سورة
اية:

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى: ولو ترى يا محمد إذا فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة { فلا فوت} أي فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ { وأخذوا من مكان قريب} أي لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب، بل أخذوا من أول وهلة، قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم، وقال مجاهد وقتادة: من تحت أقدامهم، وعن ابن عباس والضحاك: يعني عذابهم في الدنيا، وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني قتلهم يوم بدر، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلاً بذلك، { وقالوا آمنا به} أي يوم القيامة يقولون آمنا باللّه ورسله كما قال تعالى: { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} ، ولهذا قال تعالى: { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} أي وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء؟ فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، قال مجاهد: { وأنى لهم التناوش} قال: التناول لذلك، وقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا، وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد، وقال ابن عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة. وقوله تعالى: { وقد كفروا به من قبل} أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا بالرسل، { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} يعني بالظن، كما قال تعالى: { رجماً بالغيب} فتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد، { ويقولون إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقين} قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار، وقوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون} قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما: يعني الإيمان، وقال السدي { وحيل بينهم وبين ما يشتهون} : وهي التوبة، وهذا اختيار ابن جرير رحمه اللّه، وقال مجاهد: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون} من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهلٍ (وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس وهو قول البخاري وجماعة من العلماء) ، والصحيح أنه لا منافاة بين القولين فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه. وقوله تعالى: { كما فعل بأشياعهم من قبل} أي كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس اللّه، تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللّه التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} ، وقوله تبارك وتعالى: { إنهم كانوا في شك مريب} أي كانوا في الدنيا في شك وريبة فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتادة: إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه.

تفسير الجلالين

{ وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون } من الإيمان، أي قبوله { كما فُعل بأشياعهم } أشباههم في الكفر { من قبل } أي قبلهم { إنهم كانوا في شك مريب } موقع في الريبة لهم فيما آمنوا به الآن ولم يعتدوّا بدلائله في الدنيا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكّ مُرِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَحِيلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حِين فَزِعُوا , فَلَا فَوْت , وَأُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيب , فَقَالُوا آمَنَّا بِهِ { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } حِينَئِذٍ مِنْ الْإِيمَان بِمَا كَانُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22102 - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن حَفْص الْأُبُلِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنهمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان بِاللَّهِ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَبْد الصَّمَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن , وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . * -حَدَّثَنِي ابْن أَبِي زِيَاد , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . 22103 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الصَّمَد الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : مِنْ الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا لِيَتُوبُوا . 22104 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } كَانَ الْقَوْم يَشْتَهُونَ طَاعَةَ اللَّه أَنْ يَكُونُوا عَمِلُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا حِينَ عَايَنُوا مَا عَايَنُوا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن حَبِيب , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَال وَوَلَد وَزَهْرَة الدُّنْيَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22105 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; قَالَ : ثني الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : مِنْ مَال أَوْ وَلَد أَوْ زَهْرَة . 22106 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنهمْ وَبَيْن مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : فِي الدُّنْيَا الَّتِي كَانُوا فِيهَا وَالْحَيَاة , وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا تَمَنَّوْا حِينَ عَايَنُوا مِنْ عَذَاب اللَّه مَا عَايَنُوا , مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْهُ , وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ , فَقَالَ اللَّه : وَأَنَّى لَهُمْ تَنَاوُش ذَلِكَ مِنْ مَكَان بَعِيد , وَقَدْ كَفَرُوا مِنْ قَبْل ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَأَنْ يَكُونَ قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى مَا تَمَنَّوْهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْره . وَقَوْله : { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } يَقُول فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , فَحُلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْإِيمَان بِاللَّهِ عِنْد نُزُول سَخَط اللَّه بِهِمْ , وَمُعَايَنَتهمْ بَأْسَهُ كَمَا فَعَلْنَا بِأَشْيَاعِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِاللَّهِ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ كُفَّار الْأُمَم , فَلَمْ نَقْبَل مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , كَمَا لَمْ نَقْبَل فِي مِثْل ذَلِكَ الْوَقْت مِنْ ضُرَبَائِهِمْ , وَالْأَشْيَاع : جَمْع شِيَع , وَشِيَع : جَمْع شِيعَة , فَأَشْيَاع جَمْع الْجَمْع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } قَالَ الْكُفَّار مِنْ قَبْلهمْ . 22108 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } أَيْ فِي الدُّنْيَا كَانُوا إِذَا عَايَنُوا الْعَذَابَ لَمْ يُقْبَل مِنْهُمْ إِيمَان . وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكّ مُرِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَحِيلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ عَايَنُوا بَأْسَ اللَّه , وَبَيْنَ الْإِيمَان : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل فِي الدُّنْيَا فِي شَكّ مِنْ نُزُول الْعَذَاب الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَعَايَنُوهُ , وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ نَبِيّهمْ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الْكُفْر بِاللَّهِ , وَعِبَادَة الْأَوْثَان أَنَّ اللَّهَ مُهْلِكهمْ , وَمُحِلّ بِهِمْ عُقُوبَته فِي عَاجِل الدُّنْيَا , وَآجِل الْآخِرَة قَبْل نُزُوله بِهِمْ { مُرِيب } يَقُول : مُوجِب لِصَاحِبِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مَا يَرِيبهُ مِنْ مَكْرُوه , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ أَرَابَ الرَّجُل : إِذَا أَتَى رِيبَة وَرَكِبَ فَاحِشَة ; كَمَا قَالَ الرَّاجِز : يَا قَوْم مَالِي وَأَبَا ذُؤَيْب ؟ كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيَبَزُّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْبِ يَقُول : كَأَنَّمَا أَتَيْت إِلَيْهِ رِيبَة آخِر تَفْسِير سُورَة سَبَأ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكّ مُرِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَحِيلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حِين فَزِعُوا , فَلَا فَوْت , وَأُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيب , فَقَالُوا آمَنَّا بِهِ { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } حِينَئِذٍ مِنْ الْإِيمَان بِمَا كَانُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22102 - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن حَفْص الْأُبُلِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنهمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان بِاللَّهِ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَبْد الصَّمَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن , وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . * -حَدَّثَنِي ابْن أَبِي زِيَاد , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . 22103 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الصَّمَد الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : مِنْ الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا لِيَتُوبُوا . 22104 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } كَانَ الْقَوْم يَشْتَهُونَ طَاعَةَ اللَّه أَنْ يَكُونُوا عَمِلُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا حِينَ عَايَنُوا مَا عَايَنُوا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن حَبِيب , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَان . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَال وَوَلَد وَزَهْرَة الدُّنْيَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22105 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; قَالَ : ثني الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : مِنْ مَال أَوْ وَلَد أَوْ زَهْرَة . 22106 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنهمْ وَبَيْن مَا يَشْتَهُونَ } قَالَ : فِي الدُّنْيَا الَّتِي كَانُوا فِيهَا وَالْحَيَاة , وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا تَمَنَّوْا حِينَ عَايَنُوا مِنْ عَذَاب اللَّه مَا عَايَنُوا , مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْهُ , وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ , فَقَالَ اللَّه : وَأَنَّى لَهُمْ تَنَاوُش ذَلِكَ مِنْ مَكَان بَعِيد , وَقَدْ كَفَرُوا مِنْ قَبْل ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَأَنْ يَكُونَ قَوْله : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى مَا تَمَنَّوْهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْره . وَقَوْله : { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } يَقُول فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , فَحُلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْإِيمَان بِاللَّهِ عِنْد نُزُول سَخَط اللَّه بِهِمْ , وَمُعَايَنَتهمْ بَأْسَهُ كَمَا فَعَلْنَا بِأَشْيَاعِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِاللَّهِ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ كُفَّار الْأُمَم , فَلَمْ نَقْبَل مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , كَمَا لَمْ نَقْبَل فِي مِثْل ذَلِكَ الْوَقْت مِنْ ضُرَبَائِهِمْ , وَالْأَشْيَاع : جَمْع شِيَع , وَشِيَع : جَمْع شِيعَة , فَأَشْيَاع جَمْع الْجَمْع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } قَالَ الْكُفَّار مِنْ قَبْلهمْ . 22108 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل } أَيْ فِي الدُّنْيَا كَانُوا إِذَا عَايَنُوا الْعَذَابَ لَمْ يُقْبَل مِنْهُمْ إِيمَان . وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكّ مُرِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَحِيلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ عَايَنُوا بَأْسَ اللَّه , وَبَيْنَ الْإِيمَان : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل فِي الدُّنْيَا فِي شَكّ مِنْ نُزُول الْعَذَاب الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَعَايَنُوهُ , وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ نَبِيّهمْ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الْكُفْر بِاللَّهِ , وَعِبَادَة الْأَوْثَان أَنَّ اللَّهَ مُهْلِكهمْ , وَمُحِلّ بِهِمْ عُقُوبَته فِي عَاجِل الدُّنْيَا , وَآجِل الْآخِرَة قَبْل نُزُوله بِهِمْ { مُرِيب } يَقُول : مُوجِب لِصَاحِبِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مَا يَرِيبهُ مِنْ مَكْرُوه , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ أَرَابَ الرَّجُل : إِذَا أَتَى رِيبَة وَرَكِبَ فَاحِشَة ; كَمَا قَالَ الرَّاجِز : يَا قَوْم مَالِي وَأَبَا ذُؤَيْب ؟ كُنْت إِذَا أَتَوْته مِنْ غَيْب يَشُمّ عِطْفِي وَيَبَزُّ ثَوْبِي كَأَنَّمَا أَرَبْته بِرَيْبِ يَقُول : كَأَنَّمَا أَتَيْت إِلَيْهِ رِيبَة آخِر تَفْسِير سُورَة سَبَأ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون} قيل : حيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل : حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جل وعز وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل بينهم وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا أو قد زالت في ذلك الوقت. والأصل "حول" فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها لثقلها. { كما فعل بأشياعهم} الأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة. { من قبل} أي بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. { إنهم كانوا في شك} أي من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. قيل : في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. { مريب} أي يستراب به، يقال : أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال : يقال شك مريب؛ كما يقال : عجب عجيب وشعر شاعر؛ في التأكيد. ختمت السور، والحمد لله رب العالمين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة سبأ الايات 52 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نقول: حُلْتُ بين الخصمين يعني: فصلْتُ بينهما، وجعلتُ بينهما حائلاً ومانعاً من الاشتباك حتى لا يبلغ كل منهم أشُدَّه في المعركة، أو ينال مراده من خَصْمه، فالحق - سبحانه وتعالى - جعل حائلاً ومانعاً بين هؤلاء وبين ما يشتهون.

والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أنْ يطمسوا دعوة الحق، فلم يُمكِّنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه:
{  يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ }
[التوبة: 32].

وقال سبحانه:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }
[الصف: 9].

وهم يشتهون انطماس الدعوة؛ لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرُّف، كذلك يَشْتهون انطماس الدعوة حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم.

ومعلوم أن الإنسان تحاربه نفسه قبل أن يحاربه الشطيان، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: " إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين " ومع ذلك تحدث في رمضان ذنوب وجرائم. إذن: هذه الذنوب وهذه الجرائم ليست عن طريق الشيطان، إنما من طريق النفس، كأن الله تعالى يريد أنْ يفضح العاصين الذين يتهمون الشيطان، ويُلْقون عليه تبعة كل ذنوبهم. إذن: ليس الشيطان وحده هو وسيلة الضلال والغواية، إنما هناك النفس الأمَّارة بالسوء.

وسبق أنْ أوضحنا كيفية التفريق بين المعصية من طريق الشيطان والمعصية من طريق النفس، وقلنا: إذا وقفْتَ أمام معصية بعينها لا تتحول عنها مهما عَزَّتْ عليك أسبابها، فاعلم أنها من شهوات النفس؛ لأن النفس تريد شيئاً بعينه، أما الشيطان فإنْ عزَّت عليك معصية أخذك إلى أخرى، المهم أن تعصي الله على أيِّ وجه، وبأية طريقة.

فقوله تعالى: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [سبأ: 54] دلَّ على أن المسألة بالنسبة لهم كانت شهوةَ نفس، لا مدخلَ للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تَبْقَ إلا شهوات النفس فاشتهوا أنْ يطمسوا الدعوة، وأنْ يذلوا مَنْ آمن ويجعلوه عبرةً لمن يفكر في الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذُلَّ وضُرب وأُهين من المؤمنين ثبت على إيمانه، ومَنْ كان يفكر في الإيمان لم يَرْهَبَهُم، ولم يخف مما فعلوه بإخوانه المؤمنين.

فإنْ قلت: كيف أسلم اللهُ المؤمنين الأوائل لأنْ يعذبهم الكفار، وأنْ يُهينوهم ويُخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أنْ يُمحِّص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غالٍ ونفيس.لذلك أراد سبحانه أنْ تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تُغربل الناس، وتُخرِج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر، وهذا ما حدث بالفعل في مسألة الإسراء والمعراج مثلاً، وفي رحلة الطائف، كلها فِتن تُمحِّص المؤمنين.

لقد ضيَّق الكفارُ على المؤمنين الخناقَ، حتى جلس رسول الله يفكر في أمرهم ويفتش في رقعة الأرض المعاصرة له، أيها تناسب أصحابه، ويأمنون فيها على أرواحهم وعلى دينهم، فلم يجد صلى الله عليه وسلم إلا الحبشة، فقال لأصحابه: " اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظْلم أحد عنده ".

وفعلاً كان النجاشي عند ظن رسول الله، فأكرم المؤمنين، ورفض أنْ يُسَلِّمهم إلى وفد قريش؛ لذلك كافأه رسول الله بأنْ وكله في أن يُزوِّجه من أم حبيبة، وكانت لهذه الزيجة حكمة، فالسيدة أم حبيبة هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، لكنه تنصَّر هناك، وظلَّتْ أم حبيبة على إيمانها، فدلَّ ذلك على صدْق إيمانها، وأنها ما هاجرت لأجل زوجها، إنما هاجرت لله ورسوله، فكافأها رسول الله هذه المكافأة.

فالكفار اشتهوا إيذاء رسول الله وإيذاء المؤمنين مجاهرةً، فلم يصلوا من ذلك إلى شيء، فاشتهوا التآمر على رسول الله وقَتْله، ودبروا له مؤامرة لقتله
{  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ }
[الأنفال: 30] فخيَّب الله سَعْيهم، " وخرج رسول الله من بين شبابهم وفتيانهم، وهو يحثُو التراب على وجوههم، ويقول: " شاهت الوجوه " ".

والله يقول:
{  فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }
[يس: 9].

وهكذا حالَ الله بينهم وبين ما يشتهون من المجاهرة ومن المؤامرة، فحاولوا أنْ يسحروا رسول الله، بأن يكيدوا له بطريقة خفية فَسَحره لبيد بن الأعصم، واستعانوا في ذلك بإخوانهم من شياطين الجن، كما قاله سبحانه:
{  وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ }
[الأنعام: 121] لكن خيَّب الله مَسْعاهم في السحر أيضاً، ولم ينالوا من رسول الله، ولا من منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: وفِّروا على أنفسكم، فرسول الله معصوم من الله، كما خاطبه سبحانه بقوله:
{  وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ }
[المائدة: 67].

وقوله سبحانه: { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } [سبأ: 54] يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة مُتبعة في الأمم السابقة، ومعنى { بِأَشْيَاعِهِم } [سبأ: 54] بأمثالهم من الكفار في الأُمم السابقة.

والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقاً أم كان باطلاً، فقوله تعالى هنا: { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } [سبأ: 54] دلَّ على أنهم كانوا على باطل، أما قوله تعالى:
{  وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ }
[الصافات: 83] فهذه على الحق.والمعنى: أنهم أُخِذوا كما أُخِذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله؛ لذلك حدثتْ فيهم الزلازل والخسْف والصيحة والمسخ.. إلخ.

فالأمم السابقة لم تكُنْ مأمونة على أنْ تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملتْ السيف ودافعتْ عن دينها؛ لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خَسْف، ولا مَسْخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم.

لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم:
{  رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }
[نوح: 26-27].

أما سيدنا رسول الله فجاءه الملَك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول لا إله إلا الله. وفعلاً آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألدَّ أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين.

وقد تألم المسلمون كثيراً؛ لأن هؤلاء نجوْا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضُرِب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة تُرضي عني الله ورسوله؟

حتى الذين ظلُّوا على كفرهم من قوم رسول الله كانوا في صالح الإسلام، فمثلاً أبو لهب وهو عم رسول الله، وهو الذي قال له: تباً لك، ألهذا جمعتنا، وهو الذي قال عن رسول الله لما مات ولده إنه أبتر يعني مقطوع الذرية، لأن أولاد البنات يُنسَبون إلى آبائهم، كما قال الشاعر:
فَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ القَومِ أَوْعِيَةٌ   مُسْتَوْدَعَاتٌ وللأَحْسَابِ آبَاءُ
ومن العجيب أن أبا لهب قدَّم للإسلام كما قدَّم خالد وعمرو وربما أكثر، كيف؟ لأن الله جعله حجة على صِدْق كلام الله، وعلى صِدْق رسول الله فيما بلَّغ عن ربه، فلما قال لرسول الله: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟

ردَّ الله عليه:
{  تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ }
[المسد: 1-5].

فحكم الله عليه وهو ما يزال في سَعَة الدنيا، وما يزال مختاراً حراً قادراً على إعلان إيمانه ولو نفاقاً، ومع ذلك لم يجرؤ أنْ ينطق بكلمة التوحيد، ولو نطق بها لَكَان له أن يقول: إن القرآن كاذب، وها أنا أشهد ألا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله. وهكذا أقام الله من هذا الكافر المعاند دليلاً على صِدْق كلامه، وصِدْق رسوله.ثم تُختم السورة بقوله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ } [سبأ: 54] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونُصْرته عليهم، وعدم تخلِّي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مَرِّ موكب الرسالة كانت للرسل؛ لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً ثم يُسلمه أو يتخلى عنه.

وهذه قضية ذُكِرت في الكتب السابقة كما ذُكِرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حُرِّفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفَّل الله بحفظه، فهو يُتلَى كما أُنْزِل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى:
{  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }
[غافر: 51].

وقال سبحانه:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 171-172].

لذلك سبق أنْ قلنا: إنْ هُزِم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامتْ للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أُحُد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التفَّ عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم.

وإنْ كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أُحُد؛ لأن المعركة (ماعت)، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهَانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أُحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هُزِم في أُحد هو مَنِ انخذل عن جندية الإيمان، أمَّا الإسلام في حدِّ ذاته فقد انتصر.

إذن: كانوا في شكٍّ من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }
[الزخرف: 87].

والشك يعني عدم الجزم وعدم اليقين، وبيَّنا ذلك بأن نسَبَ الكلام في الكون ست، لكل ثلاث منها اتجاه، فالكلام بداية علَّمَ الله سبحانه آدم الأسماء كلها ليتفاهم بها مع غيره، فالكلام يقتضي متكلماً ومُخاطباً، ولا بُدَّ أن يكون المخاطب على علم بمدلول الكلام، بدليل أن العربي لا يفهم الإنجليزي، ولا الإنجليزي يفهم العربي، لا بُدَّ من علم بالتواضع في اللغة ليفهم كل منهما عن الآخر.

والكلام المفيد هو الجملة التي يحسُن السكوت عليها، بأن تعطي معنى مفيداً، فلو قُلْت مثلاً (محمد) فهي مفردة من مفردات اللغة لا تعطي معنى إلا بنسبة، فتقول: محمد كريم، فأسندتَ الكرم إلى محمد، وهذا معنى تام، يحسُن السكوت عليه.وإسناد الكرم لمحمد هو مُعتقد المتكلّم به، فإنْ كان لهذا الكلام وجود بالفعل بأنْ وُجد شخص اسمه محمد، وصفته الكرم، فهذا الكلام المعتقد جازم بالحكم والحكم واقع، فإنْ كان المتكلم غير جازم بالحكم، متردداً فيه فهذا شك، فالشك فيه نسبة متأرجحة بين النفي والإثبات بحيث تتساوى الكفتان، فإنْ رجحت واحدة فهي ظن، والأخرى المرجوحة وهم.

إذن: كم نسبة للكلام غير المجزوم به؟ ثلاث: الشك والظن والوهم. أما الكلام المجزوم به فإنْ كان له واقع، وتستطيع أنْ تدلل عليه فهو علم، وإنْ لم تستطع أنْ تُدلل عليه فهو تقليد، وإن جزمتَ به وليس له واقع فهذا جهل، وهذه الثلاث نِسَب الكلام المجزوم به: علم، وتقليد، وجهل.

إذن: الكفار جازمون معتقدون في أن الله هو الخالق، لكنهم شاكُّون في مسألة البلاغ عن الله، وأنها جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وسلم { إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ } [سبأ: 54] الشك ذاته يُوقِع في الارتياب والقلق.


www.alro7.net