سورة
اية:

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} أي أرض مصر، { يتبوأ منها حيث يشاء} قال السدي: يتصرف فيها كيف يشاء، وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلاً حيث يشاء بعد الضيق والحبس، { نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} ، أي وما أضعنا صبر يوسف علىأذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه اللّه عزَّ وجلَّ النصر والتأييد، { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} ، يخبر تعالى أن ما ادخره اللّه تعالى لنبيّه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة، أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، والغرض أن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام قاله مجاهد.

تفسير الجلالين

{ وكذلك } كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن { مكنَّا ليوسف في الأرض } أرض مصر { يتبوّأُ } ينزل { منها حيث يشاء } بعد الضيق والحبس وفي القصة أن الملك توَّجه وختَّمه وولاه مكان العزيز وعزله ومات بعد، فزوجه امرأته فوجدها عذراء وولدت له ولدين، وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب { نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء} أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض؛ أي أقدرناه على ما يريد. وقال الكيا الطبري قوله تعالى { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص : 44] وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر، والذي أداه من التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله. قلت : وهذا مردود على ما يأتي. يقال : مكناه ومكنا له، قال الله تعالى { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} [الأنعام : 6]. قال الطبري : استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريان يوسف على عمل إطفير وعزله؛ قال مجاهد : وأسلم على يديه. قال ابن عباس : ملكه بعد سنة ونصف. وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته). ثم مات إطفير فزوجه الوليد بزوجة إطفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء، وولدت له ولدين : إفراثيم ومنشا، ابني يوسف، ومن زعم أنها زليخاء قال : لم يتزوجها يوسف، وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت : الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بالمعصية، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكا، فضمها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ولم يتزوجها؛ ذكره الماوردي؛ وهو خلاف ما تقدم عن وهب، وذكره الثعلبي؛ فالله أعلم. ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به، وأقام فيهم العدل، فأحبه الرجال والنساء، قال وهب والسدي وابن عباس وغيرهم : ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح المزارع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت الغلة أمر بها فجمعت، ثم بنى لها الأهرام، فجمعت فيها في تلك السنة غلة ضاقت عنها المخازن لكثرتها، ثم جمع عليه غلة كل سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال : يا أهل مصر جوعوا؛ فإن الله سلط عليكم الجوع سبع سنين. وقال بعض أهل الحكمة : للجوع والقحط علامتان : إحداهما : أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة، ويسرع إليها الجوع خلاف ما كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية. والثانية : أن يفقد الطعام فلا يوجد رأسا ويعز إلى الغاية، فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع!! ويأكلون ولا يشبعون، وانتبه الملك، ينادى الجوع الجوع!! قال : فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها؛ معاشر الناس! لا يزرع أحد زرعا فيضيع البذر ولا يطلع شيء. وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف؛ قال ابن عباس : لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك يا يوسف! الجوع الجوع!! فقال يوسف : هذا أوان القحط؛ فلما دخلت أول سنة من سني القحط هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف؛ فباعهم أول سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه؛ وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء؛ وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى احتوى على الكل؛ وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع، حتى ملكها كلها؛ وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق في السنة السابعة بمصر حر ولا عبد إلا صار عبدا له؛ فقال الناس : والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من هذا؛ فقال يوسف لملك مصر : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني! والآن كل هذا لك، فما ترى فيه؟ فقال : فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت، وإنما نحن لك تبع؛ وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخول من خولك؛ فقال يوسف عليه السلام : إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم، ولم أجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء؛ وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ووددت عليهم أموالهم وأملاكهم، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستن بسنتي. ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال : إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع؛ وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار، حتى يذوق، الملك طعم الجوع. فلا ينسى الجائعين؛ فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. قوله تعالى { نصيب برحمتنا من نشاء} أي بإحساننا؛ والرحمة النعمة والإحسان} قوله تعالى { ولا نضيع أجر المحسنين} أي ثوابهم. وقال ابن عباس ووهب : يعني الصابرين؛ لصبره في الجب، وفي الرق، وفي السجن، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة. وقال الماوردي : واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين : أحدهما : أنه ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني : أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلا منه عليه، وثوابه باق على حاله في الآخرة. قوله تعالى: { ‏ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون‏} ‏ أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع؛ وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق؛ وأنشدوا‏:‏ أما في رسول الله يوسف أسوة ** لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في الحبس برهة ** فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكتب بعضهم إلى صديق له‏:‏ وراء مضيق الخوف متسع الأمن ** وأول مفروج به آخر الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا ** خزائنه بعد الخلاص من السجن وأنشد بعضهم‏:‏ إذا الحادثات بلغن النهى ** وكادت تذوب لهن المهج وحل البلاء وقل العزاء ** فعند التناهي يكون الفرج والشعر في هذا المعنى كثير‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 54 - 76

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض، بحيث أدار شئون مصر بصورة حازمة؛ عادلة؛ فلما جاء الجدب؛ لم يَأتِهَا وحدها؛ بل عَمَّ البلاد التي حولها.

بدليل أن هناك أُنَاساً من بلاد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم منها؛ والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاماً لهم ولمن ينتظرهم في بلادهم، فهذا دليل على أن رُقْعة الشدة كانت شاسعة.

وقول الحق سبحانه:

{ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ } [يوسف: 56].

نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ ولا يَظُنَّن ظَانٌّ أن هذا لَوْنٌ من اتساع أماكن التَّرَف.

لكن: لماذا لا ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الإدارة في بعض البلاد؛ فما أنْ يعلموا بوجود بيت للحاكم في منطقة ما؛ وقد يزوره؛ فهم يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت.

وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة، فحين يزور الحاكم منطقة ما فَهُمْ يُعيدون رَصْف الشوارع؛ ويصلحون المرافق؛ وقد يُحضِرون أُصَص الزرع ليُجمِّلوا المكان.

فما بَالُك إنْ عَلِموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ لا بُدَّ أنهم سَيُوالون العناية بكل التفاصيل المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع.

إذن: فقول الحق سبحانه هنا عن يوسف عليه السلام:

{ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ.. } [يوسف: 56].

يعني: شُيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا البلد؛ فلا تأخذ الأمر على أنه تَرَف وشَرَف، بل خُذْ هذا القول على أنه تكليف سينتفع به المُحيطون، سواء كانوا مقصودين به أو غير مقصودين.

وتلك لقطة توضح أن التبُّوء حيث يشاء ليس رحمةً به فقط؛ ولكنه رحمةٌ بالناس أيضاً.

ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الآية:

{ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ } [يوسف: 56].

فَمَنْ كان يحيا بلا مياه صالحة للشرب ستصله المياه النقية؛ ومَنْ كان يشقى من أجل أن يعيش في مكان مُريح ستتحول المنطقة التي يسكن فيها إلى مكان مُريح به كل مُستلزمات العصر الذي يحيا فيه.

فيوسف المُمكّن في الأرض له مسكن مجاور له؛ وسيجد العناية من قِبَل الجهاز الإداري حيثما ذهب، وتغمر العناية الجميع، رحمة من الله له، وللناس من حوله.

ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 56].

والمُحْسِن هو الذي يصنع شيئاً فوق ما طُلب منه.

وهنا سنجد الإحسان يُنسب ليوسف؛ لأنه حين أقام لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ فقد أحسن إلى أهل الأمكنة التي له فيها بيوت؛ بارتفاع مستوى الخدمة في المرافق وغيرها.

وسبحانه يجازي المحسنين بكمال وتمام الأجر، وقد كافأ يوسف عليه السلام بالتمكين مع محبة من تولَّى أمرهم.

ويتابع الحق سبحانه: { وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ.. }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net