سورة
اية:

كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي قد بينا لهم الحق ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق بغيره ويتبعوه، { ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} أي لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، ولهذا قال تعالى: { كذلك يطبع اللّه على قلوب الذين لا يعلمون . فاصبر إن وعد اللّه حق} أي اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن اللّه تعالى منجز لك ما وعدك، من نصره إياك عليهم، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي بل اثبت على ما بعثك اللّه به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، قال ابن أبي حاتم عن أبي يحيى: صلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} فأجابه علي رضي اللّه عنه وهو في الصلاة { فاصبر إن وعد اللّه حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير"". [ آخر تفسير سورة الروم ولله الحمد والمنة ]

تفسير الجلالين

{ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } التوحيد كما طبع على قلوب هؤلاء.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ يَطْبَع اللَّه عَلَى قُلُوب الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَلِكَ يَخْتِم اللَّه عَلَى قُلُوب الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَة مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ هَذِهِ الْعِبَر وَالْعِظَات , وَالْآيَات الْبَيِّنَات , فَلَا يَفْقَهُونَ عَنْ اللَّه حُجَّة , وَلَا يَفْهَمُونَ عَنْهُ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْ آي كِتَابه , فَهُمْ لِذَلِكَ فِي طُغْيَانهمْ يَتَرَدَّدُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ يَطْبَع اللَّه عَلَى قُلُوب الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَلِكَ يَخْتِم اللَّه عَلَى قُلُوب الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَة مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ هَذِهِ الْعِبَر وَالْعِظَات , وَالْآيَات الْبَيِّنَات , فَلَا يَفْقَهُونَ عَنْ اللَّه حُجَّة , وَلَا يَفْهَمُونَ عَنْهُ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْ آي كِتَابه , فَهُمْ لِذَلِكَ فِي طُغْيَانهمْ يَتَرَدَّدُونَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي من كل مثل يدلهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل. { ولئن جئتهم بآية} أي معجزة؛ كفلق البحر والعصا وغيرهما { ليقولن الذين كفروا إن أنتم} يقول الكفار إن أنتم يا معشر المؤمنين. { إلا مبطلون} أي تتبعون الباطل والسحر { كذلك} أي كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله فكذلك { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} أدلة التوحيد { فاصبر إن وعد الله حق} أي اصبر على أذاهم فإن الله ينصرك { ولا يستخفنك} أي لا يستفزنك عن دينك { الذين لا يوقنون} قيل : هو النضر بن الحارث. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ يقال : استخف فلان فلانا أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغّي. وهو في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة فبني على الفتح كما يبنى الشيئان إذا ضم أحدهما إلى الآخر. { الذين لا يوقنون} في موضع رفع، ومن العرب من يقول : الذون في موضع الرفع. وقد مضى في "الفاتحة".

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله سبحانه: { كَذَلِكَ... } [الروم: 59]. أي: كتكذيبهم لكل آية تأتيهم بها { كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [الروم: 59]. أي ختمها وأغلقها.

فإنْ قلتَ: فمن المصلحة أنْ تظل قلوبهم مفتوحة لعلها تستقبل شيئاً من الهداية والنور. نقول: الخَتْم على قلوب هؤلاء لا يكون إلا بعد استنفاد كل وسائل الدعوة، فلم يستجيبوا فلا أملَ في هدايتهم ولا جدوى من سماعهم.

والحق - سبحانه وتعالى - ربٌّ يعين عبده على ما يحب ويلبي له رغبته، حتى وإنْ كانت الكفر، وهؤلاء أرادوا الكفر وأحبوه، فأعانهم الله على ما أرادوا، وختم على قلوبهم حتى لا يدخلها إيمان، ولا يفارقها كفر.

لذلك سبق أنْ حذَّرنا أصحاب المصائب، أو الذين يفقدون عزيزاً، حذرناهم أنْ يستديموا الحزن، وأنْ يألفوه مخافة أنْ يوافقكم الله على هواكم في محبة الحزن وعِشْقه، فتتوالى عليكم الأحزان وتتتابع المصائب، إياكم ان تدعوا باب الحزن موارباً، بل أغلقوه بمسمار الرضا، فالحزن إنْ ظلَّ بك فلن يدعَ لك حبيباً.

وكذلك نقول: إن شُغل عنك شخص فلا تُذكِّره بنفسك، بل أَعِنْهُ على هجرك، وساعده بألاَّ تذكره.

فإذا قلتَ: إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون، فلماذا يختم على قلوبهم، ولماذا يحاسبهم؟ نقول: لأن عدم العلم نتيجة تقصيرهم، فالحق سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى، فلم ينظروا في هذه الآيات ولم يستدلوا بالأدلة على وجود الخالق القادر سبحانه، وضرورة البلاغ من الله، إذن: فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم.

لكن، ماذا بعد أنْ كذَّبوا الرسل وأنكروا الآيات، أتتوقف مسيرة الدعوة، لأنهم صَمُّوا آذانهم عنها؟ لقد خلق الله الكون ونثر فيه الآيات التي تدل على وجود الإله الواحد الأحد، وجعل فيه المعجزات التي تثبت صِدْق الرسُل في البلاغ عن الله، والحق سبحانه لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأن مُلْكِه تعالى لا يزيد بطاعتنا، ولا ينقص بمعاصينا، فالمسألة تعود إلينا نحن أولاً وآخراً، إذن: فالحسم في هذه المسألة: دَعْكَ من هؤلاء المكذَّبين يا محمد، واتبُتْ على ما أنت عليه.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ... }.


www.alro7.net