سورة
اية:

وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

نزلت هذه الآيات حين غلب الفرس (آخر ملوك الفرس الذي قتل زمن عثمان بن عفان هو: يزدجر بن شهريار، وهو الذي كتب له النبي صلى اللّه عليه وسلم يدعوه للإسلام، فمزق الكتاب، فدعا عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق) على بلاد الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، فاضطر ملك الروم حتى لجأ إلى القسطنطينية وحوصر فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل الكتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما إنهم سيغلبون)، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ألا جعلتها إلى دون العشر؟ ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله: { الم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} ""أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما"". حديث آخر: عن مسروق قال: قال عبد اللّه: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم ""أخرجاه في الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود موقوفاً"". وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: كانت فارس ظاهرة على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: { الم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين، قال: صدق، قالوا: هل لك أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين فمضت السبع، ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين فذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ما بضع سنين عندكم)؟ قالوا دون العشر، قال: (اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل) قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك وأنزل اللّه تعالى: { الم . غلبت الروم - إلى قوله تعالى - وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده} ""أخرجه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم والترمذي قريباً منه"". وقال عكرمة: لقي المشركون أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل اللّه تعالى: { الم . غلبت الروم في أدنى الأرض - إلى قوله - ينصر من يشاء} فخرج أبو بكر الصدّيق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن اللّه أعينكم، فواللّه ليظهرن اللّه الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى اللّه عليه وسلم، فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو اللّه، فقال: أناجيك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره فقال: (ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في خطر، ومادَّه في الأجل)، فخرج أبو بكر، فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك فغلبهم المسلمون. ولنتكلم على كلمات هذه الآيات الكريمات، فقوله تعالى: { الم . غلبت الروم} قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال لهم بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة، وهم الذين أسسوا دمشق وبنوا معبدها، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له قيصر ، فكان أول من دخل في دين النصارى من الروم قسطنطين ، وأمه مريم الهيلانية من أرض حران كانت قد تنصرت قبله فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفاً، فتابعها، واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد اللّه بن أريوس، واختلفوا اختلافاً كثيرا لا ينضبط، إلا أنه اتفق جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من تحريم وتحليل وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيّروا دين المسيح عليه السلام، وزادوا فيه ونقصوا منه، فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب، وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعياداً أحدثوها، كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين، وجعلوا له الباب وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساوسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال: إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أمه القيامة، وهؤلاء هم الملكية، يعنون الذين هم على دين الملك، ثم حدثت اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنهم افترقوا على اثنين وسبعين فرقة). والغرض أنهم استمروا على النصرانية كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم هرقل وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم وأبعدهم غوراً وأقصاهم رأياً، فتملك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كثيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وكانوا مجوساً يعبدون النار، فتقدم عن عكرمة أنه قال: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكسره وقصره حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه، ولم يقدر كسرى على فتح البلد ولا أمكنه ذلك لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك، ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع. وقوله تعالى: { للّه الأمر من قبل ومن بعد} أي من قبل ذلك ومن بعده، { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه} أي للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم، وقد ورد في الحديث عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به، وأنزل اللّه: { ويؤمئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} ""أخرجه الترمذي وابن أبي حاتم والبزار""، وقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية يروى هذا القول عن عكرمة والزهري وقتادة وغيرهم ، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك لأن الروم أهل كتاب في الجملة فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى - إلى قوله - ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} . وقال تعالى ههنا: { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} ، عن العلاء بن الزبير الكلابي عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم كل ذلك في خمس عشرة سنة ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وقوله تعالى: { وهو العزيز} أي في انتصاره وانتقامه من أعدائه، { الرحيم} بعباده المؤمنين، وقوله تعالى: { وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده} أي هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد من اللّه حق، وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه، لأن اللّه قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق ويجعل لها العاقبة، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي بحكم اللّه في كونه وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل، وقوله تعالى: { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم الغافلون} أي أكثر الناس ليس لهم علم الإ بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة، قال الحسن البصري: واللّه ليبلغ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم الغافلون} يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال.

تفسير الجلالين

{ وعد الله } مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل وعدهم الله النصر { لا يخلف الله وعده } به { ولكن أكثر الناس } أي كفار مكة { لا يعلمون } وعده تعالى بنصرهم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعْد اللَّه لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَعْد اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَعَدَ أَنَّ الرُّوم سَتَغْلِبُ فَارِس مِنْ بَعْد غَلَبَة فَارِس لَهُمْ . وَنُصِبَ { وَعْد اللَّه } عَلَى الْمَصْدَر مِنْ قَوْله { وَهُمْ مِنْ بَعْد غَلَبهمْ سَيَغْلِبُونَ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَعْد مِنْ اللَّه لَهُمْ أَنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَعَدَ اللَّه ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا . { لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفِي بِوَعْدِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الرُّوم سَيَغْلِبُونَ فَارِس , لَا يُخْلِفهُمْ وَعْده ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوَاعِيده خُلْف . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعْد اللَّه لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَعْد اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَعَدَ أَنَّ الرُّوم سَتَغْلِبُ فَارِس مِنْ بَعْد غَلَبَة فَارِس لَهُمْ . وَنُصِبَ { وَعْد اللَّه } عَلَى الْمَصْدَر مِنْ قَوْله { وَهُمْ مِنْ بَعْد غَلَبهمْ سَيَغْلِبُونَ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَعْد مِنْ اللَّه لَهُمْ أَنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَعَدَ اللَّه ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا . { لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفِي بِوَعْدِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الرُّوم سَيَغْلِبُونَ فَارِس , لَا يُخْلِفهُمْ وَعْده ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوَاعِيده خُلْف .' { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر قُرَيْش الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّ اللَّه مُنْجِز وَعْده الْمُؤْمِنِينَ , مِنْ أَنَّ الرُّوم تَغْلِب فَارِس , لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِي وَعْد اللَّه إِخْلَاف. { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر قُرَيْش الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّ اللَّه مُنْجِز وَعْده الْمُؤْمِنِينَ , مِنْ أَنَّ الرُّوم تَغْلِب فَارِس , لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِي وَعْد اللَّه إِخْلَاف.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وعد الله لا يخلف الله وعده} لأن كلامه صدق. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وهم الكفار وهم أكثر. وقيل : المراد مشركو مكة. وانتصب { وعد الله} على المصدر؛ أي وعد ذلك وعدا. ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} يعني أمر معايشهم ودنياهم : متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يغرسون وكيف يبنون؛ قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال الضحاك : هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها؛ والمعنى واحد. وقيل : هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل : الظاهر والباطن؛ كما قال في موضع آخر { أم بظاهر من القول} الرعد : 33]. قلت : وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال الحسن : بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي. وقال أبو العباس المبرد : قسم كسرى أيامه فقال : يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالويه : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. { وهم عن الآخرة} أي عن العلم بها والعمل لها { هم غافلون} قال بعضهم : ومن البلية أن ترى لك صاحبا ** في صورة الرجل السميع المبصر فطنٍ بكل مصيبة في ماله ** وإذا يصاب بدينه لم يشعر

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 1 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الوعد: هو الإخبار بما يسرُّ قبل أنْ يكون { لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ... } [الروم: 6] وفرْقٌ بين وعد الله ووعد الناس؛ لأنك قد تعد إنساناً بخير، وتحول الأسباب بينك وبين إنفاذ ما وعدتَ به، كأن يتغير رأيك أو تضعف إمكاناتك، أو يتغير السبب الذي كنت ستفعل من أجله.

إذن: أنت لا تملك عناصر الوفاء وأسبابه، أمّا وعد الحق سبحانه وتعالى فوعد محقق، حيث لا توجد قوة تُخرجه عما وعد، وهو سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما دام الوعد وعدَ الله فثِقْ أنه محقق.

لذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه:
{  وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ... }
[الكهف: 23-24] والمعنى: اجعل لنفسك مَخرجَاً من الكذب إنْ حالت الأسباب بينك وبين ما وعدتَ به، بأن تجعل أمرك تحت مشيئة ربك، لا مشيئتك، لأنك لا تملك من عناصر إتمام الفعل شيئاً.

إذن: أدرِكْ نفسك، وقُلْ إنْ شاء الله، حتى إذا حالتْ الأسباب بينك وبين ما أردتَ قلت: شِئْت، ولكن الله تعالى لم يشَأ.

والله تعالى لا يُخِلف وعده؛ لأنه سبحانه يعلم الأشياء على وَفْق ما تكون، ولا توجد قوة تُحوِّله عن مراده، وليس له شريك يراجعه، أو يُخرِجه عن مراده.

وإنْ شئت فاقرأ:
{  تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ }
[المسد: 1-5].

ألم يكُنْ من الممكن وقتها أنْ يُسلِم أبو لهب كما أسلم حمزة وعمر وخالد وعكرمة وغيرهم؟ أليست له حرية الاختيار كهؤلاء؟ بل ألم يسمع هذه السورة؟ ومع هذا كله كفر وأصرَّ على كفره، ولم ينطق بكلمة الإيمان، ولو حتى للكيد لرسول الله فيقول في نادي قريش ولو نفاقاً: قال محمد كذا وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. أليس هذا دليلاً على غبائه؟

إذن: ما دام أن القرآن أخبر فلا بُدَّ أن يتم الأمر على وَفْق ما أخبر به.

ونلحظ هنا أن كلمة الوعد تعني البشارة بالخير القادم في المستقبل والكلام هنا عن فريقين: فريق منتصر يفرح بالنصر، وفريق منهزم يحزن للهزيمة، فكيف يستقيم الوعد في حَقِّه؟ فالفرح للمؤمن غَمٍّ لغير المؤمن.

ولتوضيح هذه المسألة نذكر أن المستشرقين وقفوا عند قوله تعالى من سورة الرحمن:
{  خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
[الرحمن: 14-16]

وقالوا: هذا الكلام معقول بالخلق من نعم الله، لكن ماذا عن قوله:
{  يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
[الرحمن: 35-36] فأيُّ نعمة في النار وفي الشواظ؟

وفات هؤلاء أنه من النعمة أن ننبهك إلى الخطر قبل أنْ تقع فيه، ونحذرك من عاقبة الكفر لتنتهي عنه كالوالد الذي يقول لولده: إنْ أهملتَ دروسك ستفشل، وساعتها سأفعل بك كذا وكذا.

إذن: فذِكْر النار والعذاب نعمة لكل من خالف منهج الحق، فلعله حين يسمع الإنذار يعود ويرعوي.

وقوله تعالى: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [الروم:6] نفى عنهم العلم أي: ببواطن الأمور وحقيقتها.

ثم أخبر عنهم: { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ... }.


www.alro7.net