سورة
اية:

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ

تفسير بن كثير

ثم أقسم الخليل قسماً أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم، أي ليحرضن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين أي إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه، قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع فيقولون: مه، فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم، قال: { تاللّه لأكيدن أصنامكم} ، فسمعه أولئك. وقال ابن إسحاق، عن عبد اللّه قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم وقد كان بالأمس قال: { تاللّه لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} فسمعه ناس منهم، وقوله: { فجعلهم جذاذا} أي حطاماً كسرها كلها { إلا كبيرا لهم} يعني إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: { فراغ عليهم ضربا باليمين} ، وقوله: { لعلهم إليه يرجعون} ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} ؟ أي حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم، من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} أي في صنيعه هذا، { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} أي قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم { سمعنا فتى} أي شاباً يذكرهم يقال له إبراهيم. عن ابن عباس قال: ما بعث اللّه نبياً إلا شاباً ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وقوله: { قالوا فأتوا به على أعين الناس} أي على رءوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحضرة الناس كلهم، هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم، في عبادة الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضراً ولا تملك لها نصراً، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا} يعني الذي تركه لم يكسره، { فاسألوهم إن كانوا ينطقون} ، وإنما أراد بهذا أن يبادورا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات اللّه، قوله: { بل فعله كبيرهم هذا} ، وقوله: { إني سقيم} . قال: وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة إذ نزل منزلاً، فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاءه، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي، قال: فاذهب فأرسل بها إليّ، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب اللّه، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها فأُخِذَ أخذاً شديداً، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فتناولها، فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي اللّه فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتيني بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته وقال: مَهْيَم مَهْيَم: كلمة استفهام معناها: ما الخبر، ماذا حدث لك ، قالت: كفى اللّه كيد الكافر الفاجر فأخدمني هاجر(، قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء ""أخرجه الشيخان عن أبي هريرة"".

تفسير الجلالين

{ فجعلهم } بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم { جُذاذاً } بضم الجيم وكسرها: فتاتاً بفأس { إلا كبيراً لهم } علق الفأس في عنقه { لعلهم إليه } أي إلى الكبير { يرجعون } فيرون ما فعل بغيره .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار سِوَى يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ : { فَجَعَلَهُمْ جِذَاذًا } بِمَعْنَى جَمْع جَذِيذ , كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ جَمْع جَذِيذ وَجِذَاذ , كَمَا يُجْمَع الْخَفِيف خِفَاف , وَالْكَرِيم كِرَام . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { جُذَاذًا } بِضَمِّ الْجِيم , لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ , وَأَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ الصَّوَاب ; وَهُوَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مَصْدَر مِثْل الرُّفَات , وَالْفُتَات , وَالدُّقَاق ; لَا وَاحِد لَهُ , وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ الْجِيم فَإِنَّهُ جَمْع لِلْجَذِيذِ , وَالْجَذِيذ : هُوَ فَعِيل صُرِفَ مِنْ مَجْذُوذ إِلَيْهِ , مِثْل كَسِير وَهَشِيم , وَالْمَجْذُوذَة : الْمَكْسُورَة قِطَعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18594 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } يَقُول : حُطَامًا . 18595 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { جُذَاذًا } كَالصَّرِيمِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18596 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } : أَيْ قِطَعًا . وَكَانَ سَبَب فِعْل إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ بِآلِهَةِ قَوْمه ذَلِكَ , كَمَا : 18597 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا إِبْرَاهِيم إِنَّ لَنَا عِيدًا لَوْ قَدْ خَرَجْت مَعَنَا إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَك دِيننَا ! فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعِيد , فَخَرَجُوا إِلَيْهِ , خَرَجَ مَعَهُمْ إِبْرَاهِيم , فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيق أَلْقَى نَفْسه وَقَالَ : إِنِّي سَقِيم , يَقُول : أَشْتَكِي رِجْلِي . فَتَوَاطَئُوا رِجْلَيْهِ وَهُوَ صَرِيع ; فَلَمَّا مَضَوْا نَادَى فِي آخِرهمْ , وَقَدْ بَقِيَ ضَعْفَى النَّاس : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ بَعْد أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } فَسَمِعُوهَا مِنْهُ . ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم إِلَى بَيْت الْآلِهَة , فَإِذَا هُنَّ فِي بَهْو عَظِيم , مُسْتَقْبِل بَاب الْبَهْو صَنَم عَظِيم إِلَى جَنْبه أَصْغَر مِنْهُ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , كُلّ صَنَم يَلِيه أَصْغَر مِنْهُ , حَتَّى بَلَغُوا بَاب الْبَهْو , وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا , فَوَضَعُوهُ بَيْن أَيْدِي الْآلِهَة , قَالُوا : إِذَا كَانَ حِين نَرْجِع رَجَعْنَا وَقَدْ بَارَكَتْ الْآلِهَة فِي طَعَامنَا فَأَكَلْنَا . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيم وَإِلَى مَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الطَّعَام { قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ } ؟ 51 27 فَلَمَّا لَمْ تُجِبْهُ , قَالَ : { مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } 37 92 : 93 فَأَخَذَ فَأْس حَدِيد , فَنَقَرَ كُلّ صَنَم فِي حَافَّتَيْهِ , ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُق الصَّنَم الْأَكْبَر , ثُمَّ خَرَجَ . فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْم إِلَى طَعَامهمْ نَظَرُوا إِلَى آلِهَتهمْ { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } . وَقَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار سِوَى يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ : { فَجَعَلَهُمْ جِذَاذًا } بِمَعْنَى جَمْع جَذِيذ , كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ جَمْع جَذِيذ وَجِذَاذ , كَمَا يُجْمَع الْخَفِيف خِفَاف , وَالْكَرِيم كِرَام . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { جُذَاذًا } بِضَمِّ الْجِيم , لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ , وَأَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ الصَّوَاب ; وَهُوَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مَصْدَر مِثْل الرُّفَات , وَالْفُتَات , وَالدُّقَاق ; لَا وَاحِد لَهُ , وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ الْجِيم فَإِنَّهُ جَمْع لِلْجَذِيذِ , وَالْجَذِيذ : هُوَ فَعِيل صُرِفَ مِنْ مَجْذُوذ إِلَيْهِ , مِثْل كَسِير وَهَشِيم , وَالْمَجْذُوذَة : الْمَكْسُورَة قِطَعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18594 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } يَقُول : حُطَامًا . 18595 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { جُذَاذًا } كَالصَّرِيمِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18596 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } : أَيْ قِطَعًا . وَكَانَ سَبَب فِعْل إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ بِآلِهَةِ قَوْمه ذَلِكَ , كَمَا : 18597 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا إِبْرَاهِيم إِنَّ لَنَا عِيدًا لَوْ قَدْ خَرَجْت مَعَنَا إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَك دِيننَا ! فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعِيد , فَخَرَجُوا إِلَيْهِ , خَرَجَ مَعَهُمْ إِبْرَاهِيم , فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيق أَلْقَى نَفْسه وَقَالَ : إِنِّي سَقِيم , يَقُول : أَشْتَكِي رِجْلِي . فَتَوَاطَئُوا رِجْلَيْهِ وَهُوَ صَرِيع ; فَلَمَّا مَضَوْا نَادَى فِي آخِرهمْ , وَقَدْ بَقِيَ ضَعْفَى النَّاس : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ بَعْد أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } فَسَمِعُوهَا مِنْهُ . ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم إِلَى بَيْت الْآلِهَة , فَإِذَا هُنَّ فِي بَهْو عَظِيم , مُسْتَقْبِل بَاب الْبَهْو صَنَم عَظِيم إِلَى جَنْبه أَصْغَر مِنْهُ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , كُلّ صَنَم يَلِيه أَصْغَر مِنْهُ , حَتَّى بَلَغُوا بَاب الْبَهْو , وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا , فَوَضَعُوهُ بَيْن أَيْدِي الْآلِهَة , قَالُوا : إِذَا كَانَ حِين نَرْجِع رَجَعْنَا وَقَدْ بَارَكَتْ الْآلِهَة فِي طَعَامنَا فَأَكَلْنَا . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيم وَإِلَى مَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الطَّعَام { قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ } ؟ 51 27 فَلَمَّا لَمْ تُجِبْهُ , قَالَ : { مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } 37 92 : 93 فَأَخَذَ فَأْس حَدِيد , فَنَقَرَ كُلّ صَنَم فِي حَافَّتَيْهِ , ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُق الصَّنَم الْأَكْبَر , ثُمَّ خَرَجَ . فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْم إِلَى طَعَامهمْ نَظَرُوا إِلَى آلِهَتهمْ { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } . ' وَقَوْله : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } يَقُول : إِلَّا عَظِيمًا لِلْآلِهَةِ , فَإِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَكْسِرهُ , وَلَكِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18598 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَّا عَظِيمًا لَهُمْ عَظِيم آلِهَتهمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : وَجَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تَرَكَ . 18599 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : جَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تُرِكَ . 18600 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ثُمَّ جَعَلَ يَكْسِرهُنَّ بِفَأْسٍ فِي يَده , حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَم صَنَم مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْس بِيَدِهِ , ثُمَّ تَرَكَهُنَّ . فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمه , رَأَوْا مَا صَنَعَ بِأَصْنَامِهِمْ , فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُوهُ وَقَالُوا : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ ! وَقَوْله : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } يَقُول : إِلَّا عَظِيمًا لِلْآلِهَةِ , فَإِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَكْسِرهُ , وَلَكِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18598 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَّا عَظِيمًا لَهُمْ عَظِيم آلِهَتهمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : وَجَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تَرَكَ . 18599 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : جَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تُرِكَ . 18600 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ثُمَّ جَعَلَ يَكْسِرهُنَّ بِفَأْسٍ فِي يَده , حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَم صَنَم مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْس بِيَدِهِ , ثُمَّ تَرَكَهُنَّ . فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمه , رَأَوْا مَا صَنَعَ بِأَصْنَامِهِمْ , فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُوهُ وَقَالُوا : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ ! ' وَقَوْله { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } يَقُول : فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيم بِآلِهَتِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْفَع عَنْ نَفْسهَا مَا فَعَلَ بِهَا إِبْرَاهِيم , فَهِيَ مِنْ أَنْ تَدْفَع عَنْ غَيْرهَا مِنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ أَبْعَد , فَيَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَتهَا إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دِينه وَتَوْحِيد اللَّه وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18601 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } قَالَ : كَادَهُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أَوْ يُبْصِرُونَ . وَقَوْله { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } يَقُول : فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيم بِآلِهَتِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْفَع عَنْ نَفْسهَا مَا فَعَلَ بِهَا إِبْرَاهِيم , فَهِيَ مِنْ أَنْ تَدْفَع عَنْ غَيْرهَا مِنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ أَبْعَد , فَيَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَتهَا إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دِينه وَتَوْحِيد اللَّه وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18601 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } قَالَ : كَادَهُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أَوْ يُبْصِرُونَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وتالله لأكيدن أصنامكم} أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين. والتاء في { تالله} تختص في القسم باسم الله وحده، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. قال الشاعر : تالله يبقي على الأيام ذو حيد ** بمشمخر به الظيان والآس وقال ابن عباس : أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم، أي لأمكرن بها. والكيد المكر. كاده يكيده كيدا ومكيدة، وكذلك المكايدة؛ وربما سمي الحرب كيدا؛ يقال : غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شيء تعالجه فأنت تكيده. { بعد أن تولوا مدبرين} أي منطلقين ذاهبين. وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا - روي ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في [والصافات] - فقال إبراهيم في نفسه { وتالله لأكيدن أصنامكم} . قال مجاهد وقتادة : إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل. واحد وهو الذي أفشاه عليه والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره ومثله { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل} [المنافقون : 8]. وقيل : إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الذين سمعوه. وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله { إني سقيم} [الصافات : 89] أي ضعيف عن الحركة. قوله تعالى { فجعلهم جذاذا} أي فتاتا. والجذ الكسر والقطع؛ جذذت الشيء كسرته وقطعته. والجذاذ والجذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره. قاله الجوهري. الكسائي : ويقال لحجارة الذهب جذاذ؛ لأنها تكسر. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن { جذاذا} بكسر الجيم؛ أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف. قال الشاعر : جذذ الأصنام في محرابها ** ذاك في الله العلي المقتدر الباقون بالضم؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. [مثل] الحطام والرفات الواحدة جذاذة. وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها. وقال { فجعلهم} ؛ لأن القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية. وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال { جذاذا} بفتح الجيم؛ والفتح والكسر لغتان كالحصاد والحصاد. أبو حاتم : الفتح والكسر والضم بمعنى؛ حكاه قطرب. { إلا كبيرا لهم} أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره. وقال السدي ومجاهد : ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه؛ ليحتج به عليهم. { لعلهم إليه يرجعون} أي إلى إبراهيم دينه { يرجعون} إذا قامت الحجة عليهم. وقيل { لعلهم إليه} أي إلى الصنم الأكبر { يرجعون} في تكسيرها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 51 - 72

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونلحظ هنا أن السياق القرآني يحذف ما يُفهم من الكلام، كما في قصة سليمان - عليه السلام - والهدهد:
{  ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }
[النمل: 28] وحَذْف ما كان من الهدهد ورحلته إلى بلقيس، وإلقائه الكتابَ إليها، وأنها أخذتْه وعرضتْه على مستشاريها:
{  قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }
[النمل: 29].

ومعنى { جُذَاذاً... } [الأنبياء: 58] أي: قطعاً متناثرة وحطاماً، بعد أنْ كانت هياكل مجتمعة { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ.. } [الأنبياء: 58] أي: أنه تركه فلم يحطمه، وقد كانوا يضعون الأصنام على هيئة خاصة و (ديكور)، بحيث يكون الكبير في الوسط، وحوله الأصنام الصغيرة يعني: كأن له سيطرةً عليهم ومنزلة بينهم، وكانوا يضعون في عينه الزبرجد، حتى يُخيَّل لمَنْ يراه أنه ينظر إليه.

وقوله: { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } [الأنبياء: 58] فيسألونه عَمَّا حدث لأولاده الآلهة الصغار، ولماذا لم يدافع عنهم خاصةً وقد وجدوا الفأْس على كتفه؟ { قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا... }.


www.alro7.net