سورة
اية:

وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ

تفسير بن كثير

يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة اللّه ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة اللّه التي بعثني بها، { ويستخلف ربي قوما غيركم} يعبدونه وحده ولا يشركون به ولا يبالي بكم فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم، { إن ربي على كل شيء حفيظ} أي شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، { ولما جاء أمرنا} وهو الريح العقيم أهلكهم اللّه عن آخرهم ونجى هوداً وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه، { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} كفروا بها وعصوا رسل اللّه وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، فنّزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل { واتبعوا أمر كل جبار عنيد} تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد، فلهذا اتبعوا في هذه الدنيا لعنة كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد { ألا إن عادا كفروا ربهم} الآية، قال السدُّي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.

تفسير الجلالين

{ قيل يا نوح اهبط } انزل من السفينة { بسلام } بسلامة أو بتحية { منا وبركات } خيرات { عليك وعلى أمم ممن معك } في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون { وأمم } بالرفع ممن معك { سنمتعهم } في الدنيا { ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم } في الآخرة وهم الكفار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ عَاد جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَعَصَوْا رُسُله وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْلَلْنَا بِهِمْ نِقْمَتنَا وَعَذَابنَا عَاد , جَحَدُوا بِأَدِلَّةِ اللَّه وَحُجَجه , وَعَصَوْا رُسُله الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيده وَاتِّبَاع أَمْره , { وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } يَعْنِي كُلّ مُسْتَكْبِر عَلَى اللَّه , حَائِد عَنْ الْحَقّ لَا يُذْعِن لَهُ وَلَا يَقْبَلهُ , يُقَال مِنْهُ : عَنَدَ عَنْ الْحَقّ فَهُوَ يَعْنِد عُنُودًا , وَالرَّجُل عَانِد وَعَنُود , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِر فَلَا يُرْقَأ : عِرْق عَانِد : أَيْ ضَارّ , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : إِنِّي كَبِير لَا أُطِيق الْعُنَّدَا 14110 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } الْمُشْرِك الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ عَاد جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَعَصَوْا رُسُله وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْلَلْنَا بِهِمْ نِقْمَتنَا وَعَذَابنَا عَاد , جَحَدُوا بِأَدِلَّةِ اللَّه وَحُجَجه , وَعَصَوْا رُسُله الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيده وَاتِّبَاع أَمْره , { وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } يَعْنِي كُلّ مُسْتَكْبِر عَلَى اللَّه , حَائِد عَنْ الْحَقّ لَا يُذْعِن لَهُ وَلَا يَقْبَلهُ , يُقَال مِنْهُ : عَنَدَ عَنْ الْحَقّ فَهُوَ يَعْنِد عُنُودًا , وَالرَّجُل عَانِد وَعَنُود , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِر فَلَا يُرْقَأ : عِرْق عَانِد : أَيْ ضَارّ , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : إِنِّي كَبِير لَا أُطِيق الْعُنَّدَا 14110 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد } الْمُشْرِك '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏وإلى عاد أخاهم هودا‏} ‏ أي وأرسلنا، فهو معطوف على { ‏أرسلنا نوحا‏} ‏‏.‏ وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم؛ كما تقول‏:‏ يا أخا تميم‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم؛ وقد تقدم هذا في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ وكانوا عبدة الأوثان‏.‏ وقيل‏:‏ هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى؛ وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى: ‏ { ‏إرم ذات العماد‏} ‏ [الفجر‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وعاد اسم رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه‏.‏ ‏ { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ بالخفض على اللفظ، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالرفع على الموضع، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالنصب على الاستثناء‏.‏ ‏ { ‏إن أنتم إلا مفترون‏} ‏ أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به فيثقل عليكم، أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ والفطرة ابتداء الخلق‏.‏ ‏ { ‏أفلا تعقلون‏} ‏ ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏} ‏ تقدم في أول السورة‏.‏ ‏ { ‏يرسل السماء‏} ‏ جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة‏.‏ ‏ { ‏عليكم مدرارا‏} ‏ نصب على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا؛ والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب؛ وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد جاء ههنا من فعل؛ لأنه من درت السماء تدِر وتدُر فهي مدرار‏.‏ وكان قوم هود - أعني عادا - أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدم في ‏ { الأعراف‏} ‏‏.‏ { ‏ويزدكم‏} ‏ عطف على يرسل‏.‏ ‏ { ‏قوة إلى قوتكم‏} ‏ قال مجاهد‏:‏ شدة على شدتكم‏.‏ الضحاك‏.‏ خصبا إلى خصبكم‏.‏ علي بن عيسى‏:‏ عزا على عزكم‏.‏ عكرمة‏:‏ ولدا إلى ولدكم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله حبس عنهم المطر وأعقم الأرحام ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد؛ فقال لهم هود‏:‏ إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد؛ فتلك القوة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى يزدكم قوة في النعم‏.‏ ‏ { ‏ولا تتولوا مجرمين‏} ‏ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر قوله تعالى: ‏ { ‏قالوا يا هود ما جئتنا ببينة‏} ‏ أي حجة واضحة‏.‏ ‏ { وما نحن لك بمؤمنين‏} ‏ إصرارا منهم على الكفر‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏إن نقول إلا اعتراك‏} ‏ أي أصابك‏.‏ ‏ { ‏بعض آلهتنا‏} ‏ أي أصنامنا‏.‏ ‏ { ‏بسوء‏} ‏ أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره‏.‏ يقال‏:‏ عراه الأمر واعتراه إذا ألم به‏.‏ ومنه ‏ { ‏وأطعموا القانع والمعتر‏} [‏الحج‏:‏ 36‏]‏‏.‏ ‏ { ‏قال إني أشهد الله‏} ‏ أي على نفسي‏.‏ ‏ { واشهدوا‏} ‏ أي وأشهدكم؛ لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير؛ أي لتعرفوا ‏ { ‏أني بريء مما تشركون‏} ‏ أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها‏.‏ ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏ أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري‏.‏ ‏ { ‏ثم لا تنظرون‏} ‏ أي لا تؤخرون‏.‏ وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى‏.‏ وهو من أعلام النبوة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏‏.‏ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش‏.‏ وقال نوح صلى الله عليه وسلم ‏ { ‏فاجمعوا أمركم وشركاءكم‏} [‏يونس‏:‏ 71‏]‏ الآية‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏إني توكلت على الله ربي وربكم‏} ‏ أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره‏.‏ ‏ { ‏ما من دابة‏} ‏ أي نفس تدب على الأرض؛ وهو في موضع رفع بالابتداء‏.‏ ‏ { ‏إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء؛ أي فلا تصلون إلى ضري‏.‏ وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة؛ والهاء للمبالغة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مالكها، والقادر عليها‏.‏ وقال القتبي‏:‏ قاهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يحييها ثم يميتها؛ والمعنى متقارب‏.‏ والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس‏.‏ ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ إنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع؛ فيقولون‏.‏ ما ناصية فلان إلا بيد فلان؛ أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء‏.‏ وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه؛ فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم‏.‏ وقال، الترمذي الحكيم في ‏ { ‏نوادر الأصول‏} ‏ ‏ { ‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير‏.‏ وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة‏)‏‏.‏ ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال‏: { ‏فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون‏.‏ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدر؛ فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال‏: { ‏ناصية كاذبة خاطئة‏} ‏ [العلق‏:‏ 16‏]‏ يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة؛ فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏ { ‏إن ربي على صراط مستقيم‏} ‏ قال النحاس‏:‏ الصراط في اللغة المنهاج الواضح؛ والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏فإن تولوا‏} ‏ في موضع جزم؛ فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين‏.‏ ‏ { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم‏} ‏ بمعنى قد بينت لكم‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف ربي قوما غيركم‏} ‏ أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع؛ أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: ‏ { ‏فقد أبلغتكم‏} ‏‏.‏ وروي عن حفص عن عاصم ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها؛ مثل‏ { ‏ويذرهم في طغيانهم يعمهون‏} [‏الأعراف‏:‏ 186‏]‏‏.‏ ‏} ‏ولا تضرونه شيئا‏} ‏ أي بتوليكم وإعراضكم‏.‏ ‏ { إن ربى على كل شيء حفيظ‏} ‏ أي لكل شيء حافظ‏.‏ ‏ { على‏} ‏ بمعنى اللام؛ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏ولما جاء أمرنا‏} ‏ أي عذابنا بهلاك عاد‏.‏ ‏ { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا‏} ‏ لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة‏.‏ وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لن ينجي أحدا منكم عمله‏.‏ قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏ { ‏برحمة منا‏} ‏ بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة‏.‏ وكانوا أربعة آلاف‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف‏.‏ ‏ { ونجيناهم من عذاب غليظ‏} ‏ أي عذاب يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ هو الريح العقيم كما ذكر الله في ‏ { ‏الذاريات‏} ‏ وغيرها وسيأتي‏.‏ قال القشيري أبو نصر‏:‏ والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه؛ نعم‏!‏ لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏وتلك عاد‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف ‏ { عادا‏} ‏ فيجعله اسما للقبيلة‏.‏ ‏ { ‏جحدوا بآيات ربهم‏} ‏ أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها‏.‏ ‏} ‏وعصوا رسله‏} ‏ يعني هودا وحده؛ لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه‏.‏ ونظيره قوله تعالى‏: { ‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات‏} [‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه؛ وإنما جمع ههنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل‏.‏ وقيل‏:‏ عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل‏.‏ ‏ { ‏واتبعوا أمر كل جبار عنيد‏} ‏ أي اتبع سقاطهم رؤساءهم‏.‏ والجبار المتكبر‏.‏ والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند‏.‏ وقال الراجز‏:‏ إني كبير لا أطيق العُنَّدا ** قوله تعالى: ‏ { ‏وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة‏} ‏ أي ألحقوها‏.‏ ‏ { ويوم القيامة‏} ‏ أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك؛ فالتمام على قوله: ‏ { ‏ويوم القيامة‏} ‏‏.‏ ‏ { ألا إن عادا كفروا ربهم‏} ‏ قال: الفراء‏:‏ أي كفروا نعمة ربهم؛ قال‏:‏ ويقال كفرته وكفرت به، مثل شكرته وشكرت له‏.‏ ‏ { ألا بعدا لعاد قوم هود‏} ‏ أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله‏.‏ والبعد الهلاك والبعد التباعد من الخير‏.‏ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد‏.‏ وبعد يبعد بعدا إذا هلك؛ قال‏:‏ لا يبعدن قومي الذين هم ** سم العداة وآفة الجزر وقال النابغة‏:‏ فلا تبعدن إن المنية منهل ** وكل امرئ يوما به الحال زائل

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 52 - 59


سورة هود الايات 59 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و " تلك " إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد؛ لأن الإشارة هنا لمؤنث، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى.

وهكذا فصل بين " عاد " المكان، و " عاد " المكين، وهم قوم عاد؛ لذلك قال سبحانه { جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } [هود: 59] فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم.

و " عاد " إما أن تطلق على المكان والمحل، وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان، فإذا أشار سبحانه بـ { تِلْكَ } فهي إشارة إلى الديار، والديار لم تجحد بآيات الله؛ ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى:

{ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } [هود: 59].

والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان.

والآيات ـ كما نعلم ـ جمع آية، وهي الأمور العجيبة الملفتة للنظر التفاتاً يوحي بإيمان بما تنص عليه.

ومن الآيات ما يدل على قمة العقيدة، وهو الإيمان بواجب الوجود؛ بالله الرب الخالق الحكيم القادر سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر، ورؤية الأرض خاشعة إلى آخر تلك الآيات التي في القمة.

وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن يخبر أنه جاء رسولاً من عند الله تعالى، وهي المعجزات.

وآيات أخرى فيها الأحكام التي يريدها الله سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه.

وقوم عاد جحدوا بكل هذه الآيات؛ جحدوا الإيمان، وجحدوا تصديق الرسول بالمعجزة، وأهملوا وتركوا منهج الله جحوداً بإعراض.

لذلك يقول الحق سبحانه:

{ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } [هود: 59].

وهود عليه السلام هو الذي أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد، فهل هو المعنيُّ بالعصيان هنا؟

نقول: لا؛ لأن الله عز وجل قال:


{  وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ }
[آل عمران: 81].

إذن: فكل أمة من الأمم عندها بلاغ من رسولها بأن تصدق أخبار كل رسول يُرسَل.

ولذلك قال الحق سبحانه:


{  كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ }
[البقرة: 285].

فهم قد انقسموا إلى قسمين؛ لأن الحق سبحانه يقول:

{ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } [هود: 59].

أي: أن هناك مُتَّبِعاً، ومُتَّبَعاً.

والمقصود بالجبار العنيد هم قمم المجتمع، سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا الجبابرة.

ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفِرَق الضالة، فهو يتكلم أيضاً عن الفرق المضلة، فهناك ضالٌّ في ذاته، وهناك مُضِلٌّ لغيره.

والمضل لغيره عليه وزران: وزر ضلالة في ذاته، ووزر إضلال غيره.

أما الذين اتَّبعوا فلهم بعض العذر؛ لأنهم اتَّبعوا بالجبروت والقهر، لا بالإقناع والبينة.

وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية، فيتحدث عن الفئة التي ضلت في ذاتها ويقول:


{  وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }
[البقرة: 78].

ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول:


{  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً }
[البقرة: 79].

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً }


www.alro7.net