سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

تفسير بن كثير

قد عُلِمَ أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه كيحيى وزكريا وشعيا، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجراً إلى اللّه كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ أجاب ابن جرير على ذلك بجوابين: أحدهما أن يكون الخبر خرج عاماً، والمراد به البعض، وهذا سائغ في اللغة. الثاني أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود، فسلط اللّه تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وهذه نصرة عظيمة، وسنة اللّه تعالى في خلقه في قديم الدهر، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم، ولهذا أهلك اللّه عزَّ وجلَّ قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى اللّه تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحداً، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحداً، قال السدي: لم يبعث اللّه عزَّ وجلَّ رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث اللّه تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا نصر اللّه نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصاراً وأعواناً، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم وقتل صناديدهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده المشرف المعظم، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً، ثم قبضه اللّه تعالى إليه فأقام اللّه تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين اللّه عزَّ وجلَّ، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، ثم لا يزال هذا الدين قائماً منصوراً ظاهراً إلى قيام الساعة، ولهذا قال تعالى { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} أي يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل، قال مجاهد: الأشهاد الملائكة { يوم لا ينفع الظالمين} وهم المشركون { معذرتهم} أي لا يقبل منهم عذر ولا فدية { ولهم اللعنة} أي الإبعاد والطرد من الرحمة، { ولهم سوء الدار} وهي النار، قال السدي: بئس المنزل والمقيل، وقال ابن عباس: أي سوء العاقبة. وقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى} وهو ما بعثه اللّه عزَّ وجلَّ به من الهدى والنور، { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم ملك فرعون، وفي الكتاب الذي أورثوه وهو التوراة { هدى وذكرى لأولي الألباب} وهي العقول الصحيحة السليمة، وقوله عزَّ وجلَّ { فاصبر} أي يا محمد { إن وعد اللّه حق} أي وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، واللّه لا يخلف الميعاد، وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك، وقوله تبارك وتعالى: { واستغفر لذنبك} هذا تهييج للأمة على الاستغفار، { وسبح بحمد ربك بالعشي} أي في أواخر النهار وأوائل الليل { والإبكار} وهي أوائل النهار وأواخر الليل. وقوله تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم} أي يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من اللّه، { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} أي ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه - من إخماد الحق وإعلاء الباطل - بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع { فاستعذ باللّه} أي من حال مثل هؤلاء { إنه هو السميع البصير} ، أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات اللّه بغير سلطان، هذا تفسير ابن جرير.

تفسير الجلالين

{ إن الذين يجادلون في آيات الله } القرآن { بغير سلطان } برهان { أتاهم إن } ما { في صدورهم إلا كبْر } تكبّر وطمع أن يعلوا عليك { ما هم ببالغيه فاستعذ } من شرِّهم { بالله إنه هو السميع } لأقوالهم { البصير } بأحوالهم، ونزل في منكري البعث .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَك يَا مُحَمَّد فِيمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك مِنْ الْآيَات { بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } يَقُول : بِغَيْرِ حُجَّة جَاءَتْهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه بِمُخَاصَمَتِك فِيهَا { إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر } يَقُول : مَا فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر يَتَكَبَّرُونَ مِنْ أَجْله عَنْ اِتِّبَاعك , وَقَبُول الْحَقّ الَّذِي أَتَيْتهمْ بِهِ حَسَدًا مِنْهُمْ عَلَى الْفَضْل الَّذِي آتَاك اللَّه , وَالْكَرَامَة الَّتِي أَكْرَمَك بِهَا مِنْ النُّبُوَّة { مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } يَقُول : الَّذِي حَسَدُوك عَلَيْهِ أَمْر لَيْسُوا بِمُدْرِكِيهِ وَلَا نَائِلِيهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَلَيْسَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُدْرَك بِالْأَمَانِي ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا عَظَمَة مَا هُمْ بِبَالِغِي تِلْكَ الْعَظَمَة لِأَنَّ اللَّه مُذِلّهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23434 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ . ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ . ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر } قَالَ : عَظَمَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23435 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة . , قَوْله . { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } لَمْ يَأْتِهِمْ بِذَاكَ سُلْطَان . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَك يَا مُحَمَّد فِيمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك مِنْ الْآيَات { بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } يَقُول : بِغَيْرِ حُجَّة جَاءَتْهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه بِمُخَاصَمَتِك فِيهَا { إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر } يَقُول : مَا فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر يَتَكَبَّرُونَ مِنْ أَجْله عَنْ اِتِّبَاعك , وَقَبُول الْحَقّ الَّذِي أَتَيْتهمْ بِهِ حَسَدًا مِنْهُمْ عَلَى الْفَضْل الَّذِي آتَاك اللَّه , وَالْكَرَامَة الَّتِي أَكْرَمَك بِهَا مِنْ النُّبُوَّة { مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } يَقُول : الَّذِي حَسَدُوك عَلَيْهِ أَمْر لَيْسُوا بِمُدْرِكِيهِ وَلَا نَائِلِيهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَلَيْسَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُدْرَك بِالْأَمَانِي ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا عَظَمَة مَا هُمْ بِبَالِغِي تِلْكَ الْعَظَمَة لِأَنَّ اللَّه مُذِلّهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23434 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ . ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ . ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنْ فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْر } قَالَ : عَظَمَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23435 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة . , قَوْله . { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ } لَمْ يَأْتِهِمْ بِذَاكَ سُلْطَان . ' وَقَوْله : { فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاسْتَجِرْ بِاَللَّهِ يَا مُحَمَّد مِنْ شَرّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان , وَمِنْ الْكِبْر أَنْ يَعْرِض فِي قَلْبك مِنْهُ شَيْء { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه وَغَيْرهمْ مِنْ قَوْل الْبَصِير بِمَا تُمْلِهِ جَوَارِحهمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .وَقَوْله : { فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاسْتَجِرْ بِاَللَّهِ يَا مُحَمَّد مِنْ شَرّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه بِغَيْرِ سُلْطَان , وَمِنْ الْكِبْر أَنْ يَعْرِض فِي قَلْبك مِنْهُ شَيْء { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه وَغَيْرهمْ مِنْ قَوْل الْبَصِير بِمَا تُمْلِهِ جَوَارِحهمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فاصبر} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك { إن وعد الله حق} بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي : نسخ هذا بآية السيف. { واستغفر لذنبك} قيل : لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل : لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال : هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء؛ كما قال تعالى: { وآتنا ما وعدتنا} آل عمران : [194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل : فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} يعني صلاة الفجر وصلاة العصر؛ قال الحسن وقتادة. وقيل : هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. وقوله: { بحمد ربك} بالشكر له والثناء عليه. وقيل: { وسبح بحمد ربك} أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى: { إن الذين يجادلون} يخاصمون { في آيات الله بغير سلطان} أي حجة { أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} قال الزجاج : المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره : المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم أن اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل : اليهود؛ فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السور. والمعنى : إن تعظموا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فذلك كبر لا يبلغونه فنزلت الآية فيهم. قال أبو العالية وغيره. وقد تقدم في { آل عمران} أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب التذكرة. وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل : كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن؛ لأنه يعم. وقال مجاهد : معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل : المراد بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه. قوله تعالى: { فاستعذ بالله} قيل : من فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر الكفار. قيل : من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. { إنه هو السميع البصير} { هو} يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} مبتدأ وخبره. قال أبو العالية : أي أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام : هو احتجاج على منكري البعث؛ أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها؟. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي لا يعلمون ذلك. قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير} أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي ولا يستوي العامل للصالحات { ولا المسيء} الذي يعمل السيئات. { قليلا ما تتذكرون} قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: { إن الساعة لآتية} هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أول الكلام؛ لأنها توكيد الجملة إلا أنها تزحلق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول : إن عمرا لخارج؛ وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إن؛ لأنهما يؤديان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن عند البصريين. وأجاز هشام إن أن زيدا منطلق حق؛ فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من النحويين علمته؛ قاله النحاس. { لا ريب فيها} لا شك ولا مرية. { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 50 - 56


سورة غافر الايات 56 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الجدل: هو المراء والأخذ والردّ، مأخوذ من جَدْل الحبل وفَتْله، والفتْل عملية تتماسك فيها فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أنْ كانت هشَّة متفرقة، فالجَدْل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي.

والجدل منه جدل بنَّاء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مِراء لا فائدةَ منه، جدل الحق جدل بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المِرَاء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا حجة، والسلطان إما أن يكون سلطانَ قهر يحملك ويُرغمك ويقهرك على الشيء، وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مُجبر، وسلطان الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت رَاضٍ مقتنع.

لذلك قال عدو الله إبليس:
{  وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ }
[إبراهيم: 22].

يعني: لم يكن عندي سلطان قهر أقهركم به على المعصية، ولا سلطان حُجة وإقناع أقنعكم به.

لذلك قلنا في آية السجود لآدم أن الحق سبحانه قال مرة
{  مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ }
[ص: 75] وفي موضع آخر قال:
{  قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ }
[الأعراف: 12] فواحدة بالإثبات والأخرى بالنفي، كيف؟ يعني: هل جئتَ لتسجد فجاءت قوةٌ منعتك من السجود؟ أم قوةٌ أقنعتك بعدم السجود فلم تسجد وأنت رَاضٍ مُقتنع بذلك؟

ومعنى { فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ } [غافر: 56] قلنا: إنها على ثلاثة أقسام:

آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء.. الخ.

الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله.

والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.

ففي أيِّ هذه الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما الآيات الكونية فليستْ مجالاً للجدل.

وقوله: { بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ } [غافر: 56] هل يعني هذا أن هناك جدلاً في آيات الله بسلطان؟ قالوا: بل المعنى أنه ممتنع أي: ليس في آيات الله جدل، المسألة { إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } [غافر: 56] هذا هو السبب، ومصدر الجدل في آيات الله، كِبْر في صدورهم يمنعهم من قبول الحق، ويمنعهم أنْ ينقادوا لرجل منهم ربما ظنوا أنهم أفضل منه.

لذلك في بعض الآيات يوضح الحق سبحانه أنهم يؤمنون بالقرآن، لكن اعتراضهم هو على رسول الله كشخص جاء بالرسالة، وهو واحد من عامة القوم ليس بأعظمهم ولا أغناهم، يقول تعالى يحكي على لسان الكفار:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

وفي موضع آخر ينكرون الجميع ويقولون:
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32] وكان المنطق أن يقولوا: فاهدنا إليه.

وهذا القول منهم دليلٌ على أنهم كارهون للدين جملة، لأن قلوبهم مشغولةٌ بقضية مخالفة هي شركهم بالله وعبادتهم الأصنام، هذه العبادة التي شبّثوا عليها وتوارثوها، وإذا شُغِل الإنسان بالباطل لا يمكن أن يهدي للحق إلا إذا أخرجتَ القضية الباطلة من قلبه أولاً، عندها يسمح للحق أنْ يدخل.

لذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن مسألة العقائد لا تُناقش في جمهرة الناس، إنما تتأملها بينك وبين نفسك، وإنْ كان لا بدَّ من المشاركة، فواحد فقط، لماذا؟ لأنك حين تجلس بمفردك أو مع شخص واحد معك يثمر النقاش ولا تتسع دائرة الخلاف، فيكون أدْعَى للوصول إلى الصواب، وإذا انهزم واحدٌ منكما فلن ينهزم أمام جمهرة الناس، وساعتها لن يكابر ولن يعاند وسيعود إلى الحق ويرجع إليه دون حرج.

لذلك يقول سبحانه:
{  إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ }
[سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا مسائل العقيدة جماهيرياً؛ لأن الجماهير لا ضابط لها، وتفكيرها الجماعي يؤدي إلى الخَلْط والغوغائية، فكُنْ بمفردك حتى لا يداخلك هَوَىً فتميل معه.

والكبر في قوله تعالى: { إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } [غافر: 56] إنْ بمعنى ما في صدورهم إلا كِبْر. يعني: تَعَالٍ على الحق الذي يأتي به الرسول، هذا الكبر أو التكبر هو الذي منعهم من الاستماع للرسول، وجعلهم يتعالوْنَ عليه، ذلك لأنهم كانوا في مجتمعهم سادةً، واستماعهم لرسول الله وطاعتهم له سيجعلهم مسُودين لمن يسمعون منه ويطيعونه.

ومعلوم أن قريشاً كان لها السيادة على كافة العرب، هذه السيادة جعلتهم متمكنين من رحلاتهم التجارية بالشتاء والصيف، وينتقلون بها دون أنْ يتعرَّض لهم أحد، لماذا؟

لأن قبائل العرب جميعها تأتي إلى قريش في مكة موسم الحج، ويكونون في ضيافة قريش ورعايتها وفي باطنها، فالبيت الحرام وحجه هو الذي أعطى قريشاً هذه المكانة وهذه المهابة؛ لذلك قال سبحانه:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 1-4].

وقال سبحانه:
{  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. }
[العنكبوت: 67].

والدليل على ذلك أنهم لما رأوا في الأصنام آلهةً لا أوامرَ لها ولا تكاليفَ رَضوا بها وعبدوها من دون الله، ومع ذلك لما أرادوا مكاناً يكرمون به هذه الآلهة لم يجدوا إلا الكعبة يضعون أصنامهم حولها، إذن: فالكعبة لها قداسة عندهم رغم كفرهم بالله.

هذا هو الكبْر الذي منعهم من قبول الحق، وهذا الكبر وصفه الله بقوله { مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ } [غافر: 56] يعني: ليس عندهم دواعي الكبر، فهو كِبْر كاذب لأن الذي يتكبَّر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء عارض ربما يُسلب منه، فهو كبر كاذب كمَنْ يتكبّر بقوته وعافيته أو بماله أو بسلطانه.وقوله تعالى: { فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } [غافر: 56] لأن الاستعاذة بالله تعني أن شيئاً جاء فوق أسبابك المادية فلا تقفْ أمامه مكتوفَ الأيدي، إنما توجَّه إلى ربك الذي أرسلك وقُلْ له: إن هذا الأمر أعجزني وفاقَ طاقتي فاحمله عني، لذلك قال سبحانه:
{  أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ }
[النمل: 62].

فإذا عزَّتْ الأسباب فتوجَّه إلى المسبِّب { إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } [غافر: 56] هذان من صفات الكمال المطلق لله تعالى السمع والبصر؛ لأن كل حركات جوارح الإنسان عملٌ، فاللسان له عمل، واليد لها عمل، والرِّجْل لها عمل.

وهذا العمل ينقسم إلى قسمين: إما قول أو فعل، القول أخذ وحده شطر العمل وهو عمل اللسان، وباقي الجوارح عملها يُسمى (فعل).

لذلك قال تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }
[الصف: 2] فذكر القول والفعل، وكله يُسمَّى عملاً، فالسمع لما يُقال، والبصر لما يُفعل، فالحق سبحانه يُبيِّن لرسوله صلى الله عليه وسلم منزلة الاستعاذة { فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } [غافر: 56] لأنه سميع لكل ما يُقال، بصير بكلِّ ما يُفعل.


www.alro7.net