سورة
اية:

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { قل} يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن { أرأيتم إن كان} هذا القرآن { من عند اللّه ثم كفرتم به} أي كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { من أضل ممن هو في شقاق بعيد} ؟ أي في كفر وعناد ومشاقة للحق ومسلك بعيد من الهدى، ثم قال جلَّ جلاله: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} أي سنظهر لهم دلالالتنا وحججنا على كون القرآن حقاً منزلاً من عند اللّه، على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدلائل خارجية { في الآفاق} من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد والحسن والسدي: { وفي أنفسهم} قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك، من الوقائع التي نصر اللّه فيها محمداً صلى اللّه عليه وسلم وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه، ويحتمل أن يكون المراد ما الإنسان مركب منه، من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح، الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى. وقوله تعالى: { حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ؟ أي كفى باللّه شهيداً على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم صادق فيما أخبر به عنه، كما قال: { لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} الآية، وقوله تعالى: { ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم} أي في شك من قيام الساعة، ولهذا لا يتفكرون فيه ولا يعملون له وهو كائن لا محالة وواقع لا ريب فيه، ثم قال تعالى مقرراً أنه على كل شيء قدير { ألا إنه بكل شيء محيط} أي المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

تفسير الجلالين

{ ألا إنهم في مرية } شك { من لقاء ربهم } لإنكارهم البعث { ألا إنه } تعالى { بكل شيء محيط } علماً وقدرة فيجازيهم بكفرهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاء رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه فِي شَكّ مِنْ لِقَاء رَبّهمْ , يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي شَكّ مِنَ الْبَعْث بَعْد الْمَمَات , وَمُعَادهمْ إِلَى رَبّهمْ , كَمَا : 23634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاء رَبّهمْ } يَقُول : فِي شَكّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاء رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه فِي شَكّ مِنْ لِقَاء رَبّهمْ , يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي شَكّ مِنَ الْبَعْث بَعْد الْمَمَات , وَمُعَادهمْ إِلَى رَبّهمْ , كَمَا : 23634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاء رَبّهمْ } يَقُول : فِي شَكّ . ' وَقَوْله : { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيط } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء مِمَّا خَلَقَ مُحِيط عِلْمًا بِجَمِيعِهِ , وَقُدْرَة عَلَيْهِ , لَا يَعْزُب عَنْهُ عِلْم شَيْء مِنْهُ أَرَادَهُ فَيَفُوتهُ , وَلَكِنَّهُ الْمُقْتَدِر عَلَيْهِ الْعَالِم بِمَكَانِهِ .وَقَوْله : { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيط } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء مِمَّا خَلَقَ مُحِيط عِلْمًا بِجَمِيعِهِ , وَقُدْرَة عَلَيْهِ , لَا يَعْزُب عَنْهُ عِلْم شَيْء مِنْهُ أَرَادَهُ فَيَفُوتهُ , وَلَكِنَّهُ الْمُقْتَدِر عَلَيْهِ الْعَالِم بِمَكَانِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل أرأيتم} أي قل لهم يا محمد { أرأيتم} يا معشر المشركين. { إن كان من عند الله ثم كفرتم به} { إن كان} هذا القرآن { من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} أي فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل : قوله: { إن كان من عند الله} يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: { آتينا موسى الكتاب} [البقرة : 53] والأول أظهر وهو قول ابن عباس. قوله تعالى: { سنريهم آياتنا} أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا { في الآفاق} يعني خراب منازل الأمم الخالية { وفي أنفسهم} بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: { في الآفاق} آيات السماء { وفي أنفسهم} حوادث الأرض. وقال مجاهد: { في الآفاق} فتح القرى؛ فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات { وفي أنفسهم} فتح مكة. وهذا اختيار الطبري. وقال المنهال ابن عمرو والسدي. وقال قتادة والضحاك: { في الآفاق} وقائع الله في الأمم { وفي أنفسهم} يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضا { في الآفاق} يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح : الآفاق النواحي، واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء : إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول : أفقي بضمها وهو القياس. وأنشد غير الجوهري : أخذنا بآفاق السماء عليكم ** لنا قمراها والنجوم الطوالع { وفي أنفسهم} من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول؛ فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: { وفي أنفسهم} من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في { المؤمنون} بيانه. وقيل : المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيب { حتى يتبين لهم أنه الحق} فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه القرآن. الثاني : الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه. الثالث : أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. الرابع : أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق. { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} { أو لم يكف بربك} في موضع رفع بأنه فاعل { بيكف} و { أنه} بدل من { ربك} فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع، وجر { إن} قدرته بدلا على اللفظ. ويجوز أن يكون نصبا بتقدير حذف اللام، والمعنى أو لم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده؛ لأنه { على كل شيء شهيد} وإذا شهده جازى عليه. وقيل : المعنى { أو لم يكف بربك} في معاقبته الكفار. وقيل : المعنى { أو لم يكف بربك} يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل: { أو لم يكف بربك} شاهدا على أن القرآن من عند الله. وقيل: { أو لم يكف بربك أنه على كل شيء} مما يفعله العبد { شهيد} والشهيد بمعنى العالم؛ أو هو من الشهادة التي هي الحضور { ألا إنهم في مرية} أي في شك { من لقاء ربهم} في الآخرة. وقال السدي : أي من البعث. { ألا إنه بكل شيء محيط} أي أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي. وقال الكلبي : أحاطت قدرته بكل شيء. وقال الخطابي : هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه : أحاط يحيط إحاطة وحيطة؛ ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاطت الخيل بفلان : إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: { وأحيط بثمره} [الكهف : 42] والله أعلم بصواب ذلك. تم بعونه تعالى الجزء الخامس عشر من تفسير القرطبي ويليه الجزء السادس عشر، وأوله: "سورة الشورى"

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 43 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة { أَلاَ } أداة استفتاح لكلام جديد، فالمتكلم يريد ألاَّ يفاجئ المخاطب فينبهه لكي ينتبه إليه ولا يفوته شيء من كلامه، وكأنه يقول له: استعد واسمع ما أقوله لك فهو كلام مهم.

والكلام المهم هو قوله تعالى: { إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ } [فصلت: 54] أي: الكفار في شكٍّ من البعث بعد الموت يظنون أن المسألة خلقهم الله في الدنيا وانتهتْ المسألة، فهم يشكُّون في أن هناك رجعة، ويرتابون في الحساب والجزار، ولا يعلمون حساباً لهذا اليوم، لماذا؟

لأنهم لم يعملوا مقدمة لهذا اللقاء لذلك يتغافلون عنه، يُمنَّى الواحد نفسه أن هذا الكلام كذب، وليس هناك بعْث ولا حستب ولا جزاء، ومَنْ يعترف منهم بهذا اللقاء يملؤه الغرور، فيقول
{  وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }
[فصلت: 50] وقال آخر:
{  وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً }
[الكهف: 36].

إذن: فهم في (مِرْيةٍ) من هذا اليوم أي شك وارتياب وتردد، والمِرْية أيضاً من المراء، وهو الجدال بالباطل والعناد والمكابرة على قبول الحق والانصياع له؛ لذلك قالوا: الجدل هو النقاش الموصِّل إلى شيء بين طرفين، إلى نتيجة، أما المراء فهو جدل ينتصر فيه كل طرف لنفسه، ولا يعنيه الوصول إلى الحق.

والله تبارك وتعالى يُعلِّمنا كيفية الاختلاف، وكيفية النقاش، وأصول الجدل في قوله تعالى:
{  قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ }
[سبأ: 46] ما هي يا رب؟
{  أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ }
[سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا بحثاً جماعياً جماهيرياً، بل مَثْنَى وفرادى، لأن حكم الجماهير غير منضبط، فكل طرف فيه يريد أن ينتصر لرأيه، ولا يقبل أن يُهزَم أمام الجمع فيتمادى في الباطل.

وسبق أن قلنا: إن هتاف الجماهير تتوه فيه الأصوات وتختلط فلا تتميز، ومثَّلنا لذلك بقول شوقي في كليوباترا لما اهزمتْ في أكتيوم:
اسْمع الشَّعْبَ ديُون كيْفَ يُوحُونَ إليْه   مَلأَ الجوَّ هتَافاً بحيَاتيْ قَاتليْه
أَثَّر البُهتانُ فيه وَانطَلى الزُّور عليْه   يَالَهُ من بَبْغَاءَ عَقلُه فِي أُذُنيْه
والأمر المخزي هنا أنهم في مرية، لم يقل من الجنة وإنما { فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ } [فصلت: 54] فهذا هو الكسوف الكبير والخجل والخزي، كما قالوا: موقف يتساقط فيه لحم الوجه خجلاً من الحق سبحانه، وقد عادوا إليه هذا العَوْد المؤسف، وجدوا أنفسهم أمام الحق سبحانه وقد كفروا به في الدنيا وجحدوه وأنكروه، ثم تفاجئهم هذه الحقيقة
{  وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39].

والله لو قال في مرية من نعيم ربهم لكانت مقبولة، والناس تتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في العمل الصالح، فمنهم مَنْ يعمل خوفاً من النار، ومنهم مَنْ يعمل طمعاً في الجنة، ومنهم مَنْ يعمل حباً في الله الذي كلَّفه وإرضاءً له سبحانه، لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، إنما يعمل لذات الله.لذلك ورد أن السيدة رابعة العدوية قالت في مناجاتها لله تعالى: اللهم إنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، إنما أحبك لأنكَ تستحق الحب، واقرأ قوله تعالى:
{  فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }
[الكهف: 110] والجنة أحد.

وقوله سبحانه: { أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ } [فصلت: 54] تقرير لحقيقة أخرى بدأن أيضاً بـ { أَلاَ } الاستفتاحية، والمعنى أنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء إحاطة تامة لا يفلت أحدٌ منها، ولا يغيب عنها مثقالُ ذرة في السماوات ولا في الأرض، والمحيط هو الدائرة التي تلفُّ الشيء من كل جوانبه.


www.alro7.net