سورة
اية:

وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} . [57].
نزلت في الحارث بن عثمان [بن نوفل] بن عبد مَنَاف، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تَتَخَطَّفَنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم: إنك يا محمد { لا تهدي من أحببت} أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ واللّه يهدي من يشاء، كما قال تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} ، وقال تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} . وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا شديداً، فلما حضرته الوفاة دعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، وللّه الحكمة التامة، روى الزهري عن المسيب بن حزن المخزومي رضي اللّه عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أُمية بن المغيرة "فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه)، فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان عليه بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (واللّه لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك) فأنزل اللّه تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وأنزل في أبي طالب: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء} "أخرجه البخاري ومسلم"، وعن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا عماه قل لا إله إلا اللّه أشهد لك بها يوم القيامة) فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل اللّه تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} "أخرجه مسلم والترمذي". وقوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال اللّه تعالى مجيباً لهم: { أولم نمكن لهم حرماً آمنا} يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن اللّه تعالى جعلهم في بلد أمين، وحَرَم معظَّم آمِن منذ وُضِعَ، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم. ولا يكون آمناً وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: { يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة { رزقا من لدنا} أي من عندنا { ولكن أكثرهم لا يعلمون} ولهذا قالوا ما قالوا.

تفسير الجلالين

{ وقالوا } قومه { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } ننتزع منها بسرعة قال تعالى { أَو لمْ نمكن لهم حرما آمنا } يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعين من بعض العرب على بعض { تجبى } بالفوقانية والتحتانية { إليه ثمرات كل شيء } من كل أوب { رزقا } لهم { من لدنا } عندنا { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ما نقوله حق.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ كُفَّار قُرَيْش : إِنْ نَتَّبِع الْحَقّ الَّذِي جِئْتنَا بِهِ مَعَك , وَنَتَبَرَّأ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , يَتَخَطَّفنَا النَّاس مِنْ أَرْضنَا بِإِجْمَاعِ جَمِيعهمْ عَلَى خِلَافنَا وَحَرْبنَا , يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ : فَقُلْ { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا } يَقُول : أَوَلَمْ نُوَطِّئ لَهُمْ بَلَدًا حَرَّمْنَا عَلَى النَّاس سَفْك الدِّمَاء فِيهِ , وَمَنَعْنَاهُمْ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا سُكَّانه فِيهِ بِسُوءٍ , وَأَمِنَّا عَلَى أَهْله مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِهَا غَارَة , أَوْ قَتْل , أَوْ سَبَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20971 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ الْحَارِث بْن نَوْفَل , الَّذِي قَالَ : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمنَا أَنَّك رَسُول اللَّه , وَلَكِنَّا نَخَاف أَنْ نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا , { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ } الْآيَة . 20972 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ : هُمْ أُنَاس مِنْ قُرَيْش قَالُوا لِمُحَمَّدٍ : إِنْ نَتَّبِعك يَتَخَطَّفنَا النَّاس , فَقَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } . 20973 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } : قَالَ : كَانَ يُغِير بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20974 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول : أَوَلَمْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي حَرَمهمْ لَا يُغْزَوْنَ فِيهِ وَلَا يَخَافُونَ , يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء. 20975 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْحَرَم آمِنِينَ يَذْهَبُونَ حَيْثُ شَاءُوا , إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ فَقَالَ : إِنِّي مِنْ أَهْل الْحَرَم لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ , وَكَانَ غَيْرهمْ مِنْ النَّاس إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ قُتِلَ . 20976 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : آمَنَّاكُمْ بِهِ , قَالَ هِيَ مَكَّة , وَهُمْ قُرَيْش . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ كُفَّار قُرَيْش : إِنْ نَتَّبِع الْحَقّ الَّذِي جِئْتنَا بِهِ مَعَك , وَنَتَبَرَّأ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , يَتَخَطَّفنَا النَّاس مِنْ أَرْضنَا بِإِجْمَاعِ جَمِيعهمْ عَلَى خِلَافنَا وَحَرْبنَا , يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ : فَقُلْ { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا } يَقُول : أَوَلَمْ نُوَطِّئ لَهُمْ بَلَدًا حَرَّمْنَا عَلَى النَّاس سَفْك الدِّمَاء فِيهِ , وَمَنَعْنَاهُمْ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا سُكَّانه فِيهِ بِسُوءٍ , وَأَمِنَّا عَلَى أَهْله مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِهَا غَارَة , أَوْ قَتْل , أَوْ سَبَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20971 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ الْحَارِث بْن نَوْفَل , الَّذِي قَالَ : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمنَا أَنَّك رَسُول اللَّه , وَلَكِنَّا نَخَاف أَنْ نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا , { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ } الْآيَة . 20972 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ : هُمْ أُنَاس مِنْ قُرَيْش قَالُوا لِمُحَمَّدٍ : إِنْ نَتَّبِعك يَتَخَطَّفنَا النَّاس , فَقَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } . 20973 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } : قَالَ : كَانَ يُغِير بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20974 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول : أَوَلَمْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي حَرَمهمْ لَا يُغْزَوْنَ فِيهِ وَلَا يَخَافُونَ , يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء. 20975 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْحَرَم آمِنِينَ يَذْهَبُونَ حَيْثُ شَاءُوا , إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ فَقَالَ : إِنِّي مِنْ أَهْل الْحَرَم لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ , وَكَانَ غَيْرهمْ مِنْ النَّاس إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ قُتِلَ . 20976 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : آمَنَّاكُمْ بِهِ , قَالَ هِيَ مَكَّة , وَهُمْ قُرَيْش . ' وَقَوْله : { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول يُجْمَع إِلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : جَبَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض : إِذَا جَمَعْته فِيهِ , وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ : يُحْمَل إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ بَلَد . كَمَا : 20977 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ ثَنَا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ شَرِيك , عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي زُرْعَة , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } قَالَ : ثَمَرَات الْأَرْض. وَقَوْله : { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول يُجْمَع إِلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : جَبَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض : إِذَا جَمَعْته فِيهِ , وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ : يُحْمَل إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ بَلَد . كَمَا : 20977 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ ثَنَا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ شَرِيك , عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي زُرْعَة , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } قَالَ : ثَمَرَات الْأَرْض. ' وَقَوْله : { رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } يَقُول : وَرِزْقًا رَزَقْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا , يَعْنِي : مِنْ عِنْدنَا .وَقَوْله : { رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } يَقُول : وَرِزْقًا رَزَقْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا , يَعْنِي : مِنْ عِنْدنَا .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّه : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا نَحْنُ الَّذِينَ مَكَّنَّا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا , وَرَزَقْنَاهُمْ فِيهِ , وَجَعَلْنَا الثَّمَرَات مِنْ كُلّ أَرْض تُجْبَى إِلَيْهِمْ , فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَكْفُرُونَ , لَا يَشُكُّونَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّه : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا نَحْنُ الَّذِينَ مَكَّنَّا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا , وَرَزَقْنَاهُمْ فِيهِ , وَجَعَلْنَا الثَّمَرَات مِنْ كُلّ أَرْض تُجْبَى إِلَيْهِمْ , فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَكْفُرُونَ , لَا يَشُكُّونَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} هذا قول مشركي مكة قال ابن عباس : قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم وكان هذا من تعللاتهم فأجاب الله تعالى عما اعتل به فقال { أو لم نمكن لهم حرما آمنا} أي ذا أمن وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم. والتخطف الانتزاع بسرعة؛ وقد تقدم. قال يحيى بن سلام يقول : كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. { يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد؛ عن ابن عباس وغيره يقال : جبى الماء في الحوض أي جمعه. والجابية الحوض العظيم وقرأ نافع { تجبى} بالتاء؛ لأجل الثمرات والياقوت بالياء، لقوله { كل شيء} واختاره أبو عبيد قال : لأنه حال بين الاسم المؤنث وبين فعله حائل وأيضا فإن الثمرات جمع، وليس بتأنيث حقيقي. { رزقا من لدنا} أي من عندنا { ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي لا يعقلون؛ أي هم غافلون عن الاستدلال وأن من رزقهم وأمنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم. و { رزقا} نصب على المفعول من أجله. ويجوز نصبه على المصدر بالمعنى؛ لأن معنى { تجبى} ترزق. وقرئ "يجنى" بالنون من الجنا، وتعديته بإلى كقولك يجنى إلى فيه ويجنى إلى الخافة. قوله تعالى: { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار، والبطر والطغيان بالنعمة؛ قاله الزجاج { معيشتها} أي في معيشتها فلما حذف { في} تعدى الفعل؛ قاله المازني الزجاج كقوله { واختار موسى قومه سبعين رجلا} الأعراف 155 الفراء : هو منصوب على التفسير. قال كما تقول : أبطرت مالك وبطرته ونظيره عنده { إلا من سفه نفسه} البقرة 130 وكذا عنده. { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} النساء 4 ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين؛ لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدل على الجنس وقيل : أنتصب بـ { بطرت} ومعنى { بطرت} جهلت؛ فالمعنى : جهلت شكر معيشتها. { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب والاستثناء يرجع إلى المساكن أي بعضها يسكن؛ قاله الزجاج واعترض عليه؛ فقيل : لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال إلا قليل؛ لأنك تقول : القوم لم تضرب إلا قليل، ترفع إذا كان المضروب قليلا، وإذا نصبت كان القليل صفة للضرب؛ أي لم تضرب إلا ضربا قليلا، فالمعنى إذا : فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون ومن مر بالطريق يوما أو بعض يوم أي لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا. وكذا قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافر أو مار الطريق يوما أو ساعة { وكنا نحن الوارثين} أي لما خلفوا بعد هلاكهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 53 - 57


سورة القصص الايات 57 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه المقولة { إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ... } [القصص: 57] قالها الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، فقد ذهب إلى سيدنا رسول الله، وقال: إننا نعلم أنك جئتَ بالحق، ولكن نخاف إنْ آمنا بك واتبعنا هواك أنْ نُتخطّف من أرضنا، ولا بُدَّ أنه كان يتكلم بلسان قومه الذين ائتمروا على هذا القول.

والخطْف: هو الأخْذ بشدة وسرعة.

إذن: فهم يُقرُّون للرسول بأنه جاء بالحق، وأنه على الهدى، لكن علة امتناعهم أنْ يتخطفوا، وكان عليهم أنْ يقارنوا بعقولهم بين أن يكونوا مع رسول الله على الحق وعلى الهدى ويُتخطَّفوا وبين أنْ يظلُّوا على كفرهم.

فقصارى ما يصيبهم إنْ اتبعوا رسول الله أن يتخطفهم الناس في أموالهم أو في أنفسهم - على فرض أن هذا صحيح - قصارى ما يصيبهم خسارة عَرَض فانٍ من الدنيا لو استمر لك لتمتعتَ به مدة بقائك فيها، وهذا الخير الذي سيفوتك من الدنيا محدود على مقتضى قوة البشر، ولا يضيرك هذا إنْ كنتَ من أهل الآخرة حيث ستذهب إلى خير بَاقٍ دائم، خير يناسب قدرة المنعم سبحانه.

أما إنْ ظلُّوا على كفرهم، فمتاع قليل في الدنيا الفانية، ولا نصيبَ لهم في الآخرة الباقية. إذن: فأيُّ الطريق أهدى؟ إن المقارنة العقلية ترجح طريق الهدى واتباع الحق الذي جاء به رسول الله، هذه واحدة.

ثم مَنْ قال إنكم إن اتبعتم الهدى مع رسول الله تُتخطَّفوا وتُضطهدوا؟ لذلك يرد الله عليهم: قُلْ لهم يا محمد: كذبتم، فلن يتخطفكم أحد بسبب إسلامكم { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [القصص: 57].

فقد أنعم الله عليكم وأنتم كافرون مشركون به، تعبدون الأصنام في جاهلية، ومكَّن لكم حياة آمنة في رحاب بيته الحرام، ووفّر لكم رَغَد العيش وأنتم بوادٍ غير ذي زرع حيث يُجْبي إليه الثمرات من كل مكان، فالذي صنع معكم هذا الصنيع أيترككم ويتخلى عنكم بعد أنْ آمنتم به، واهتديتم إلى الحق؟ كيف يكون منكم هذا القياس؟

ومعنى: { نُمَكِّن لَّهُمْ... } [القصص: 57] نجعلهم مكينين فيه، كما في قوله تعالى:
{  وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ... }
[يوسف: 21] والتمكين يدل على الثبات؛ لأن ظرف المكان ثابت على خلاف ظرف الزمان.

وقال: { حَرَماً آمِناً.. } [القصص: 57] مع أن الأمن لمن في المكان، لكن أراد سبحانه أن يُؤمِّن نفس المكان، فيكون كل ما فيه آمناً، حتى القاتل لا يُقتصّ منه في الحرم، والحيوان لا يُثار فيه ولا يُصَاد، والنبات لا يُعضد حتى الحجر في هذا المكان آمن، ألاَ تراهم يرجمون حجراً في رمي الجمرات في حين يُكرِّمون الحجر الأسود ويُقبّلونه.وحينما نتأمل الحرم منذ أيام الخليل إبراهيم - عليه السلام - نجد أن له خطة، وأن الحق سبحانه يُعدُّه ليكون حرماً آمناً، فلما جاءه إبراهيم قال:
{  رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ... }
[إبراهيم: 37].

هذا يعني أن المكان ليس به من مقومات الحياة إلا الهواء، لأن نفي الزرع يعني عدم وجود الماء؛ لذلك اعترضت السيدة هاجر على هذا المكان القفر، فلما علمتْ أنه اختيار الله لهم قالت: إذن لن يضيعنا.

وقد رأتْ بنفسها أن الله لم يُضيِّعهم، فلما احتاجت الماء لترضع وليدها وسعتْ في طلبه بين الصفا والمروة سبعة أشواط على قَدْر ما أطاقتْ لم تجد الماء في سَعْيها، ولو أنها وجدته لكان سعيها سبباً إنما أراد الله أنْ يُصدِّقها في كلمتها، وأن يثبت لها أنه سبحانه لن يُضيّعهم من غير أسباب لتتأكد أن كلمتها حق، ثم شاءتْ قدرة الله أن يخرج الماء من تحت قدم الوليد، وهو يضرب بقدمه الأرض، ويبكي من شدة الجوع والعطش، وانبجستْ زمزم.

ولما أسكن إبراهيم أهله في هذا المكان المقْفر أراده لهم سكناً دائماً، لا مجرد استراحة من عناء السفر؛ لذلك قال:
{  رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ... }
[إبراهيم: 37].

وكأنه - عليه السلام - يريد أن يطمئن على إقامة أهله في هذا المكان، وأن يكون البيت مُصلَّى لله، لا تنقطع فيه الصلاة، وهذا هو الفرق بين بيت الله باختيار الله وبيت الله باخيتار عباد الله.

فالبيت الذي نبنيه لله تعالى قد يُغلق حتى في أوقات الفروض، أما بيت الله الذي اتخذه لنفسه فلا يخلو من الطواف والصلاة في أيِّ وقت من ليل أو نهار، ولا ينقطع منه الطواف إلا لصلاة مكتوبة، فإذا قُضيتْ الصلاة رأيتهم يُهرعون إلى الطواف.

وقد رأيت الحرم في إحدى السنوات وقد دهمه سيل جارف حتى ملأ ساحته، ودخل الماء الكعبة وغطَّى الحجر الأسود، فكان الناس يطوفون سباحة، ورأينا أناساً يغطسون عند الحجر ليُقبِّلوه، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يظلَّ الطواف حول بيته لا ينقطع على أيِّ حال.

كذلك نفهم من قوله تعالى:
{  تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ... }
[إبراهيم: 37].

من الفعل هَوَى يهوي، يعني: سقط؛ لأن الذي يسقط لا إرادةَ له في عدم السقوط، كذلك مَنْ يأتي بيت الله أو يجلب إليه الخيرات يجد دافعاً يدفعه كأنه لا إرادة له.

كما نفهم منها معنى آخر، فكل تكاليف الحق سبحانه ربما تكاسل الناس في أدائها، فمنّا مَنْ لا يصلي أو لا يُزكِّي. إلا الحج حيث قال الله فيه:
{  وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً... }
[الحج: 27] فمجرد أن تؤذن يأتوك.

لذلك نجد من غير القادرين على نفقات الحج من يجوع ويُمسك على أهله ليوفِّر تكاليف الحج، فهو - إذن - الفريضة الوحيدة التي يتهافت عليها مَنْ لم تطلب منه.ونلحظ أن إبراهيم - عليه السلام - دعا بالأمن للحرم مرتين: مرة في قوله:
{  رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً... }
[البقرة: 126] يعني: اجعل هذا المكان بلداً آمناً، كأيِّ بلد آمن لا تُقام إلا في مكان يُؤَمِّنون فيه كل مُقوِّمات الحياة، فأيّ بلد لا تُبنى حتى من الكافر إلا إذا كان آمناً فيها، فالطلب الأول أنْ يتحول هذا المكان الخالي إلى بلد آمن، كما يأمن كل بلد حين ينشأ، وهذا أمن عام.

ثم يدعو مرة أخرى
{  رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }
[إبراهيم: 35] بعد أن أصبحتْ مكة بلداً آمناً يطلب لها مزيداً من الأمن، وهذا أمن خاص، حيث جعلها بلداً حراماً، يأمن فيها الإنسان والحيوان والنبات، بل والجماد.

وقد وقف البعض عند قوله تعالى:


{  وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً... }
[آل عمران: 97].

وقالوا: أين هذا الأمن، وقد حدث في الحرم الاعتداء والقتل وترويع الآمنين، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم، وقتلوا الناس فيه، وأخذوا الحجر، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان، وما حدث فيها من قَتْل في الحرم.

وهذه الآية:
{  وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً... }
[آل عمران: 97] جملة خبرية غرضها الأمر والحثّ، كأنه تعالى قال: أمِّنوا من دخل الحرم. وهذه ليست قضية كونية، إنما قضية شرعية، وفرْق بين القضيتين: الكونية لا بُدَّ أن تحدث، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض، ويخرج عليه البعض، فمَنْ أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أنْ يجعل أمر الله صادقاً يُؤمِّن أهل الحرم، ومَنْ أراد أنْ يكذِّب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه.

ومن الآيات التي كثيراً ما يُسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى:
{  ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ... }
[النور: 26] يقولون: كثيراً ما يتزوج خبيث من طيبة، أو طيبة من خبيث، فالواقع لا يتفق مع الآية. نقول أيضاً هنا: هذه قضية شرعية تحمل أمراً قد يُطاع وقد يُعْصَى، وليست قضية كونية لا بُدَّ أنْ تأتي كما أخبر الله تعالى بها، ولا يتخلّف مدلولها.

فالمعنى في الآية: إن زوجتُم فزوِّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إنْ عيَّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أنْ تردّ عليه، لا بُدَّ من وجود التكافؤ حتى في (القباحة)، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة؟

إذن: فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر، وإنْ كانت تعني الأمر، كما تقول عن الميت: رحمه الله بصيغة الماضي، وأنت لا تدري رحمه الله، أو لم يرحمه، إذن: لا بُدَّ أن المعنى دعاء: فليرحمه الله، قلتها أنت بصيغة الماضي، رجاء أن تكون له الرحمة.

نعود إلى قوله تعالى: { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً... } [القصص: 57] ونلحظ هذا التمكين وهذا الأمن من قصة الفيل، حيث جاء أبرهة ليهدم الكعبة، ويتقدّم الجيش فيل ضخم يقال له محمود، فلما قالوا في أذنه (أبرُكْ محمود وارجع راشداً) يعني: انفد بجلدك (فإنك ببلد الله الحرام) فبرك الفيل واستجاب.ثم جاءت معركة الطير الأبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش فجعلهم كعصف مأكول. هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش سكان حرمه؛ لتظل الكعبة مسكونة بهم، وما داموا هم سكان الحرم والناس تأتيهم من كل الأنحاء للحج كل عام، فسوف يظل لهم الأمن بين القبائل، ولا يجرؤ أحد على الأعتداء عليهم، أو التعرُّض لقوافلهم في رحلة الشتاء والصيف، وأيُّ أمن، وأيُّ مهابة بعد هذا؟

ومع الحجيج يُجلب الطعام وتُجلب الأرزاق، وصدق الله العظيم:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 1-4].

وكيف بعد هذا الأمن والأمان يخاف مَنْ يؤمن بمحمد أنْ يُتخطَّف من أرضه؟ إنها مقولة لا مدلولَ لها.


www.alro7.net