سورة
اية:

وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة أولئك يؤمنون به} ، وقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ عليهم: { يس والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين أي موحدين مخلصين للّه مستجيبين له، قال اللّه تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول، ثم بالثاني، ولهذا قال: { بما صبروا} أي على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدّى حق اللّه وحق مواليه، ورجل كانت له أَمَة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها)، وفي الحديث: (من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا) ""أخرجه الإمام أحمد عن القاسم بن أبي أمامة""، وقوله تعالى: { ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي لا يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون، { ومما رزقناهم ينفقون} أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق اللّه في الزكاة المفروضة، وصدقات النفل والقربات، وقوله تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما} ، { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي إذا سفه عليهم وكلمهم بما لا يليق أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، وقالوا: { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. قال محمد بن إسحاق: ثم قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما أرادوا دعاهم إلى اللّه تعالى، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا للّه وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم اللّه من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، قال ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران وفيهم نزلت هذه الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} ، إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين} قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي اللّه عنهم، والآيات اللاتي في سورة المائدة { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً - إلى قوله - فاكتبنا مع الشاهدين} .

تفسير الجلالين

{ وإذا سمعوا اللغو } الشتم والأذى من الكفار { أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } سلام متاركة أي سلمتم منا من الشتم وغيره { لا نبتغي الجاهلين } لا نصحبهم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب اللَّغْو , وَهُوَ الْبَاطِل مِنْ الْقَوْل , كَمَا : 20961 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } لَا يُجَارُونَ أَهْل الْجَهْل وَالْبَاطِل فِي بَاطِلهمْ , أَتَاهُمْ مِنْ أَمْر اللَّه مَا وَقَذَهُمْ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِاللَّغْوِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَا كَانَ أَهْل الْكِتَاب أَلْحَقُوهُ فِي كِتَاب اللَّه , مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20962 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ لِأَهْلِ الْكِتَاب , إِذَا سَمِعُوا اللَّغْو الَّذِي كَتَبَ الْقَوْم بِأَيْدِيهِمْ مَعَ كِتَاب اللَّه , وَقَالُوا : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه , إِذَا سَمِعَهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَمَرُّوا بِهِ يَتْلُونَهُ , أَعْرَضُوا عَنْهُ , وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 20963 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم كَانُوا مُشْرِكِينَ فَأَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جُوَيْرِيَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَسْلَمُوا , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهُمْ , فَكَانُوا يَصْفَحُونَ عَنْهُمْ , يَقُولُونَ : { سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . وَقَوْله : { أَعْرَضُوا عَنْهُ } يَقُول : لَمْ يُصْغُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَمِعُوهُ { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اللَّغْو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِنَّمَا هُوَ مَا قَالَهُ مُجَاهِد , مِنْ أَنَّهُ سَمَاع الْقَوْم مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ بِالْقَوْلِ مَا يَكْرَهُونَ مِنْهُ فِي أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ أَجَابُوهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْقَوْل { لَنَا أَعْمَالنَا } قَدْ رَضِينَا بِهَا لِأَنْفُسِنَا , { وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَدْ رَضِيتُمْ بِهَا لِأَنْفُسِكُمْ . وَقَوْله : { سَلَام عَلَيْكُمْ } يَقُول : أَمَنَة لَكُمْ مِنَّا أَنْ نُسَابّكُمْ , أَوْ تَسْمَعُوا مِنَّا مَا لَا تُحِبُّونَ { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } يَقُول : لَا نُرِيد مُحَاوَرَة أَهْل الْجَهْل وَمُسَابَّتهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب اللَّغْو , وَهُوَ الْبَاطِل مِنْ الْقَوْل , كَمَا : 20961 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } لَا يُجَارُونَ أَهْل الْجَهْل وَالْبَاطِل فِي بَاطِلهمْ , أَتَاهُمْ مِنْ أَمْر اللَّه مَا وَقَذَهُمْ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِاللَّغْوِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَا كَانَ أَهْل الْكِتَاب أَلْحَقُوهُ فِي كِتَاب اللَّه , مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20962 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ لِأَهْلِ الْكِتَاب , إِذَا سَمِعُوا اللَّغْو الَّذِي كَتَبَ الْقَوْم بِأَيْدِيهِمْ مَعَ كِتَاب اللَّه , وَقَالُوا : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه , إِذَا سَمِعَهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَمَرُّوا بِهِ يَتْلُونَهُ , أَعْرَضُوا عَنْهُ , وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 20963 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم كَانُوا مُشْرِكِينَ فَأَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جُوَيْرِيَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَسْلَمُوا , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهُمْ , فَكَانُوا يَصْفَحُونَ عَنْهُمْ , يَقُولُونَ : { سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . وَقَوْله : { أَعْرَضُوا عَنْهُ } يَقُول : لَمْ يُصْغُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَمِعُوهُ { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اللَّغْو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِنَّمَا هُوَ مَا قَالَهُ مُجَاهِد , مِنْ أَنَّهُ سَمَاع الْقَوْم مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ بِالْقَوْلِ مَا يَكْرَهُونَ مِنْهُ فِي أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ أَجَابُوهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْقَوْل { لَنَا أَعْمَالنَا } قَدْ رَضِينَا بِهَا لِأَنْفُسِنَا , { وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَدْ رَضِيتُمْ بِهَا لِأَنْفُسِكُمْ . وَقَوْله : { سَلَام عَلَيْكُمْ } يَقُول : أَمَنَة لَكُمْ مِنَّا أَنْ نُسَابّكُمْ , أَوْ تَسْمَعُوا مِنَّا مَا لَا تُحِبُّونَ { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } يَقُول : لَا نُرِيد مُحَاوَرَة أَهْل الْجَهْل وَمُسَابَّتهمْ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} ثبت في ""صحيح مسلم عن أبي موسى"" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم ـ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدي حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) قال الشعبي للخراساني : خذا هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة ""وخرجه البخاري"" أيضا قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين؛ فالكتابي كان مخاطبا من جهة نبيه، ثم إنه خوطب من جهة نبينا فأجابه واتبعه فله أجر الملتين، وكذلك العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده، ورب الأمة لما قام بما خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء التربية، ثم إنه لما أعتقها وتزوجها أحياها إحياء الحرية التي ألحقها فيه بمنصبه، فقد قام بما أمر فيها، فأجر كل واحد منهم أجرين ثم إن كل واحد من الأجرين مضاعف في نفسه، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور ولذلك قيل : إن العبد الذي يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحر، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبدالبر وغيره وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (للعبد المملوك المصلح أجران) والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك قال سعيد بن المسيب : وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها."" وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة"" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له). الثانية: قوله تعالى: { بما صبروا} عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك. الثالثة: قوله تعالى: { ويدرءون بالحسنة السيئة} أي يدفعون درأت إذا دفعت، والدرء الدفع وفي الحديث : (ادرؤوا الحدود بالشبهات) قيل : يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى وقيل : يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب؛ وعلى الأول فهو وصف لمكارم الأخلاق؛ أي من قال لهم سوءا لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ومنه قوله عليه السلام لمعاذ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ولين الحديث الرابعة: قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون} أثني عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة؛ ثم مدحهم أيضا على إعراضهم عن اللغو كما قال { وإذا مروا باللغو مروا كراما} الفرقان 72 أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه؛ أي لم يشتغلوا به { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي متاركة؛ مثل قوله { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الفرقان 63 أي لنا ديننا ولكم دينكم { سلام عليكم} أي أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم، ولا نسابكم، وليس من التحية في شيء مال الزجاج : وهذا قبل الأمر بالقتال { لا نبتغي الجاهلين} أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 53 - 57

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه صفة أخرى من صفات المؤمنين { وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ... } [القصص: 55] واللغو: هو الكلام الذي لا فائدة منه، فلا ينفعك إنْ سمعتَه، ولا يضرك عدم سماعه، وينبغي على العاقل أنْ يتركه، فهو حقيق أنْ يُترك وأنْ يُلْغى.

ولذلك كان من صفات عباد الرحمن:
{  وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً }
[الفرقان: 72] أي: لا يلتفتون إليه.

وسبب نزول هذه الآية: لما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسُل النجاشي وكانوا جماعة من القساوسة، فلما جلسوا أسمعهم سورة (يس)، فتأثروا لها حتى بكَوْا جميعاً، ثم آمنوا برسول الله، ولما انصرفوا تعرَّض لهم أبو جهل ونهرهم وقال: خيَّبكم الله من رَكْب - وهم الجماعة يأتون في مهمة - أرسلكم من خلفي - يعني: النجاشي - لتعلموا له أخبار الرجل، فسمعتموه فبكيتُم وأسلمتُم، والله ما رأينا رَكْباً أحمق منكم، فما كان منهم إلا أنْ أعرضوا عنه.

هذا معنى قول الحق سبحانه: { وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.... } [القصص: 55].

وهؤلاء مرُّوا باللغو مرورَ الكرام، وأعرضوا عنه، فلم يلتفتوا إليه، وزادوا على ذلك أنهم لم يسكتوا على اللغو إنما قالوا: { لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ } [القصص: 55] لنا أعمالنا الخيِّرة التي يجب أنْ نُقبل عليها، ولكم أعمالكم الباطلة التي ينبغي أنْ تُترك، فكلٌّ مِنَّا له شَأْن يشغله.

{ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.. } [القصص: 55] والسلام إما سلام تحية كما هو شائع بيننا، وإما سلام للمتاركة كما لو دخلتَ مع صاحبك في جدل، فلما رأيتَ أنه سيطول وربما تعدَّيْتَ عليه فتقول له تاركاً: سلام عليكم. تعني: إنني ليس لديَّ ما أقوله لمفارقتك إلا هذه الكلمة.

ومن ذلك ما دار بين الخليل إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وبين عمِّه، فبعد أنْ ناقشه ولم يَصل معه إلى نتيجة قال له:
{  سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ... }
[مريم: 47].

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ... }.


www.alro7.net