سورة
اية:

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه يسير لديه، بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: { أولم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} ، وقال ههنا: { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض وينكرون المعاد استبعاداً وكفراً وعناداً، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا، ثم قال تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون} أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار { قليلاً ما تتذكرون} أي ما أقل ما يتذكر كثير من الناس، ثم قال تعالى: { إن الساعة لآتية} أي لكائنة وواقعة، { لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها.

تفسير الجلالين

{ إن الساعة لآتية لا ريب } شك { فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ السَّاعَة لَآتِيَة لَا رَيْب فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ السَّاعَة الَّتِي يُحْيِي اللَّه فِيهَا الْمَوْتَى لِلثَّوَابِ وَالْعِقَاب لَجَائِيَة أَيّهَا النَّاس لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهَا ; يَقُول : فَأَيْقِنُوا بِمَجِيئِهَا , وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , وَمُجَازُونَ بِأَعْمَالِكُمْ , فَتُوبُوا إِلَى رَبّكُمْ { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر قُرَيْش لَا يُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ السَّاعَة لَآتِيَة لَا رَيْب فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ السَّاعَة الَّتِي يُحْيِي اللَّه فِيهَا الْمَوْتَى لِلثَّوَابِ وَالْعِقَاب لَجَائِيَة أَيّهَا النَّاس لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهَا ; يَقُول : فَأَيْقِنُوا بِمَجِيئِهَا , وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , وَمُجَازُونَ بِأَعْمَالِكُمْ , فَتُوبُوا إِلَى رَبّكُمْ { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر قُرَيْش لَا يُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فاصبر} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك { إن وعد الله حق} بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي : نسخ هذا بآية السيف. { واستغفر لذنبك} قيل : لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل : لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال : هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء؛ كما قال تعالى: { وآتنا ما وعدتنا} آل عمران : [194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل : فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} يعني صلاة الفجر وصلاة العصر؛ قال الحسن وقتادة. وقيل : هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. وقوله: { بحمد ربك} بالشكر له والثناء عليه. وقيل: { وسبح بحمد ربك} أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى: { إن الذين يجادلون} يخاصمون { في آيات الله بغير سلطان} أي حجة { أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} قال الزجاج : المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره : المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم أن اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل : اليهود؛ فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السور. والمعنى : إن تعظموا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فذلك كبر لا يبلغونه فنزلت الآية فيهم. قال أبو العالية وغيره. وقد تقدم في { آل عمران} أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب التذكرة. وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل : كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن؛ لأنه يعم. وقال مجاهد : معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل : المراد بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه. قوله تعالى: { فاستعذ بالله} قيل : من فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر الكفار. قيل : من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. { إنه هو السميع البصير} { هو} يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} مبتدأ وخبره. قال أبو العالية : أي أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام : هو احتجاج على منكري البعث؛ أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها؟. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي لا يعلمون ذلك. قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير} أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي ولا يستوي العامل للصالحات { ولا المسيء} الذي يعمل السيئات. { قليلا ما تتذكرون} قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: { إن الساعة لآتية} هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أول الكلام؛ لأنها توكيد الجملة إلا أنها تزحلق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول : إن عمرا لخارج؛ وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إن؛ لأنهما يؤديان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن عند البصريين. وأجاز هشام إن أن زيدا منطلق حق؛ فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من النحويين علمته؛ قاله النحاس. { لا ريب فيها} لا شك ولا مرية. { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 56 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يُذكِّرنا الحق سبحانه بهذه الحقيقة التي طالما تغيب عن الأذهان، وكان يجب عليكم ألاَّ تغفلوا عنها، لأن المسألة ليستْ مجرد علم بشيء، إنما المسألة أبعد من ذلك، إنه احتياط لما سيحدث ولما سيأتيكم.

{ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ } [غافر: 59] أي: القيامة { لاَّ رَيْبَ فِيهَا } [غافر: 59] لا شكَّ، وما دام أن الساعة آتية لا شكّ فيها فلا بدَّ أن نستعدّ لها، فلو كنتَ قد خُلقت وتُركتَ هكذا وانفلتَّ من الله لكانَ لك أنْ تفعل ما تشاء، لكن ماذا وأنت لك مرجع إلى ربك ومردٌّ إلى خالقك، وموقفٌ للحساب والجزاء؟ إذن: لا مفر لك من أن تحمي آخرتك، وهي الغاية العظمى التي ليس بعدها بعد.

وقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } [غافر: 59] أي: يعلمون هذه الحقائق أو يغفلون عنها، مع أن العقل المجرد لا بدَّ أنْ يهتدي ويعتقد بوجود الساعة والحساب والجزاء، لماذا؟ لأنك حين تنظر إلى الكون تجد المرتبط فيه بمنهج افعل ولا تفعل، ويسير وفْق هذا المنهج تجده مُؤدَّباً مع الكون مِنْ حوله لا يأتي منه فساد ولا تعدٍّ، وتجد المنحلَّ الذي انفلتَ من هذا المنهج مصدرَ إزعاج وفساد للكون من حوله، فهل يستويان في العقل مجرد العقل؟

هل يستوي المصلح والمفسد؟ مَنْ عربد في الكون وآذى خَلْق الله وأتعب الدنيا كلها ومَنْ أصلح الكون وأسعد الناس وأعانهم؟ ثم ألسْنَا في عملية التعليم نُجري للتلاميذ اختبارات آخر العام ونقول: هذا ناجح، وهذا راسب؟ ألسنا نضع في دنيانا قواعدَ للثواب والعقاب تقضي بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء؟

إذن: فلماذا ننكر الحساب يوم القيامة يوم يُجازي كُلٌّ بما عمل، حتى الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمبدأ الثواب والعقاب، وعندهم عقوبات على الجرائم ضد المجتمع لتأديب الخارجين على القانون، فإذا كنتَ في دنياك جعلتَ العقوبات وجرَّمت بعض الأفعال وعاقبتَ عليها لتستقيم حركة حياتك الدنيا، فلم تنكر هذا المبدأ مع الله في الآخرة؟

أيُعقل أن تكون حركة الناس جميعاً في الدنيا من أولها إلى آخرها متروكة هكذا دون حساب، دون ثواب للمحسن وعقاب للمسيء.

والله، لو كان الأمر كما يدَّعُون وينكرون فقد فاز المنحرفون المجرمون، وربح المخالفون الخارجون على القانون والدين، حيث فعلوا ما فعلوا، وظلموا ما ظلموا، وأفلتوا بجرائمهم، وما خسر في هذه الصفقة إلا المؤمنون والمستقيمون الذين ألزموا أنفسهم بمنهج دون فائدة.

وقوله تعالى: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } [غافر: 59].

يعني: أن المسألة ليستْ قائمة على العقل إنما على الإيمان، فلو تركتْ للعقل لقلنا ما قلناه الآن، لكن أمرَ الساعة قائمٌ على الإيمان والعقيدة، والذي يريد ألاَّ يرتبط بالإيمان وأنْ ينفلت من قيوده يريد ألاَّ يقيد حركته في الوجود بمنهج افعل ولا تفعل، يريد أن يكون حُرّا يسير في الحياة على هواه.

لذلك قلنا: إن الذين عبدوا الشجر والحجر عبدوها لأنها آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وهذه العبادة في معناها باطلة، لأن العبادةَ تعني: طاعة العابد لأمر المعبود، فهذه الآلهة التي تزعمونها بِمَ أمرتكم؟ وعمَّ نهتكم؟ ماذا أعدَّتْ لمن عبدها؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها؟

إذن: أنتم ما ارتضيتُم هذه الآلهة إلا لتسيروا في الحياة بلا قيود، وبلا تكاليف، وبلا منهج وبلا ضابط لشهواتكم.


www.alro7.net