سورة
اية:

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى معرِّضا بأهل مكة: { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي طغت وأشرت، وكفرت نعمة اللّه فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال: { وضرب اللّه مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان - إلى قوله - فأخذهم العذاب وهم ظالمون} ، ولهذا قال تعالى: { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم، وقوله تعالى: { وكنا نحن الوارثين} أي رجعت خراباً ليس فيها أحد، ثم قال تعالى مخبراً عن عدله، وأنه لا يهلك أحداً ظالماً له، وإنما بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة { رسولاً يتلو عليهم آياتنا} فيه دلالة على أن النبي الأمي رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: { لتنذر أم القرى ومن حولها} ، وقال تعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا} ، وتمام الدليل قوله تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديداً} الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها، وثبت في الصحيحين عنه صلوات اللّه عليه وسلامه عليه أنه قال: (بعثت إلى الأحمر والأسود) ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة، وقيل المراد بقوله: { حتى يبعث في أمها رسولا} أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم . حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما وليس ببعيد كما قال ابن كثير .

تفسير الجلالين

{ وما كان ربك مهلك القرى } بظلم منها { حتى يبعث في أمها } أي أعظمها { رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } بتكذيب الرسل.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا كَانَ رَبّك } يَا مُحَمَّد { مُهْلِك الْقُرَى } الَّتِي حَوَالَيْ مَكَّة فِي زَمَانك وَعَصْرك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا كَانَ رَبّك } يَا مُحَمَّد { مُهْلِك الْقُرَى } الَّتِي حَوَالَيْ مَكَّة فِي زَمَانك وَعَصْرك .' يَقُول : حَتَّى يَبْعَثَ فِي مَكَّة رَسُولًا , وَهِيَ أُمّ الْقُرَى , يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَات كِتَابنَا , وَالرَّسُول : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20979 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى يَبْعَث فِي أُمّهَا رَسُولًا } وَأُمّ الْقُرَى مَكَّة , وَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ رَسُولًا : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَقُول : حَتَّى يَبْعَثَ فِي مَكَّة رَسُولًا , وَهِيَ أُمّ الْقُرَى , يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَات كِتَابنَا , وَالرَّسُول : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20979 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى يَبْعَث فِي أُمّهَا رَسُولًا } وَأُمّ الْقُرَى مَكَّة , وَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ رَسُولًا : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ' وَقَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } يَقُول : وَلَمْ نَكُنْ لِنُهْلِك قَرْيَة وَهِيَ بِاَللَّهِ مُؤْمِنَة إِنَّمَا نُهْلِكهَا بِظُلْمِهَا أَنْفُسهَا بِكُفْرِهَا بِاَللَّهِ , وَإِنَّمَا أَهْلَكْنَا أَهْل مَكَّة بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَظُلْم أَنْفُسهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20980 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } قَالَ اللَّه : لَمْ يُهْلِك قَرْيَة بِإِيمَانٍ , وَلَكِنَّهُ يُهْلِك الْقُرَى بِظُلْمٍ إِذَا ظَلَمَ أَهْلهَا , وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ لَمْ يَهْلِكُوا مَعَ مَنْ هَلَكَ , وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا وَظَلَمُوا , فَبِذَلِكَ أُهْلِكُوا . وَقَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } يَقُول : وَلَمْ نَكُنْ لِنُهْلِك قَرْيَة وَهِيَ بِاَللَّهِ مُؤْمِنَة إِنَّمَا نُهْلِكهَا بِظُلْمِهَا أَنْفُسهَا بِكُفْرِهَا بِاَللَّهِ , وَإِنَّمَا أَهْلَكْنَا أَهْل مَكَّة بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَظُلْم أَنْفُسهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20980 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } قَالَ اللَّه : لَمْ يُهْلِك قَرْيَة بِإِيمَانٍ , وَلَكِنَّهُ يُهْلِك الْقُرَى بِظُلْمٍ إِذَا ظَلَمَ أَهْلهَا , وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ لَمْ يَهْلِكُوا مَعَ مَنْ هَلَكَ , وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا وَظَلَمُوا , فَبِذَلِكَ أُهْلِكُوا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى} أي القرى الكافر أهلها. { حتى يبعث في أمها} قرئ بضم الهمزة وكسرها لإتباع الجر يعني مكة. و { رسولا} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وقيل { في أمها} يعني في أعظمها { رسولا} ينذرهم. وقال الحسن : في أوائلها. قلت : ومكة أعظم القرى لحرمتها وأولها، لقوله { إن أول بيت وضع للناس} آل عمران 96 وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها؛ لأن الرسل تبعث إلى الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أم ما حولها. وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة "يوسف" . قوله تعالى: { يتلو عليهم آياتنا} { يتلو} في موضع الصفة أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} { وما كنا مهلكي القري} سقطت النون للإضافة مثل { ظالمي أنفسهم} النساء 97 أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال عز من قائل { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} هود 117 فنص في قوله { بظلم} هود 117 على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما لهم منه، وإن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دل على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال { وما كان الله ليضيع إيمانكم} البقرة 143 قوله تعالى: { وما أوتيتم من شيء} يا أهل مكة { فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} أي تتمتعون بها مدة حياتكم، أو مدةً في حياتكم، فإما أن تزولوا عنها أو تزول عنكم. { وما عند الله خير وأبقى} أي أفضل وأدوم، يريد الدار الآخرة وهي الجنة. { أفلا تعقلون} أن الباقي أفضل من الفاني قرأ أبو عمرو { يعقلون} بالياء الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار لقوله { وما أو تيتم} . قوله { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه} يعني الجنة وما فيها من الثواب. { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} فأعطي منها بعض ما أراد. { ثم هو يوم القيامة من المحضرين} أي في النار ونظيره قوله { ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} الصافات 57 . قال ابن عباس : نزلت في حمزة بن عبدالمطلب، وفي أبي جهل بن هشام وقال مجاهد : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وقال محمد بن كعب. نزلت في حمزة وعلي، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد وقيل : في عمار والوليد بن المغيرة؛ قاله السدي قال القشيري : والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم الثعلبي : وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 57 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: لا بُدَّ أن نُعْلِم بالمنهج، ويأتي رسول يقول: افعل كذا، ولا تفعل كذا، حتى إذا حَلَّ العذاب بالكافرين يكون بالعدْل، وبعد إلزامهم الحجة، لا أنْ نترك الناس يذنبون، ثم نقول لهم: هذا حرام.

وسبق أنْ قُلْنا ما قاله القانون: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصًّ، ولا نصَّ بإعلام. وما كان الله ليهلك قرية ظلماً، إنما عقوبةً لهم على ما فعلوا.

والقرية لها تسلسل فنقول: (نَجْع) وهو المكان الذي تسكنه أسرة واحدة، و (كَفْر) لعدة أسر، ثم (قرية) ثم (أم القرى) وهي الحضر أو العاصمة، وقد نزل القرآن في أمة مُتبدية، تعيش على الترحال، وتقيم في الخيام تتنقل بها بين منابت الكلأ، فقالوا (أم القرى) للمكان الذي تجد به القرى، وتتوفر فيه من مقومات الحياة ما لا يوجد في النجوع والكفور والقرى الصغيرة، كما يعيش الآن أهل الريف على قضاء حوائجهم من (البندر)، كأنّ أُمّ القرى لها حنان، يشمل صغار البلاد حولها.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ... }.


www.alro7.net