعْمَش عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة , { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . .. الْآيَة . * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع قَالَ أَبُو مُوسَى : هَكَذَا قَالَ غُنْدَر , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن الْعُرْف الْبَاهِلِيّ , عَنْ الْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ مُحَمَّد بْن جُحَادَة , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِبَادَتِي دُعَائِي " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } قَالَ : " عَنْ دُعَائِي " . 23438 -حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا عُمَارَة , عَنْ ثَابِت , قَالَ : قَالَتْ لِأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَة أَبَلَغَك أَنَّ الدُّعَاء نِصْف الْعِبَادَة ؟ قَالَ : لَا , بَلْ هُوَ الْعِبَادَة كُلّهَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُور , عَنْ زِرّ , عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } " 23439 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , عَنْ الْأَشْجَعِيّ , قَالَ : قِيلَ لِسُفْيَان : اُدْعُ اللَّه , قَالَ : إِنَّ تَرْك الذُّنُوب هُوَ الدُّعَاء . ' وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } يَقُول : إِنَّ الَّذِينَ يَتَعَظَّمُونَ عَنْ إِفْرَادِي بِالْعِبَادَةِ , وَإِفْرَاد الْأُلُوهَة لِي { سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } بِمَعْنَى : صَاغِرِينَ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى مَعْنَى الدَّخَر بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعَائِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23440 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } قَالَ : عَنْ دُعَائِي. 23441 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { دَاخِرِينَ } قَالَ : صَاغِرِينَ . وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } يَقُول : إِنَّ الَّذِينَ يَتَعَظَّمُونَ عَنْ إِفْرَادِي بِالْعِبَادَةِ , وَإِفْرَاد الْأُلُوهَة لِي { سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } بِمَعْنَى : صَاغِرِينَ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى مَعْنَى الدَّخَر بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعَائِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23440 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } قَالَ : عَنْ دُعَائِي. 23441 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { دَاخِرِينَ } قَالَ : صَاغِرِينَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} روى النعمان بن بشير قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين وأن المعنى : وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل : هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) ويقال الدعاء : هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي : كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: { لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة : 143] وكان يقال للنبي : ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج : 78] وكان يقال للنبي ادعني استجب لك، وقال لهذه الأمة { ادعوني استجب لكم} . قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعا؛ رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبي قال ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة { ادعوني استجب لكم} وكان الله إذا بعث النبي قال : ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج : 78] وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس) ""ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول"". وكان خالد الربعي يقول : عجيب لهذه الأمة قيل لها: { ادعوني استجب لكم} أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل : مثل ماذا؟ قال : مثل قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة : 25] فها هنا شرط، وقوله: { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق} [يونس : 2]، فليس فيه شرط العمل؛ ومثل قوله: { فادعوا الله مخلصين له الدين} [غافر : 14] فها هنا شرط، وقوله تعالى: { ادعوني استجب لكم} ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل : إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدم في { البقرة} بيانه. أي { استجب لكم} إن شئت؛ كقوله: { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} [الأنعام : 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم في { البقرة} بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم { سيدخلون} بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله. الباقون { يدخلون} بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى { داخرين} صاغرين أذلاء وقد تقدم. قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} { جعل} هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذ لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو قوله : { إنا جعلناه قرآنا عربيا} وقد مضى هذا المعنى في موضع. { والنهار مبصرا} أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فضله وإنعامه عليهم. قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم خالق كل شيء} بين الدلالة على وحدانيته وقدرته. { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه فـ { كذلك يؤفك} يصرف عن الحق الذين كانوا بآيات الله يجحدون. قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت. { والسماء بناء} تقدم. { وصوركم فأحسن صوركم} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي { صوركم} بكسر الصاد؛ قال الجوهري : والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري قائلا : أشبهن من بقر الخلصاء أعينها ** وهن أحسن من صيرانها صورا والصيران جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك وقد جمعهما الشاعر : إذا لاح الصوار ذكرت ليلى ** وأذكرها إذا نفخ الصوار والصيار لغة فيه. { ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} وقد مضى. { هو الحي} أي الباقي الذي لا يموت { لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين} أي مخلصين له الطاعة والعبادة. { الحمد لله رب العالمين} قال الفراء : هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هدا كله مستوفى في { البقرة} وغيرها. وقال ابن عباس : من قال: { لا إله إلا الله} فليقل: { الحمد لله رب العالمين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 56 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { رَبُّكُـمُ } [غافر: 60] من تولى تربيتكم، والتربية هنا تعني الإيجاد من العدم والإمداد من عُدْم، وما دام هو ربي فأنا مسئولٌ منه يضمن لي رزقي وعيشي في الدنيا، وقبل ذلك أعطاني الجوارح التي تعمل، والأعضاء التي بها أعيش، فهو ربي وخالقي الذي استدعاني للكون، ووفَّر لي فيه أسبابَ الحياة.

لذلك لما أراد سبحانه أنْ يجعل نموذجاً في الكون جعله بحيث يتعاطف الكونُ مع ذاته ويتكامل في نفسه، فجعل هذا قوياً، وهذا ضعيفاً، هذا صحيحاً وهذا مريضاً.

فالقوي حركته في الحياة حركة كاملة قوية تزيد عن حاجته، وقال له: ما زاد عن حاجتك اجعله للضعيف الذي لا يقدر على الحركة، والخالق سبحانه قادر على جَعْل الناس جميعاً أقوياء، لكن أراد أنْ يرتبط الخَلْق في حركة الحياة ارتباطَ حاجة لا ارتباطَ تفضُّل؛ لأن الارتباط لا يأتي بقانون التفضُّل، فالتفضل لا الزامَ فيه، والمتفضل بالشيء حُرٌّ، يفعل أو لا يفعل.

وقوله: { ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] يعني: فيما عجزتُم عن أسبابه ولن تقدروا عليه، ولم تجدوا من بيئتكم عَوْناً عليه، فليس لكم إلا التوجُّه إليَّ تدعونني، فأستجيب
{  أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }
[النمل: 62] فأنا ربكم وخالقكم استدعيتُكم إلى الوجود ومنحتكم الأسباب والجوارح، واستخلفتم في الأرض، فليس لكم ملجأ غيري تلجأون إليه إنْ عزَّت عليكم الأسباب.

أما إن كانت الأسبابُ ميسَّرة لكم، وقام كلُّ مكلَّف بدوره، فلا تتركوا الأسباب وتقولوا: يا ربّ، عليكم بما في أيديكم من الأسباب أولاً، زاولوها فإنْ ضاقتْ بكم فاذهبوا إلى المسبِّب.

لكن نلحظ في هذه المسألة أن الله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا الإجابة، ومع ذلك منا مَنْ يدعو فلا يُستجاب له، فلماذا؟ قالوا: لأنك تدعو وأنت غير مُضطر، فلو كنتَ في حالة الاضطرار لاستُجيبَ لك. أنت تسكن في مسكن محترم وتدعو الله أن يكون لك (فيلا) أو قصر، فإنْ أعطاك القصر قلت: أريد عمارة تصرف على القصر، هذا دعاء عن ترف لا عن اضطرار، والإجابة هنا مشروطة بالمضطر.

والحق سبحانه وتعالى لا يُعفي عبداً عن مسئولية استطراق النفع للعباد، قالوا: لأن الواجد يبذل، وغير الواجد ينصح الواجد، فإنْ نصحت دون جدوى فلن تبرأ ذمتك حتى بعد ذلك.

ولو قرأتَ القرآن تجد قوله تعالى:
{  لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 91].

متى هذا؟ قالوا: إذا لم يكن عندك مال لا بدَّ أنْ تنصح
{  إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ }
[التوبة: 91] نصحت ولم يستجب لك. قالوا: اقدر على نفسك، كيف؟
{  وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ }
[التوبة: 92] فهل أعفى أحداً؟ لا بل حثَّ الجميع على أنْ يفعلوا: إما بذل المال، وإما بذل المقال، فإذا لم تستطع هذا ولا ذاك فيجب أنْ تحزن لأنك لم تشارك، ولا يكفي هنا الألم الوجداني، بل لا بدَّ أنْ يصحبه انفعال عاطفي ينتج عنه بكاء، تبكي أنك لم تجد شيئاً تنفقه في سبيل الله.

إذن: المسألة استطراق نفعي في الكون، هذا الاستطراق لا يدعُ أحداً منا في حاجة.

وبعد ذلك نقول له: أأنت فقير عَجْز أم احتراف؟ إنْ كان فقير احتراف لا يُحسب ولا يُؤْبه له، وإن كان فقير عجز فله أنْ يجلس في بيته مُعززاً مكرَّماً، والغني هو الذي يذهب إليه ويعطيه حقَّه، فالقادر إذن أصبح في خدمة غير القادر.

وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60] معنى: { يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } [غافر: 60] أي: عن دعائي والذلة لي، وإظهار الحاجة إليّ، لذلك قال أهل المعرفة: لا يكُنْ حظك من الدعاء أنْ تُجاب، لكن اجعل حظك من الدعاء ذلةَ محتاجٍ لمن معه الخير، هذه هي معنى العبادة هنا؟

لذلك تجد ربك عز وجل دائماً يُصحِّح لك خطأك في الدعاء:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11].

فقد تدعو أنت لنفسك بشرٍّ تحسبه خيراً، ومن رحمة ربك بك ألاّ يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير.

وقلنا في ذلك: ما حال المرأة التي نسمعها تدعو على ولدها تقول: إلهي أشرب نارك؟ فمن رحمة الله بها ألاَّ يستجيب لها، إذن في المنع هنا عطاء.

لكم لماذا { سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60] أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو واحداً إلا إذا كنتَ مطيعاً له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " كل أمر لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر " يعني: لا بركة فيه.

وعلما أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى (الرحمن الرحيم) هنا؟

قالوا: ربما كانت عاصياً فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه سبحانه لا يتخلَّى عن عبده حتى لو كان عاصياً، فهؤلاء سيدخلون النار داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أنْ يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار جزاء الاستكبار.


www.alro7.net