سورة
اية:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا

تفسير بن كثير

سبب قول موسى لفتاه ووهو يوشع بن نون هذا الكلام، أنه ذكر له عبداً من عباد اللّه بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه ذلك { لا أبرح} : أي لا أزال سائراً { حتى أبلغ مجمع البحرين} أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق و بحر الروم مما يلي المغرب، وقال محمد بن كعب: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد المغرب، فاللّه أعلم. وقوله: { أو أمضي حقبا} أي ولو أني أسير حقباً من الزمان، عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون خريفاً، وقال ابن عباس { أو أمضي حقبا} قال: دهراً، وقوله: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما} وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه وقيل له متى فقدت الحوت فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وكان في مكتل مع يوشع عليه السلام، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع عليه السلام وسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: { فاتخذ سبيله في البحر سربا} أي مثل السرب في الأرض، قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر، وقال قتادة: سرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك فيه طريقاً إلا صار ماء جامداً، وقوله: { فلما جاوزا} أي المكان الذي نسيا الحوت فيه، { قال} موسى { لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا} أي المكان الذي جاوزا فيه المكان { نصبا} أي تعبا، { قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} ، ولهذا قال: { واتخذ سبيله} أي طريقه { في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغي} أي هذا هو الذي نطلب { فارتدا} أي رجعا { على آثارهما} أي طريقهما { قصصا} أي يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما { فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} ، وهذا هو الخضر عليه السلام، كما دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. روى البخاري، عن أُبي بن كعب رضي اللّه عنه، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى اللّه إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين، هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: { آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} ، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره اللّه به، قال له فتاه: { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} ، قال فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال: { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال، فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً { قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى، إني على علم من علم اللّه علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من اللّه علمكه اللّه لا أعلمه. فقال موسى: { ستجدني إن شاء اللّه صابرا ولا أعصي لك أمرا} ، قال له الخضر: { فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نوال، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! لقد جئت شيئاً إمراً { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} . قال وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله - فكانت الأولى من موسى نسياناً، قال، وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هم يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه، فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: { أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا . قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} ، قال وهذه أشد من الأولى، { قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا . فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} أي مائلاً فقال الخضر بيده { فأقامه} فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا { لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} )، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (وودنا أن موسى كان صبر حتى يقص اللّه علينا من خبرهما). قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا} ، وكان يقرأ: { وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين} ""أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي اللّه عنهما"". وروى الزهري: عن ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى، الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى اللّه إلى موسى: بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل اللّه له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع: فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، قال موسى { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} فوجدا عبدنا خضراً، فكان من شأنهما ما قص اللّه في كتابه.

تفسير الجلالين

{ و } اذكر { إذ قال موسى } هو ابن عمران { لفتاهُ } يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ عنه العلم { لا أبرح } لا أزال أسير { حتى أبلغ مجمع البحرين } ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي المشرق أي المكان الجامع لذلك { أو أمضي حقبا } دهرا طويلاً في بلوغه إن بعد.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان لِفَتَاهُ يُوشَع : { لَا أَبْرَح } يَقُول : لَا أَزَالَ أَسِير { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } , كَمَا : 17460 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح } قَالَ : لَا أَنْتَهِي . وَقِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } اِجْتِمَاع بَحْر فَارِس وَالرُّوم , وَالْمَجْمَع : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : جَمَعَ يَجْمَع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17461 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } وَالْبَحْرَانِ : بَحْر فَارِس وَبَحْر الرُّوم , وَبَحْر الرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَغْرِب , وَبَحْر فَارِس مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر فَارِس , وَبَحْر الرُّوم . 17462 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر الرُّوم , وَبَحْر فَارِس , أَحَدهمَا قِبَل الْمَشْرِق , وَالْآخَر قِبَل الْمَغْرِب . 17463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } 17464 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الضَّرِيس , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : طَنْجَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان لِفَتَاهُ يُوشَع : { لَا أَبْرَح } يَقُول : لَا أَزَالَ أَسِير { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } , كَمَا : 17460 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح } قَالَ : لَا أَنْتَهِي . وَقِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } اِجْتِمَاع بَحْر فَارِس وَالرُّوم , وَالْمَجْمَع : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : جَمَعَ يَجْمَع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17461 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } وَالْبَحْرَانِ : بَحْر فَارِس وَبَحْر الرُّوم , وَبَحْر الرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَغْرِب , وَبَحْر فَارِس مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر فَارِس , وَبَحْر الرُّوم . 17462 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر الرُّوم , وَبَحْر فَارِس , أَحَدهمَا قِبَل الْمَشْرِق , وَالْآخَر قِبَل الْمَغْرِب . 17463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } 17464 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الضَّرِيس , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : طَنْجَة . ' وَقَوْله : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } يَقُول : أَوْ أَسِير زَمَانًا وَدَهْرًا , وَهُوَ وَاحِد , وَيُجْمَع كَثِيره وَقَلِيله : أَحْقَاب . وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : كُنْت عِنْده حُقْبَة مِنْ الدَّهْر : وَيَجْمَعُونَهَا حُقُبًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله { لَا أَبْرَح } : أَيْ لَا أَزُول , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَق : فَمَا بَرِحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نِسَاؤُهُمْ بِبَطْحَاء ذِي قَار عِيَاب اللَّطَائِم يَقُول : مَا زَالُوا . وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب , أَنَّ الْحُقُب فِي لُغَة قَيْس : سَنَة . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِره , وَهُوَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ ثَمَانُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17465 - حَدَّثَنَا عَنْ هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو بَلَج , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : الْحُقُب : ثَمَانُونَ سَنَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبْعُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17466 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : سَبْعِينَ خَرِيفًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : دَهْرًا . 17468 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : زَمَان . 17468 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : الزَّمَان . وَقَوْله : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } يَقُول : أَوْ أَسِير زَمَانًا وَدَهْرًا , وَهُوَ وَاحِد , وَيُجْمَع كَثِيره وَقَلِيله : أَحْقَاب . وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : كُنْت عِنْده حُقْبَة مِنْ الدَّهْر : وَيَجْمَعُونَهَا حُقُبًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله { لَا أَبْرَح } : أَيْ لَا أَزُول , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَق : فَمَا بَرِحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نِسَاؤُهُمْ بِبَطْحَاء ذِي قَار عِيَاب اللَّطَائِم يَقُول : مَا زَالُوا . وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب , أَنَّ الْحُقُب فِي لُغَة قَيْس : سَنَة . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِره , وَهُوَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ ثَمَانُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17465 - حَدَّثَنَا عَنْ هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو بَلَج , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : الْحُقُب : ثَمَانُونَ سَنَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبْعُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17466 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : سَبْعِينَ خَرِيفًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : دَهْرًا . 17468 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : زَمَان . 17468 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : الزَّمَان . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولي: قوله تعالى { وإذ قال موسى لفتاه} الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. وقالت فرقة منها نوف البكالي : إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران. وقد رد هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره. وفتاه : هو يوشع بن نون. وقد مضى ذكره في { المائدة} وآخر { يوسف} . ومن قال هو ابن منشا فليس الفتى يوشع بن نون. { لا أبرح} أي لا أزال أسير؛ قال الشاعر : وأبرح ما أدام الله قومي ** بحمد الله منتطقا مجيدا وقيل { لا أبرح} لا أفارقك. { حتى أبلغ مجمع البحرين} أي ملتقاهما. قال قتادة : وهو بحر فارس والروم؛ وقال مجاهد. قال ابن عطية : وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان، فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام هو مجمع البحرين على هذا القول. وقيل : هما بحر الأردن وبحر القلزم. وقيل : مجمع البحرين عند طنجة؛ قال محمد بن كعب. وروي عن أبي بن كعب أنه بأفريقية. وقال السدي : الكر والرس بأرمينية. وقال بعض أهل العلم : هو بحر الأندلس من البحر المحيط؛ حكاه النقاش؛ وهذا مما يذكر كثيرا. وقالت فرقة : إنما هما موسى والخضر؛ وهذا قول ضعيف؛ وحكي عن ابن عباس، ولا يصح؛ فإن الأمر بين من الأحاديث أنه إنما وسم له بحر ماء. وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم...) وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. وقال ابن عباس : (لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكّرهم بأيام الله، فخطب قومه فذكرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال : وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لنفسه، وألقى علي محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا؛ فقال له رجل من بني إسرائيل : عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال : لا؛ فعتب عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل : أن يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك...) وذكر الحديث. قال علماؤنا : قوله في الحديث (هو أعلم منك) أي بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا بدليل قول الخضر لموسى : (إنك على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه لا تعلمه أنت) وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية، لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه : إنه أعلم منك؛ فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف السبيل، فأمر بالارتحال على كل حال وقيل له احمل معك حوتا مالحا في مكتل - وهو الزنبيل فحيث يحيا وتفقده فثم السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهدا طلبا قائلا { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} . { أو أمضي حقبا} بضم الحاء والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. وقد تسكن قافه فيقال حقب. وهو ثمانون سنة. ويقال : أكثر من ذلك. والجمع حقاب والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وهي السنون. الثانية: في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك كان في دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام قال. البخاري : ورحل جابر بن عبدالله مسيرة شهر إلى عبدالله بن أنيس في حديث. الثالثة: قوله تعالى { وإذ قال موسى لفتاة} للعلماء فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه كان معه يخدمه، والفتى في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم فتى على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي) فهذا ندب إلى التواضع؛ وقد تقدم هذا في { يوسف} . والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. ويقال : هو ابن أخت موسى عليه السلام. وقيل : إنما سمي فتى موسى لأنه لزمه ليتعلم منه وإن كان حرا؛ وهذا معنى الأول. وقيل : إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو العبد، قال الله تعالى { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم...} [يوسف : 62] وقال { تراود فتاها عن نفسه...} قال ابن العربي : فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد، وفي الحديث : (أنه كان يوشع بن نون) وفي التفسير : أنه ابن أخته، وهذا كله مما لا يقطع به، والتوقف فيه أسلم. { أو أمضي حقبا} قال عبدالله بن عمر : (والحقب ثمانون سنة) مجاهد : سبعون خريفا. قتادة : زمان، النحاس : الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود؛ كما أن رهطا وقوما مبهم غير محدود : وجمعه أحقاب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 54 - 63

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ.. } [الكهف: 60] أي: اذكر يا محمد وقت أنْ قال موسى لفتاه، وفتى موسى هو خادمه يوشع ابن نون، وكان من نَسْل يوسف ـ عليه السلام ـ وكان يتبعه ويخدمه ليتعلم منه.

{ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ.. } [الكهف: 60]

لكن، ما حكاية موسى مع فتاه؟ وما مناسبتها للكلام هنا؟

مناسبة قصة موسى هنا أن كفار مكة بعثوا ليهود المدينة يسألونهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أهل كتاب وأعلم بالسماء، فأرادوا رأيهم في محمد: أهو مُحِقٌّ أم لا؟ فقال اليهود لوفد مكة: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو نبي: اسألوه عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر، والرجل الطواف الذي طاف البلاد، وعن الروح، فما كان منهم إلا أن سألوا رسول الله هذه الأسئلة، فقال لهم: " في الغد أجيبكم ".

إذن: إجابة هذه الأسئلة ليست عنده، وهذه تُحسَب له لا عليه، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم يضرب الكلام هكذا دون علم لأجابهم، لكنه سكت إلى أن يأتي الجواب من الله تعالى، وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه الذي أدبه فأحسن تأديبه.

ومرَّتْ خمسة عشر يوماً دون أن يُوحَى لرسول الله في ذلك شيء، حتى شق الأمر عليه، وفرح الكفار والمنافقون؛ لأنهم وجدوا على رسول الله مأخذاً فاهتبلوا هذه الفرصة لينددوا برسول الله، إنما أدب الله لرسوله فوق كل شيء ليبين لهم أن رسول الله لن يتكلم في هذه المسألة إلا بوحي من الله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يصدر عن رأيه.

ولو كان لهؤلاء القوم عقول لفهموا أن البُطْءَ في هذه المسألة دليلُ صِدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاءت قصة موسى هنا لتردَّ على مهاترات القوم، وتُبيِّن لهم أن النبي لا يعلم كل شيء، وهل المفروض فيه أن يجيبكم عن كل شيء؟ وهل يقدح في مكانته أنه لا يعرف مسألة ما؟

جاءت هذه الآيات لتقول لليهود ومَنْ لَفَّ لَفَّهم من كفار مكة: أنتم متعصبون لموسى وللتوراة ولليهودية، وهاهو موسى يتعلم ليس من الله، بل يتعلم من عبد مثله، ويسير تابعاً له طلباً للعلم.

جاءت الآيات لتقول لهم: يا مَنْ لقنتم كفار مكة هذه الأسئلة وأظهرتم الشماتة بمحمد حينما أبطأ عليه الوحي، اعلموا أن إبطاء الوحي لتعلموا أن محمداً لا يقول شيئاً من عند نفسه، فكان من الواجب أنْ تلفتكم هذه المسألة إلى صدق محمد وأمانته، وما هو على الغيب بضنين.

وسبب قصة موسى عليه السلام ـ يُقال: إنه سأل الله ـ وكان له دلال على ربه:
{  رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ.. }
[الأعراف: 143] والذي أطمعه في هذا المطلب أن الله كلَّمه:
{  وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ }
[طه: 17] فأطال موسى الكلام مع ربه، ومَنْ الذي يكلمه الله ولا يطيل أمد الأُنْس بكلام الله؟ لذلك قال موسى:
{  هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ }
[طه: 18]

وهكذا أطال موسى مدة الأنس بالله والحديث معه سبحانه، لذلك سأله: يا ربّ، أيوجد في الأرض أعلم مني؟ فأجابه ربُّه تبارك وتعالى: نعم في الأرض مَنْ هو أعلم منك، فاذهب إلى مجمع البحرين، وهناك ستجد عبداً من عبيدي هو أعلم منك، فأخذ موسى فتاه وذهب إلى مَجْمع البحرين.

وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى ـ عليه السلام ـ خطب مرة فسُئِل: مَنْ أعلم؟ فقال: أنا ـ يعني من البشر، فأخبره الله تعالى: لا بل في الأرض من هو أعلم منك من البشر حتى لا يغتَرَّ موسى ـ عليه السلام ـ بما أعلمه الله.

ثم يقول تعالى: { لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } [الكهف: 60]

لا أبرح: أي لا أترك، والبعض يظن أن لا أبرح تعني: لا أترك مكاني الذي أنا فيه، لكنها تعني: لا أترك ما أنا بصدده، فإنْ كنتُ قاعداً لا أترك القعود، وإنْ كنتُ ماشياً لا أترك المشي، وقد قال موسى ـ عليه السلام ـ هذا القول وهو يبتغي بين البحرين، ويسير متجهاً إليه، فيكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان حتى أبلغ مجمع البحرين.

وقد وردت مادة (برح) في قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: { فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ.. } [يوسف: 80] قالها كبيرهم بعد أن أخذ يوسف أخاه بنيامين ومنعه من الذهاب معهم، فهنا استحى الأخ الأكبر من مواجهة أبيه الذي أخذ عليهم العهد والميثاق أنْ يأتوا به ويُعيدوه إليه.

و " مجْمَع البحرين " أي: موضع التقائهما، حيث يصيران بحراً واحداً، كما يلتقي مثلاً دجلة والفرات في شَطِّ العرب.

وقوله: { أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً } [الكهف: 60]

الحُقُب: جمع حِقْبة، وهي الفترة الطويلة من الزمن، وقد قدَّروها بحوالي سبعين أو ثمانين سنة، فإذا كان أقل الجمع ثلاثة، فمعنى ذلك أن يسير موسى ـ عليه السلام ـ مائتين وعشرة سنين، على اعتبار أن الحِقْبة سبعون سنة.

ويكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان ولو سِرْتُ مائتين وعشرة سنين؛ لأن موسى عليه السلام كان مَشُوقاً إلى رؤية هذا الرجل الأعلم منه، كيف وهو النبي الرسول الذي أوحى الله إليه؛ لذلك أخبره ربه أن عِلْم هذا الرجل علم من لدنا، علم من الله لا من البشر.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا... }.


www.alro7.net