سورة
اية:

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى: وأي عباد اللّه أظلم ممن ذكّر بآيات اللّه فأعرض عنها، أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالاً { ونسي ما قدمت يداه} أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، { إنا جعلنا على قلوبهم} أي قلوب هؤلاء { أكنة} أي أغطية وغشاوة، { أن يفقهوه} أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، { وفي آذانهم وقرا} : أي صمماً معنوياً عن الرشاد، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} ، وقوله: { وربك الغفور ذو الرحمة} : أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة، { لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، كما قال: { ولو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} ، وقال: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} والآيات في هذا كثيرة شتى، ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} : أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد، ولا معدل، وقوله: { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} أي الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم { وجعلنا لمهلكهم موعدا} : أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين لا يزيد ولا ينقص، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصبيكم ما أصابهم فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم فخافوا عذابي ونذري.

تفسير الجلالين

{ وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم } في الدنيا { بما كسبوا لعجل لهم العذاب } فيها { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة { لن يجدوا من دونه موئلاً } ملجأ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك الْغَفُور ذُو الرَّحْمَة لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب بَلْ لَهُمْ مَوْعِد لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَرَبّك السَّاتِر يَا مُحَمَّد عَلَى ذُنُوب عِبَاده بِعَفْوِهِ عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْهُمْ { ذُو الرَّحْمَة بِهِمْ لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا } هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاته إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا بِمَا كَسَبُوا مِنْ الذُّنُوب وَالْآثَام , { لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب } وَلَكِنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ غَيْر فَاعِل ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى مِيقَاتهمْ وَآجَالهمْ , { بَلْ لَهُمْ مَوْعِد } يَقُول : لَكِنْ لَهُمْ مَوْعِد , وَذَلِكَ مِيقَات مَحَلّ عَذَابهمْ , وَهُوَ يَوْم بَدْر { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى : ذِكْره : لَنْ يَجِد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , وَإِنْ لَمْ يُعَجَّل لَهُمْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا مِنْ دُون الْمَوْعِد الَّذِي جَعَلْته مِيقَاتًا لِعَذَابِهِمْ , مِمَّا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ , وَمَنْجًى يَنْجُونَ مَعَهُ , يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَعْقِلًا يَعْتَقِلُونَ بِهِ مِنْ عَذَاب اللَّه ; يُقَال مِنْهُ : وَأَلْت مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا , أَئِل وُؤُولًا , مِثْل وُعُولًا ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : لَا وَاءَلَتْ نَفْسك خَلَّيْتهَا لِلْعَامِرِيَّيْنِ وَلَمْ تُكْلَم يَقُول : لَا نَجَتْ ; وَقَوْل الْأَعْشَى : وَقَدْ أُخَالِس رَبّ الْبَيْت غَفْلَته وَقَدْ يُحَاذِر مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِل وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17455 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَوْئِلًا } قَالَ : مُحْرَزًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17456 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : يَقُول : مَلْجَأ . 17457 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : أَيْ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه وَلِيًّا وَلَا مَلْجَأ . 17458 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } قَالَ : لَيْسَ مِنْ دُونه مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك الْغَفُور ذُو الرَّحْمَة لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب بَلْ لَهُمْ مَوْعِد لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَرَبّك السَّاتِر يَا مُحَمَّد عَلَى ذُنُوب عِبَاده بِعَفْوِهِ عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْهُمْ { ذُو الرَّحْمَة بِهِمْ لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا } هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاته إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا بِمَا كَسَبُوا مِنْ الذُّنُوب وَالْآثَام , { لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب } وَلَكِنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ غَيْر فَاعِل ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى مِيقَاتهمْ وَآجَالهمْ , { بَلْ لَهُمْ مَوْعِد } يَقُول : لَكِنْ لَهُمْ مَوْعِد , وَذَلِكَ مِيقَات مَحَلّ عَذَابهمْ , وَهُوَ يَوْم بَدْر { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى : ذِكْره : لَنْ يَجِد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , وَإِنْ لَمْ يُعَجَّل لَهُمْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا مِنْ دُون الْمَوْعِد الَّذِي جَعَلْته مِيقَاتًا لِعَذَابِهِمْ , مِمَّا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ , وَمَنْجًى يَنْجُونَ مَعَهُ , يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَعْقِلًا يَعْتَقِلُونَ بِهِ مِنْ عَذَاب اللَّه ; يُقَال مِنْهُ : وَأَلْت مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا , أَئِل وُؤُولًا , مِثْل وُعُولًا ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : لَا وَاءَلَتْ نَفْسك خَلَّيْتهَا لِلْعَامِرِيَّيْنِ وَلَمْ تُكْلَم يَقُول : لَا نَجَتْ ; وَقَوْل الْأَعْشَى : وَقَدْ أُخَالِس رَبّ الْبَيْت غَفْلَته وَقَدْ يُحَاذِر مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِل وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17455 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَوْئِلًا } قَالَ : مُحْرَزًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17456 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : يَقُول : مَلْجَأ . 17457 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : أَيْ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه وَلِيًّا وَلَا مَلْجَأ . 17458 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } قَالَ : لَيْسَ مِنْ دُونه مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وربك الغفور ذو الرحمة} أي للذنوب. وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك} [ النساء : 48]. { ذو الرحمة} فيه أربع تأويلات : أحدها ذو العفو. الثاني ذو الثواب؛ وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر. الثالث ذو النعمة. الرابع ذو الهدى؛ وهو على هذين الوجهين يعم أهل الأيمان والكفر، لأنه ينعم في الدنيا على الكافر، كإنعامه على المؤمن. وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. { لو يؤاخذهم بما كسبوا} أي من الكفر والمعاصي. { لعجل لهم العذاب} ولكنه يمهل. { بل لهم موعد} أي أجل مقدر يؤخرون إليه، نظيره { لكل نبأ مستقر} [الأنعام : 67]، { لكل أجل كتاب} [الرعد : 38] أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة. { لن يجدوا من دونه موئلا} (أي ملجأ) قاله ابن عباس وابن زيد، وحكاه الجوهري في الصحاح. وقد وأل يئل وألا ووؤولا على فعول أي لجأ؛ وواءل منه على فاعل أي طلب النجاة. وقال مجاهد : محرزا. قتادة : وليا. وأبو عبيدة : منجى. وقيل : محيصا؛ والمعنى واحد والعرب تقول : لا وألت نفسه أي لا نجت؛ منه قول الشاعر : لا وألت نفسك خليتها ** للعامريين ولم تكلم وقال الأعشى : وقد أخالس رب البيت غفلته ** وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي ما ينجو.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 54 - 63

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛ لأن لهم موعداً لن يهربوا منه، ولن يُفلِتوا، ولن يكون لهم مَلْجأ يحميهم منه، ولا شكَّ أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة، ولعل الله يُخرِج من ظهور هؤلاء مَنْ يؤمن به، ومَنْ يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيراً في تاريخ الإسلام، فمِنْ ظَهْر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله خالد بن الوليد، فكان أعظمَ قائد في الإسلام.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ... }.


www.alro7.net