سورة
اية:

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية، بالنسبة إلى ما أعده اللّه لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وقال: { وما عند اللّه خير للأبرار} ، وقال: { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (واللّه ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع إليه) ""أخرجه مسلم في صحيحه""، وقوله تعالى: { أفلا تعقلون} أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة، وقوله تعالى: { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو القيامة من المحضرين} ، يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده اللّه على صالح الأعمال من الثواب، كمن هو كافر مكذب بلقاء اللّه ووعده ووعيده فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً قلائل { ثم هو يوم القيامة من المحضرين} ؟ قال مجاهد: من المعذبين، وهذا كقوله تعالى: { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} ، وقال تعالى: { ولقد علمت الجِنة إنهم لمحضرون} .

تفسير الجلالين

{ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى { وما عند الله } أي ثوابه { خير وأبقى أفلا تعقلون } بالتاء والياء أن الباقي خير من الفاني.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ شَيْء مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد , فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاع تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَهُوَ مِنْ زِينَتهَا الَّتِي يُتَزَيَّن بِهِ فِيهَا , لَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْد اللَّه شَيْئًا , وَلَا يَنْفَعكُمْ شَيْء مِنْهُ فِي مَعَادكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ شَيْء مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد , فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاع تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَهُوَ مِنْ زِينَتهَا الَّتِي يُتَزَيَّن بِهِ فِيهَا , لَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْد اللَّه شَيْئًا , وَلَا يَنْفَعكُمْ شَيْء مِنْهُ فِي مَعَادكُمْ .' وَمَا عِنْد اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته وَوِلَايَته خَيْر مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعهَا وَزِينَتهَا وَأَبْقَى , يَقُول : وَأَبْقَى لِأَهْلِهِ , لِأَنَّهُ دَائِم لَا نَفَاد لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20981 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , فِي قَوْله { وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر وَأَبْقَى } قَالَ : خَيْر ثَوَابًا , وَأَبْقَى عِنْدنَا . وَمَا عِنْد اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته وَوِلَايَته خَيْر مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعهَا وَزِينَتهَا وَأَبْقَى , يَقُول : وَأَبْقَى لِأَهْلِهِ , لِأَنَّهُ دَائِم لَا نَفَاد لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20981 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , فِي قَوْله { وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر وَأَبْقَى } قَالَ : خَيْر ثَوَابًا , وَأَبْقَى عِنْدنَا . ' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا عُقُول لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم تَتَدَبَّرُونَ بِهَا فَتَعْرِفُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ , وَتَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمْ خَيْر الْمَنْزِلَتَيْنِ عَلَى شَرّهمَا , وَتُؤْثِرُونَ الدَّائِم الَّذِي لَا نَفَاد لَهُ مِنْ النَّعِيم , عَلَى الْفَانِي الَّذِي لَا بَقَاء لَهُ .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا عُقُول لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم تَتَدَبَّرُونَ بِهَا فَتَعْرِفُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ , وَتَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمْ خَيْر الْمَنْزِلَتَيْنِ عَلَى شَرّهمَا , وَتُؤْثِرُونَ الدَّائِم الَّذِي لَا نَفَاد لَهُ مِنْ النَّعِيم , عَلَى الْفَانِي الَّذِي لَا بَقَاء لَهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى} أي القرى الكافر أهلها. { حتى يبعث في أمها} قرئ بضم الهمزة وكسرها لإتباع الجر يعني مكة. و { رسولا} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وقيل { في أمها} يعني في أعظمها { رسولا} ينذرهم. وقال الحسن : في أوائلها. قلت : ومكة أعظم القرى لحرمتها وأولها، لقوله { إن أول بيت وضع للناس} آل عمران 96 وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها؛ لأن الرسل تبعث إلى الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أم ما حولها. وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة "يوسف" . قوله تعالى: { يتلو عليهم آياتنا} { يتلو} في موضع الصفة أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} { وما كنا مهلكي القري} سقطت النون للإضافة مثل { ظالمي أنفسهم} النساء 97 أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال عز من قائل { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} هود 117 فنص في قوله { بظلم} هود 117 على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما لهم منه، وإن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دل على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال { وما كان الله ليضيع إيمانكم} البقرة 143 قوله تعالى: { وما أوتيتم من شيء} يا أهل مكة { فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} أي تتمتعون بها مدة حياتكم، أو مدةً في حياتكم، فإما أن تزولوا عنها أو تزول عنكم. { وما عند الله خير وأبقى} أي أفضل وأدوم، يريد الدار الآخرة وهي الجنة. { أفلا تعقلون} أن الباقي أفضل من الفاني قرأ أبو عمرو { يعقلون} بالياء الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار لقوله { وما أو تيتم} . قوله { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه} يعني الجنة وما فيها من الثواب. { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} فأعطي منها بعض ما أراد. { ثم هو يوم القيامة من المحضرين} أي في النار ونظيره قوله { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} الصافات 57 . قال ابن عباس : نزلت في حمزة بن عبدالمطلب، وفي أبي جهل بن هشام وقال مجاهد : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وقال محمد بن كعب. نزلت في حمزة وعلي، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد وقيل : في عمار والوليد بن المغيرة؛ قاله السدي قال القشيري : والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم الثعلبي : وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 57 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى: { مِّن شَيْءٍ... } [القصص: 60] من أيِّ شيء من مُقوِّمات الحياة، ومن كمالياتها { فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا... } [القصص: 60] فمهما بلغ هذا من السُّمو، فإنه متاع عمره قليل، كما قال سبحانه:
{  قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ }
[النساء: 77].

لذلك طلبنا منكم ألاَّ تنشغلوا بهذا المتاع، وألاَّ تجعلوه غايةً، لأن بقاءك فيها مظنون، ومتاعك فيها على قَدْر نشاطك وحركتك.

وسبق أنْ قلنا: إن آفة النعيم في الدنيا إما أن يتركك أو تتركه، وأن عمرك في الدنيا ليس هو عمر الدنيا، إنما مدة بقائك أنت فيها، ومهما بلغتَ من الدنيا فلا بُدَّ من الموت.

لذلك يدلُّنا ربنا - عَزَّ وجَلَّ - على حياة أخرى باقية مُتيقَّنة لا يفارقك نعيمها ولا تفارقه.

{ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [القصص: 60].

{ خَيْرٌ... } [القصص: 60] لأن النعيم فيها ليس على قَدْر نشاطك، إنما على قَدْر الله وعطائه وكرمه، { وَأَبْقَىٰ.. } [القصص: 60] لأنه دائم لا ينقطع، فلو قارن العاقل بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة لاختار الآخرة.

لذلك، فإن الصحابي الذي حدَّثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد، وتيقَّن أنه ليس بينه وبين الجنة إلا أنْ يُقتل في سبيل الله، وكان في يده تمرات يأكلها فألقاها، ورأى أن مدة شغله بمضغها طويلة؛ لأنها تحول بينه وبين هذه الغاية، ألقاها وأسرع إلى الجهاد لينال الشهادة. لماذا؟ لأنه أجرى مقارنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة.

والحق - سبحانه وتعالى - حين يُجري هذه المقارنة بين الكفار وبين المؤمنين يقول:
{  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ... }
[التوبة: 52] إما أن ننتصر عليكم ونُذلكم، ونأخذ خيراتكم، وإما ننال الشهادة فنذهب إلى خير مما تركنا
{  وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا... }
[التوبة: 52].

إذن: لا تتربصون بنا إلا خيراً، ولا نتربّص بكم إلا شراً.

وفي موضع آخر قال سبحانه:
{  بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }
[الأعلى: 16 - 17] لذلك ذيَّل الآية هنا بقوله تعالى: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [القصص: 60] لأن العقل لو قارن بين الدنيا والآخرة لا بُدَّ أنْ يختار الآخرة.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ.... }.


www.alro7.net