سورة
اية:

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضاً، فمنه: إقسامهم باللّه أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم، قال اللّه تعالى: { كذلك كانوا يؤفكون . وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب اللّه إلى يوم البعث} أي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة اللّه في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة { لقد لبثتم في كتاب اللّه} أي في كتاب الأعمال { إلى يوم البعث} أي من يوم خلقتم إلى أن بعثتم، { ولكنكم كنتم لا تعلمون} ، قال اللّه تعالى: { فيومئذ} أي يوم القيامة { لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} أي اعتذارهم عما فعلوا، { ولا هم يستعتبون} أي ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} .

تفسير الجلالين

{ ويوم تقوم الساعة يُقسم } يحلف { المجرمون } الكافرون { ما لبثوا } في القبور { غير ساعة } قال تعالى: { كذلك كانوا يؤفكون } يصرفون عن الحق: البعث كما صرفوا عن الحق الصدق في مدة اللبث.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم تَجِيء سَاعَة الْبَعْث , فَيَبْعَث الْخَلْق مِنْ قُبُورهمْ , يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ , وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَيَكْتَسِبُونَ فِيهِ الْآثَام , وَإِقْسَامهمْ : حَلِفهمْ بِاَللَّهِ . { مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة } : يَقُول : يُقْسِمُونَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي قُبُورهمْ غَيْر سَاعَة وَاحِدَة. يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا كَانُوا يُؤْفَكُونَ : يَقُول : كَذَبُوا فِي قِيلهمْ وَقَسَمهمْ مَا لَبِثْنَا غَيْر سَاعَة , كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21354 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } أَيْ يَكْذِبُونَ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يُؤْفَكُونَ } عَنْ الصِّدْق , وَيَصُدُّونَ عَنْهُ إِلَى الْكَذِب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم تَجِيء سَاعَة الْبَعْث , فَيَبْعَث الْخَلْق مِنْ قُبُورهمْ , يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ , وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَيَكْتَسِبُونَ فِيهِ الْآثَام , وَإِقْسَامهمْ : حَلِفهمْ بِاَللَّهِ . { مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة } : يَقُول : يُقْسِمُونَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي قُبُورهمْ غَيْر سَاعَة وَاحِدَة. يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا كَانُوا يُؤْفَكُونَ : يَقُول : كَذَبُوا فِي قِيلهمْ وَقَسَمهمْ مَا لَبِثْنَا غَيْر سَاعَة , كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21354 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة يُقْسِم الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } أَيْ يَكْذِبُونَ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يُؤْفَكُونَ } عَنْ الصِّدْق , وَيَصُدُّونَ عَنْهُ إِلَى الْكَذِب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} أي يحلف المشركون. { ما لبثوا غير ساعة} ليس في هذا رد لعذاب القبر؛ إذ كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوذ منه، وأمر أن يتعوذ منه؛ فمن ذلك ما رواه عبدالله بن مسعود قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي تقول : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : (لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر) في أحاديث مشهورة خرجها مسلم والبخاري وغيرهما. وقد ذكرنا منها جملة في كتاب (التذكرة). وفي معنى { ما لبثوا غير ساعة} قولان : أحدهما : أنه لا بد من خمدة قبل يوم القيامة؛ فعلى هذا قالوا : ما لبثنا غير ساعة. والقول الآخر : أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها، كما قال الله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} النازعات : 46] كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون. قال تعالى: { كذلك كانوا يؤفكون} أي كانوا يكذبون في الدنيا؛ يقال : أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والخير. وأرض مأفوكة : ممنوعة من المطر. وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على غير ذلك، قال الله عز وجل: { كذلك كانوا يؤفكون} أي كما صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا؛ وقال جل وعز: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} المجادلة : 18] وقال: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين. انظر كيف كذبوا} الأنعام : 23].

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهؤلاء يقولون يوم القيامة " ما لبثنا غير ساعة " مع أن الآخرة لا كذب فيها، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم؛ لأن الغائب عن الزمن لا يدري به، والزمن ظرف لوقت الأحداث، كما أن المكان ظرف لمكانها، فالنائم مثلاً لا يشعر بالزمن؛ لأن الزمن يُحسب بتوالي الأحداث فيه، فإذا كنتَ لا تشعر بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت، سواء أكان بنوم كأهل الكهف، أو بموت كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

ولما قاموا من النوم أو الموت لم يُوقِّتوا إلا على عادة الناس في النوم، فقالوا:
{  لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ... }
[الكهف: 19]؛ لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن، إنما يدري بالزمن الذي يتتبع الأحداث، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن، فهو صادق فيما يخبر به على ظنه.

لذلك يقول تعالى في آية أخرى:
{  قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ }
[المؤمنون: 112-113] أي: اسأل الذين يعدُّون الزمن ويحصونه علينا، والمقصود والملائكة، فهم الذين يعرفون الأحداث، ويسجلونها من خَلْق آدم عليه السلام وإلى الآن، وإلى قيام الساعة.

فلا يسأل عن عدد إلا مَنْ عدَّ بالفعل، أو مَنْ يمكن أنْ يعُدّ، أما الشيء الذي لا يكون مظنة العدِّ والإحصاء فلا يُعَدُّ، وهل عَدَّ أحد في الدنيا رمال الصحراء مثلاً؟ لذلك نسمع في الفكاهات: أن واحداً سأل الآخر: تعرف في السماء كم نجم؟ قال: تسعة آلاف مليون وخمسمائة ألف وثلاثة وتسعون نجماً، فقال الأول: أنت كذاب، فقال الآخر: اطلع عِدّهم.

لكن، لماذا يستقلّ الكفار الزمن فيُقسمون يوم تقوم الساعة ما لبثوا غير ساعة؟ وفي موضع آخر يقول عنهم:
{  كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }
[النازعات: 46].

قالوا: لأن الزمن يختلف بحسْب أحوال الناس فيه، فواحد يتمنى لو طال به الزمن، وآخر يتمنى لو قصر، فالوقت الذي يجمعك ومَنْ تحب يمضي سريعاً وتتمنى لو طال، على خلاف الوقت الذي تقضيه على مَضض مع مَنْ تكره، فيمر بطيئاً متثاقلاً.

على حدِّ قول الشاعر:
حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً   والبَلاَيَا تُكَالُ بالقُفزان
ويقول آخر:
وَدَّع الصَّبر محبٌّ ودَّعكَ   ذائعٌ مِن سِرِّهِ مَا اسْتوْدعَكْ
يَقْرعُ السَّنَّ على أنْ لم يكُنْ   زَادَ في تِلْكَ الخُطَى إذْ شيَّعَكْ
إلى أنْ يقولَ:
إنْ يَطُلْ بعدكَ لَيْلى فلكَمْ   بِتُّ أشكُو قِصَر الليْلِ معكْ
ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغَمِّ الزمن طويل ثقيل، ألم تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمَنْ يحب:
يَا لَيْلُ طُلْ يا نَوْمُ زُلْ   يَا صُبْحُ قِفْ لا تطْلُعٍ
كذلك الذي ينتظر سروراً يستبطيء الزمن، ويود لو مرَّ سريعاً ليعاين السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شراً أو ينتظره فيودُّ لو طالَ الزمن ليبعده عن الشر الذي يخافه.لذلك نجد المؤمنين يودُّون لو قصر الزمن؛ لأنهم واثقون من الخير الذي ينتظرهم والنعيم الذي وُعدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودُّون لو طال الزمن ليبعَدهم عما ينتظرهم من العذاب؛ لذلك يقولون ما لبثنا في الدنيا إلا قليلاً ويا ليتها طالتْ بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ويقولون حَسْب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئاً يُبعد عنهم العذاب.

إذن: أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أنْ يُحِصيه، كالعُزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه
{  قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ... }
[البقرة: 259] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام
{  قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ... }
[البقرة: 259].

والذي لا شكَّ فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، وكذلك العزير كان صادقاً في حكمه على الزمن؛ لذلك أقام الحق - سبحانه وتعالى - الدليل على صِدْق القولين فقال:
{  فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ... }
[البقرة: 259] والطعام لا يتغير في يوم أو بعض يوم، فقام الطعام والشراب دليلاً على صِدْق الرجل.

ثم قال سبحانه
{  وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً... }
[البقرة: 259].

فقامت العظام البالية دليلاً على صِدْقه تعالى في المائة عام. ولا تقل: كيف نجمع بين صدق القولين؟ لأن الذي أجرى هذه المسألة رب، هو سبحانه القابض الباسط، يقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حَقِّ آخرين.

وهذه الآية { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ... } [الروم: 55] جاءت بعد إعذار الله للكافرين برسله، ومعنى إعذارهم أي: إسقاط عذرهم في أنه سبحانه لم يُبيِّن لهم أدلة الإيمان في قمته بإله واحد، وأدلة الإيمان بالرسول بواسطة المعجزات حتى يؤمنوا بآيات الأحكام في: افعل، ولا تفعل.

فالآيات كما قلنا ثلاث: آيات تثبت قمة العقيدة، وهو الإيمان بوجود الإله القادر الحكيم، وآيات تثبت صِدْق البلاغ عن الله بواسطة رسله، وهذه هي المعجزات، وآيات تحمل الأحكام.

والحق سبحانه لا يطلب من المؤمنين به أنْ يؤمنوا بأحكامه في: افعل ولا تفعل إلا إذا اقتنعوا أولاً بالرسول المبلِّغ عن الله بواسطة المعجزة، ولا يمكن أنْ يؤمنوا بالرسول المبلِّغ عن الله إلا إذا ثبتَ عندهم وجود الله، ووجود الله ثابت في آيات الكون.

لذلك دائماً ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها متفرقة، فلم يصبّها علينا صَبّاً، إنما يأتي بالآية ثم يُردِفها بما حدث منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر الإعذار لهم في أنه لم يَعُدْ لهم عُذْر في ألاَّ يؤمنوا.

فنلحظ هذا التكرار في قوله سبحانه:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[الروم: 46].ثم يذكر أن هذه الآيات لم تُجْد معهم:
{  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ }
[الروم: 47].

ثم يسوق آية أخرى:
{  ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
[الروم: 48-50].

ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كلِّ هذه الآيات:
{  وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }
[الروم: 51].

وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويُتبعها بما حدث منهم من نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ... } [الروم: 55] لتقول لهم: إنْ كنتم قد كذَّبتم بكل هذه الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة.

وعجيب أنْ يُقسِموا بالله في الآخرة ما لبثوا غير ساعة، وقد كفروا به سبحانه في الدنيا.

وفي الآية جناس تام بين كلمة الساعة الأولى، والساعة الثانية، فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ... } [الروم: 55] أي: القيامة { يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ... } [الروم: 55] أي: من الوقت، ومن ذلك قول الشاعر:
رَحلْتُ عَنِ الديارِ لكُمْ أَسِيرُ   وقَلْبي فِي محبِتكُمْ أَسِيرُ
أي: مأسور.

ولي أنا وزميلي الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة - أطال الله بقاءه - قصة مع الجناس، ففي إحدى حصص البلاغة، قال الأستاذ: لا يوجد في القرآن جناس تام إلا في هذه الآية بين ساعة وساعة، لكن يوجد فيه جناس ناقص، فرفع الدكتور محمد أصبعه وقال: يا أستاذ أنا لا أحب أنْ يُقال: في القرآن شيء ناقص.

فضحك الشيخ منه وقال له: إذن ماذا نقول؟ وقد قسم أهل البلاغة الجناس إلى تام وناقص: الأول تتفق فيه الكلمتان في عدد الحروف وترتيبها وشكلها، فإن اختلف من ذلك شيء فالجناس بينهما ناقص، كما في قوله تعالى:
{  ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }
[الهمزة: 1] فبين هُمزة ولمزة جناس ناقص؛ لأنهما اختلفا في الحرف الأول.

أذكر أن الشيخ أشار إليَّ وقال: ما رأيك فيما يقول صاحبك؟ فقلت: نسميه جناس كُل، وجناس بعض، يعني: تتفق الكلمتان في كل الحروف أو في بعضها، وبذلك لا نقول في القرآن: جناس ناقص.

فقولهم { مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ... } [الروم: 55] أي: الساعة الزمنية التي نعرفها، والزمن له مقاييس: ثانية، ودقيقة، وساعة، ويوم، وأسبوع، وشهر، وسنة، وقرن، ودهر، وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا.

إذن: فهم يُقلِّلون مدة مُكْثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم القيامة، وقد أخبرناهم وهم في سَعَة الدنيا أن متاع الدنيا قليل، وأنها قصيرة وإلى زوال، فلم يُصدّقوا والآن يقولون: إنها كانت مجرد ساعة، ولم يقولوا حتى شهر أو سنة، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته، وظننتَ أنك خالد فيه حتى قلتَ
{  مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }
[الجاثية: 24].

ففي الدنيا كذَّبتم وأنكرتم، ولم تستجيبوا لداعي الإيمان، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى، كما قال سبحانه:
{  يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ... }
[الإسراء: 52] أي: تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء محبوب.

ثم يقول سبحانه: { كَذَلِكَ... } [الروم: 55] أي: كهذا الكذب { كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } [الروم: 55] والإفك من أَفك إفكاً، أي: صرف الشيء عن وجهه؛ لذلك سُمِّي الكذب إفكاً؛ لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف الواقع، فيأتي بها على غير وجهها، أو يُوجِدها وهي غير موجودة، أو ينكر وجودها.

ومنه قوله تعالى:
{  وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ }
[النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله، فجعل عاليها سافلها.

فقوله { كَذَلِكَ... } [الروم: 55] أي: كهذا الإفك كانوا يُؤْفكون، يعني: يكذِّبون الرسل في الحقائق التي جاءوا بها من قِبلَ ربهم.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ... }.


www.alro7.net