سورة
اية:

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول: { الحمد للّه} أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد اللّه الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من اللّه أفضل الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن أسلم هم الأنبياء، قال: وهو كقوله: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين} ، وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين ""وروي نحو هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما""، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد اللّه الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن اللّه تعالى أمر رسوله ومن اتبعه أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار، وقد روى أبو بكر البزار عن ابن عباس { وسلام على عباده الذين اصطفى} قال: هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم اصطفاهم اللّه لنبيه رضي اللّه عنهم. وقوله تعالى: { آلله خير أما يشركون} ؟ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع اللّه آلهة أخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى: { أم من خلق السماوات} أي خلق تلك السماوات في ارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، والنجوم الزاهرة، والأفلاك الدائرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك، وقوله تعالى: { وأنزل لكم من السماء ماء} أي جعله رزقاً للعباد { فأنبتنا به حدائق} أي بساتين { ذات بهجة} أي منظر حسن وشكل بهي { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به المشركون { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه} { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن اللّه} أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، ولهذا قال تعالى: { أإله مع اللّه؟} أي أإله مع اللّه يعبد، وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضاً أنه الخالق الرازق، ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: { أإله مع اللّه} فعل هذا؟ وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمّ أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به فيقال: فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق} الآية، وقوله تعالى ههنا: { أمن خلق السماوات والأرض} { أمن} في هذه الآيات كلها تقديره أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر، ثم قال: { بل هم قوم يعدلون} أي يجعلون للّه عدلاً ونظيراً، وهكذا قال تعالى: { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} أي أمن هو هكذا كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} .

تفسير الجلالين

{ أمَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا} فيه التفتات من الغيبة إلى التكلم { به حدائق} جمع حديقة وهو البستان المحوط { ذات بهجةِ } حُسن { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } لعدم قدرتكم عليه { أإلهٌ } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في مواضعه السبعة { مع الله} أعانه على ذلك أي ليس معه إله { بل هم قوم يعدلون} يشركون بالله غيره.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْش : أَعِبَادَة مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانكُمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَ خَيْر , أَمْ عِبَادَة مِنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ؟ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْش : أَعِبَادَة مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانكُمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَ خَيْر , أَمْ عِبَادَة مِنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ؟' يَعْنِي مَطَرًا , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مُرِيدًا بِهِ الْعُيُون الَّتِي فَجَّرَهَا فِي الْأَرْض , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقهيَعْنِي مَطَرًا , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مُرِيدًا بِهِ الْعُيُون الَّتِي فَجَّرَهَا فِي الْأَرْض , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقه' يَعْنِي بِالْمَاءِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاء .يَعْنِي بِالْمَاءِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاء .' وَهِيَ جَمْع حَدِيقَة , وَالْحَدِيقَة : الْبُسْتَان عَلَيْهِ حَائِط مَحُوط , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِط لَمْ يَكُنْ حَدِيقَة .وَهِيَ جَمْع حَدِيقَة , وَالْحَدِيقَة : الْبُسْتَان عَلَيْهِ حَائِط مَحُوط , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِط لَمْ يَكُنْ حَدِيقَة .' وَقَوْله : { ذَات بَهْجَة } يَقُول : ذَات مَنْظَر حَسَن . وَقِيلَ ذَات بِالتَّوْحِيدِ . وَقَدْ قِيلَ حَدَائِق , كَمَا قَالَ : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } 7 180 , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20595 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : الْبَهْجَة : الْفُقَّاح مِمَّا يَأْكُل النَّاس وَالْأَنْعَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء تَأْكُلهُ النَّاس وَالْأَنْعَام . وَقَوْله : { ذَات بَهْجَة } يَقُول : ذَات مَنْظَر حَسَن . وَقِيلَ ذَات بِالتَّوْحِيدِ . وَقَدْ قِيلَ حَدَائِق , كَمَا قَالَ : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } 7 180 , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20595 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : الْبَهْجَة : الْفُقَّاح مِمَّا يَأْكُل النَّاس وَالْأَنْعَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء تَأْكُلهُ النَّاس وَالْأَنْعَام . ' وَقَوْله : { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء لَكُمْ هَذِهِ الْحَدَائِق إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ , لَوْلَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ الْمَاء مِنْ السَّمَاء طَاقَة أَنْ تُنْبِتُوا شَجَر هَذِهِ الْحَدَائِق , وَلَمْ تَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَهَاب ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَصْلُح ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَاءِ .وَقَوْله : { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء لَكُمْ هَذِهِ الْحَدَائِق إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ , لَوْلَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ الْمَاء مِنْ السَّمَاء طَاقَة أَنْ تُنْبِتُوا شَجَر هَذِهِ الْحَدَائِق , وَلَمْ تَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَهَاب ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَصْلُح ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَاءِ .' وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمَعْبُود مَعَ اللَّه أَيّهَا الْجَهَلَة خَلَقَ ذَلِكَ , وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء الْمَاء , فَأَنْبَتَ بِهِ لَكُمْ الْحَدَائِق ؟ ! فَقَوْله : أَإِلَه مَرْدُود عَلَى تَأْوِيل : أَمَعَ اللَّه إِلَه .وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمَعْبُود مَعَ اللَّه أَيّهَا الْجَهَلَة خَلَقَ ذَلِكَ , وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء الْمَاء , فَأَنْبَتَ بِهِ لَكُمْ الْحَدَائِق ؟ ! فَقَوْله : أَإِلَه مَرْدُود عَلَى تَأْوِيل : أَمَعَ اللَّه إِلَه .' يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَوْم ضُلَّال , يَعْدِلُونَ عَنْ الْحَقّ , وَيَجُورُونَ عَلَيْهِ , عَلَى عَمْد مِنْهُمْ لِذَلِكَ , مَعَ عِلْمهمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَإ وَضَلَال وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْ جَهْل مِنْهُمْ , بِأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِر عَلَى نَفْع وَلَا ضُرّ , خَيْر مِمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَفَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَال , وَلَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَلَى عِلْم مِنْهُمْ وَمَعْرِفَة , اِقْتِفَاء مِنْهُمْ سُنَّة مَنْ مَضَى قَبْلهمْ مِنْ آبَائِهِمْ .يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَوْم ضُلَّال , يَعْدِلُونَ عَنْ الْحَقّ , وَيَجُورُونَ عَلَيْهِ , عَلَى عَمْد مِنْهُمْ لِذَلِكَ , مَعَ عِلْمهمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَإ وَضَلَال وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْ جَهْل مِنْهُمْ , بِأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِر عَلَى نَفْع وَلَا ضُرّ , خَيْر مِمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَفَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَال , وَلَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَلَى عِلْم مِنْهُمْ وَمَعْرِفَة , اِقْتِفَاء مِنْهُمْ سُنَّة مَنْ مَضَى قَبْلهمْ مِنْ آبَائِهِمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} قال الفراء : قال أهل المعاني : قيل للوط { قل الحمد لله} على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا : هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس : وهذا أولى، لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل : المعنى؛ أي { قل} يا محمد { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} يعني أمته عليه السلام. قال الكلبي : اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. قوله تعالى: { الذين اصطفى} اختار؛ أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام؛ دليله قوله { وسلام على المرسلين} الصافات 181 . { آلله خير أما يشركون} وأجاز أبو حاتم { أألله خير} بهمزتين. النحاس : ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك؛ لأن هذه المدة إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و { خير} ههنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول الشاعر : أتهجوه ولست له بكفء ** فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت : فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل : المعنى؛ الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه : السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل : هو على بابه من التفضيل، والمعنى : آلله خير أم ما تشركون؛ أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل : قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل : اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب { يشركون} بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول : (بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ) قوله تعالى: { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء} قال أبو حاتم : تقديره؛ آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض؛ وقد تقدم. ومعناه : قدر على خلقهن. وقيل : المعنى؛ أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى؛ وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر الحسن. قال الفراء : الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن؛ يبهج به من رآه. { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} { ما} للنفي. ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا؛ أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم، ولا يقع تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها؛ إذ هم عجزة عن مثلها، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن؛ وهو قول مجاهد. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : (قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة) ""رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة""؛ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (قال الله عز وجل) فذكره؛ فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أن يصنع الصور: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سبأ إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ { أإله مع الله} أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. { بل هم قوم يعدلون} بالله غيره. وقيل { يعدلون} عن الحق والقصد؛ أي يكفرون. وقيل { إله} مرفوع بـ { مع} تقديره : أمع الله ويلكم إله. والوقف على { مع الله} حسن. قوله تعالى: { أمن جعل الأرض قرارا} أي مستقرا. { وجعل خلالها أنهارا} أي وسطها مثل { وفجرنا خلالهما نهرا} الكهف 33 . { وجعل لها رواسي} يعني جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة. { وجعل بين البحرين حاجزا} مانعا من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس: سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا. والحجز المنع. { أإله مع الله} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. { بل أكثرهم لا يعلمون} يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النمل الايات 53 - 60


سورة النمل الايات 60 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ أَمَّنْ } [النمل: 60] هذا استفهام آخر، وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ بعد أن كتب الهزيمة على الكافرين والنصر للمؤمنين أراد أنْ يُربِّب في النفس الإيمان بالله، وأن تأخذ من نصر الله تعالى للمؤمنين خميرة إيمانية، ومواجيد جديدة تظل شحنة قوية تدفعهم بحيث يكونون هم أنفسهم على استعداد للتصدي لأعداء الدعوة والمناهضين لها.

يقول سبحانه:

{ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } [النمل: 60].

إذن: المسألة لا تقف عند معركة انتصر فيها المؤمنين على الكافرين، فهناك في خلق الله ما هو أعظم من ذلك، فلو سألتَهم: مَنْ خلق السموات والأرض يقولون: الله ولئن سألتهم: مَنْ خلقهم يقولون: الله، فهذه مسائل لا يستطيعون إنكارها، فكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول لهم: آلله خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء.. أم ما تشركون؟

وما دام أن الله تعالى ادَّعى مسألة الخَلْق لنفسه سبحانه، ولم يَقُمْ لهذه الدعوى منازع، فقد ثبتتْ له سبحانه إلى أنْ يدَّعيها غيره { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } [النمل: 60] فإنْ كان هناك إله آخر خلق الخَلْق فأين هو: إما أنه لم يَدْر بهذه الدعوى، أو دَرَى بها وجَبُن عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين لا يصلح إلهاً، وإلا فليأت هو الآخر بخَلْق ومعجزات أعظم مما رأينا.

فإذا قال الله تعالى أنا الله، ولا إله غيري، والخَلْق كله بسمائه وأرضه صنعتي، ولم يوجد معارض، فقد ثبتت له القضية؛ لذلك يقول سبحانه:
{  شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }
[آل عمران: 18].

فقضية الوحداينة شهد الله أولاً بها لنفسه، ثم شهد بها الملائكة أولو العلم من الخَلْق.

ويقول سبحانه في تأكيد هذا المعنى:
{  قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً }
[الإسراء: 42].

أي: لاجتمع هؤلاء الآلهة، وثاروا على الإله الذي أخذ منهم مُلْكهم، وادعاه لنفسه، أو لذهبوا إليه ليتقرَّبوا منه ويتودّدوا إليه.

وقوله تعالى: { وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } [النمل: 60] السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك، والماء معروف أنه ينزل من السحاب وهو مما علانا، أو أن الإنزال يعني إرادة الكون، وإرادة الكون في كل كائن تكون من السماء، ألاَ ترى قوله تعالى:
{  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ }
[الحديد: 25].

وقوله تعالى:
{  وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }
[الحديد: 25] ومعلوم أن الحديد يأتي من الأرض، لكن إرادة كونه تأتي من السماء.

ثم يقول سبحانه: { فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } [النمل: 60] للماء فوائد كثيرة في حياتنا، بل هو قِوَام الحياة؛ لذلك اقتصرتْ الآية على ذكْر الحدائق؛ لأنها قوام حياة الإنسان في الأكل والشرب.فإنْ قُلْتَ: نحن نعتبر الآن الحدائق الجميلة من باب الكماليات، وليس بها مُقوِّمات حياتنا. نقول: نعم هي كذلك الآن، لكن في الماضي كانوا يسمون كل أرض زراعية محوطة بسور: حديقة، أو حائط.

وقال { ذَاتَ بَهْجَةٍ } [النمل: 60] مع أنك لو نظرتَ إلى القمح مثلاً وهو عَصَب القوت لوجدته أقل جمالاً من الورد والياسمين والفُل مثلاً، وكأن ربك ـ عز وجل ـ يقول لك: لقد تكفلتُ لك بالكماليات وبالجماليات، فمن باب أَوْلَى أوفر لك الضروريات.

والحق ـ تبارك وتعالى ـ يريد أن يرتقي بِذوْق عباده وبمشاعرهم، واقرأ مثلاً قوله تعالى:
{  ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ }
[الأنعام: 99] يعني: قبل أن تأكل من هذه الثمار تأمل في جمالها ومنظرها البديع، وكأنها دعوة للرقي بالذوق العام والتأمل في بديع صُنْع الله.

أَلاَ ترى أن الله تعالى أباح لك النظر إلى كل الثمار لتشاهد جمالها، ولم يُبح لك الأكل إلاّ مما تملك؟ لذلك قال:
{  ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ }
[الأنعام: 99] فإنْ لم تكونوا تملكونه، فكفاكم التمتُّع بالنظر إليه.

ومن هذا الارتقاء الجمالي قوله تعالى بعد أنْ حدَّثنا عن الضروريات في الأنعام:
{  وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ }
[النحل: 6].

وقال:
{  وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }
[النحل: 8].

فأعطانا ربنا ـ عز وجل ـ ضروريات الحياة، وأعطانا كمالياتها وجمالياتها. وتأمل دقة الأسلوب في { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } [النمل: 60] فالضمير في { خَلَقَ } ضمير الغائب (هو) يعود على الله عز وجل، وكذلك في (وَأَنزَلَ) أما في (فَأَنْبَتْنَا) فقد عدل عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم (نحن) الدال على التعظيم، فلماذا؟

قالوا: لأن نِعَم الله فيها أشياء لا دخْل للإنسان فيها كالخَلْق وإنزال المطر، ومثل هذه المسائل لا شبهةَ لا شتراك الإنسان فيها، وهناك أشياء للإنسان دَخْلٌ فيها كالزرع والإنبات، فهو الذي يحرث ويزرع ويسقي.. الخ مما يُوحِي بأن الإنسان هو الذي يُنبت النبات، فأراد سبحانه أنْ يُزيل هذا التوهم، فنسب الإنبات صراحة إليه ـ عز وجل ـ ليزيل هذه الشبهة.

وربك ـ سبحانه وتعالى ـ يحترم فعْلَك، ويذكر لك سَعْيك، فيقول:
{  أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ }
[الواقعة: 63ـ64] نعم لك عمل وسعي في هذه المسألة، لكنك استخدمتَ الأرض المخلوقة لله، وآلة الحديد المخلوقة لله، والبذور المخلوقة لله، والماء المخلوق لله، أما مسألة الإنبات نفسها فلا دَخْلَ لك بها، فلا تَقُلْ زرعت؛ لأننها نحن الزارعون حقيقة، لكن قُلْ: حرثتُ وسقيتُ.

لذلك تجد الرد في آخر الآية نافياً لأيِّ شبهة في أن لك دَخْلاً في مسألة الزرع:
{  لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً }
[الواقعة: 65] وأكّد الفعل بلام التوكيد لينفي هذه الشبهة.

على خلاف الكلام عن الماء، حيث لا شبهة لك فيه، فيأتي نفس الفعل، لكن بدون لام التوكيد:
{  أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ }
[الواقعة: 68ـ70].

ومعنى: { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [النمل: 60] العدل معلوم أنه صفة مدح فساعةَ تسمع { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [النمل: 60] قد تظن أنها صفة طيبة فيهم، لكن لا بُدَّ في مثل هذا اللفظ من تدقيق؛ لأنه يحمل معاني كثيرة. نقول: عدلَ في كذا يعني: أنصف، وعدل إلى كذا يعني: مال إليه، وعدل عن كذا: يعني: تركه وانصرف عنه، وعدل بكذا، يعني: سوَّى.

فالمعنى هنا { يَعْدِلُونَ } [النمل: 60] عنه، ويا ليتهم يعدلون عنه فحسب، إنما يعدلون عنه إلى غيره، ويسوّون به غيره، كما قال سبحانه في موضع آخر:
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }
[الأنعام: 1].

أي: يسوُّونه سبحانه بغيره.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ }


www.alro7.net