سورة
اية:

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات اللّه وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ، وقال: { ولا تحزن عليهم} ، وقال: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} ، باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} ""أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام في نفر من قريش، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه، وإنكارهم ما جاء به من الفضيلة، فأحزنه حزناً شديداً، فأنزل اللّه: { فعلك باخع نفسك على آثارهم} الآية""يعني القرآن، { أسفا} يقول: لا تهلك نفسك أسفاً، قال قتادة: قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم. وقال مجاهد: جزعاً، والمعنى متقارب أي: لا تأسف عليهم بل أبلغهم رسالة اللّه فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختيار لا دار قرار، فقال: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} . عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وذهابها، وخرابها، فقال تعالى: { وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا} أي وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً { صعيدا جرزا} لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال ابن عباس: يهلك كل شيء عليها ويبيد، وقال مجاهد { صعيدا جرزا} بلقعاً. وقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} ؟.

تفسير الجلالين

{ فلعلك باخع } مهلك { نفسك على آثارهم } بعدهم أي بعد توليهم عنك { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } القرآن { أسفا } غيظا وحزنا منك لحرصك على إيمانهم، ونصبه على المفعول له .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : فَلَعَلَّك يَا مُحَمَّد قَاتِل نَفْسك وَمُهْلِكهَا عَلَى آثَار قَوْمك الَّذِينَ قَالُوا لَك { لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } تَمَرُّدًا مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك فَيُصَدِّقُوا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه حُزْنًا وَتَلَهُّفًا وَوَجْدًا , بِإِدْبَارِهِمْ عَنْك , وَإِعْرَاضهمْ عَمَّا أَتَيْتهمْ بِهِ وَتَرْكهمْ الْإِيمَان بِك . يُقَال مِنْهُ : بَخَعَ فُلَان نَفْسه يَبْخَعهَا بَخْعًا وَبُخُوعًا ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : أَلَّا أَيُّهَذَا الْبَاخِع الْوَجْد نَفْسه لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِر يُرِيد : نَحَّتْهُ فَخُفِّفَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { بَاخِع } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17236 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك } يَقُول : قَاتِل نَفْسك . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : فَلَعَلَّك يَا مُحَمَّد قَاتِل نَفْسك وَمُهْلِكهَا عَلَى آثَار قَوْمك الَّذِينَ قَالُوا لَك { لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } تَمَرُّدًا مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك فَيُصَدِّقُوا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه حُزْنًا وَتَلَهُّفًا وَوَجْدًا , بِإِدْبَارِهِمْ عَنْك , وَإِعْرَاضهمْ عَمَّا أَتَيْتهمْ بِهِ وَتَرْكهمْ الْإِيمَان بِك . يُقَال مِنْهُ : بَخَعَ فُلَان نَفْسه يَبْخَعهَا بَخْعًا وَبُخُوعًا ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : أَلَّا أَيُّهَذَا الْبَاخِع الْوَجْد نَفْسه لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِر يُرِيد : نَحَّتْهُ فَخُفِّفَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { بَاخِع } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17236 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك } يَقُول : قَاتِل نَفْسك . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .' وَأَمَّا قَوْله : { أَسَفًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث غَضَبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17237 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } قَالَ : غَضَبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : جَزَعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { أَسَفًا } قَالَ : جَزَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17239 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَسَفًا } قَالَ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسَف فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَهَذِهِ مُعَاتَبَة مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَلَى وَجْده بِمُبَاعَدَةِ قَوْمه إِيَّاهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } يُعَاتِبهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ حِين فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ : أَيْ لَا تَفْعَل . وَأَمَّا قَوْله : { أَسَفًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث غَضَبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17237 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } قَالَ : غَضَبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : جَزَعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { أَسَفًا } قَالَ : جَزَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17239 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَسَفًا } قَالَ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسَف فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَهَذِهِ مُعَاتَبَة مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَلَى وَجْده بِمُبَاعَدَةِ قَوْمه إِيَّاهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } يُعَاتِبهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ حِين فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ : أَيْ لَا تَفْعَل . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فلعلك باخع نفسك على آثارهم} { باخع} أي مهلك وقاتل؛ وقد تقدم. { آثارهم} جمع أثر، ويقال إثر. والمعنى : على أثر توليهم وإعراضهم عنك. { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} أي القرآن. { أسفا} أي حزنا وغضبا على كفرهم؛ وانتصب على التفسير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 5 - 11

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومعنى: { بَاخِعٌ نَّفْسَكَ.. } [الكهف: 6] أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهاداً يُهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله؛ لأنه حَمّل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيُعرضوا ويتولَّوْا عنه فيُشيِّع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحِرْصه على هدايتهم يكاد يُهلك نفسه { أَسَفاً }.

والأسف: الحزن العميق، ومنه قَوْلُ يعقوب عليه السلام:
{  يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ.. }
[يوسف: 84] وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضباً من عبادتهم العجل:
{  فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً.. }
[طه: 86]

وقد حدّد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يُكلّفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق سبحانه: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا... }.


www.alro7.net