سورة
اية:

أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة أولئك يؤمنون به} ، وقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ عليهم: { يس والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين أي موحدين مخلصين للّه مستجيبين له، قال اللّه تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول، ثم بالثاني، ولهذا قال: { بما صبروا} أي على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدّى حق اللّه وحق مواليه، ورجل كانت له أَمَة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها)، وفي الحديث: (من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا) ""أخرجه الإمام أحمد عن القاسم بن أبي أمامة""، وقوله تعالى: { ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي لا يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون، { ومما رزقناهم ينفقون} أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق اللّه في الزكاة المفروضة، وصدقات النفل والقربات، وقوله تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما} ، { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي إذا سفه عليهم وكلمهم بما لا يليق أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، وقالوا: { لنا أعمالنا ولكم أعمالنا سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. قال محمد بن إسحاق: ثم قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما أرادوا دعاهم إلى اللّه تعالى، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا للّه وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم اللّه من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، قال ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران وفيهم نزلت هذه الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} ، إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين} قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي اللّه عنهم، والآيات اللاتي في سورة المائدة { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً - إلى قوله - فاكتبنا مع الشاهدين} .

تفسير الجلالين

{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين } بإيمانهم بالكتابين { بما صبروا } بصبرهم على العمل بهما { ويدرؤون } يدفعون { بالحسنة السيئة } منهم { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ , يُؤْتَوْنَ ثَوَاب عَمَلهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّبْر الَّذِي وَعَدَ اللَّه مَا وَعَدَ عَلَيْهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَعَدَهُمْ مَا وَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْكِتَاب الْأَوَّل , وَاتِّبَاعهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَبْرهمْ عَلَى ذَلِكَ . وَذَلِكَ قَوْل قَتَادَة , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَعَدَهُمْ بِصَبْرِهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث , وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ حِين بُعِثَ. وَذَلِكَ قَوْل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا قَبْل , وَمِمَّنْ وَافَقَ قَتَادَة عَلَى قَوْله عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد . 20958 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب . قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } عَلَى دِين عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ لَهُمْ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ : بِمَا صَبَرُوا أَوَّل مَرَّة , وَدَخَلُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَام . وَقَالَ قَوْم فِي ذَلِكَ بِمَا : 20959 -حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِنَّ قَوْمًا كَانُوا مُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذِنهُمْ , فَنَزَلَتْ { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَقَوْله { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة } يَقُول : وَيَدْفَعُونَ بِحَسَنَاتِ أَفْعَالهمْ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا سَيِّئَاتهمْ { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } مِنْ الْأَمْوَال { يُنْفِقُونَ } فِي طَاعَة اللَّه , إِمَّا فِي جِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَإِمَّا فِي صَدَقَة عَلَى مُحْتَاج , أَوْ فِي صِلَة رَحِم . 20960 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } قَالَ اللَّه : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَأَحْسَنَ اللَّه عَلَيْهِمْ الثَّنَاء كَمَا تَسْمَعُونَ , فَقَالَ : { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ , يُؤْتَوْنَ ثَوَاب عَمَلهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّبْر الَّذِي وَعَدَ اللَّه مَا وَعَدَ عَلَيْهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَعَدَهُمْ مَا وَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْكِتَاب الْأَوَّل , وَاتِّبَاعهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَبْرهمْ عَلَى ذَلِكَ . وَذَلِكَ قَوْل قَتَادَة , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَعَدَهُمْ بِصَبْرِهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث , وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ حِين بُعِثَ. وَذَلِكَ قَوْل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا قَبْل , وَمِمَّنْ وَافَقَ قَتَادَة عَلَى قَوْله عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد . 20958 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب . قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } عَلَى دِين عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ لَهُمْ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ : بِمَا صَبَرُوا أَوَّل مَرَّة , وَدَخَلُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَام . وَقَالَ قَوْم فِي ذَلِكَ بِمَا : 20959 -حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِنَّ قَوْمًا كَانُوا مُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذِنهُمْ , فَنَزَلَتْ { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَقَوْله { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة } يَقُول : وَيَدْفَعُونَ بِحَسَنَاتِ أَفْعَالهمْ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا سَيِّئَاتهمْ { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } مِنْ الْأَمْوَال { يُنْفِقُونَ } فِي طَاعَة اللَّه , إِمَّا فِي جِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَإِمَّا فِي صَدَقَة عَلَى مُحْتَاج , أَوْ فِي صِلَة رَحِم . 20960 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } قَالَ اللَّه : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَأَحْسَنَ اللَّه عَلَيْهِمْ الثَّنَاء كَمَا تَسْمَعُونَ , فَقَالَ : { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة } . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} ثبت في ""صحيح مسلم عن أبي موسى"" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم ـ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدي حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) قال الشعبي للخراساني : خذا هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة ""وخرجه البخاري"" أيضا قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين؛ فالكتابي كان مخاطبا من جهة نبيه، ثم إنه خوطب من جهة نبينا فأجابه واتبعه فله أجر الملتين، وكذلك العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده، ورب الأمة لما قام بما خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء التربية، ثم إنه لما أعتقها وتزوجها أحياها إحياء الحرية التي ألحقها فيه بمنصبه، فقد قام بما أمر فيها، فأجر كل واحد منهم أجرين ثم إن كل واحد من الأجرين مضاعف في نفسه، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور ولذلك قيل : إن العبد الذي يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحر، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبدالبر وغيره وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (للعبد المملوك المصلح أجران) والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك قال سعيد بن المسيب : وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها."" وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة"" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له). الثانية: قوله تعالى: { بما صبروا} عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك. الثالثة: قوله تعالى: { ويدرءون بالحسنة السيئة} أي يدفعون درأت إذا دفعت، والدرء الدفع وفي الحديث : (ادرؤوا الحدود بالشبهات) قيل : يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى وقيل : يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب؛ وعلى الأول فهو وصف لمكارم الأخلاق؛ أي من قال لهم سوءا لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ومنه قوله عليه السلام لمعاذ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ولين الحديث الرابعة: قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون} أثني عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة؛ ثم مدحهم أيضا على إعراضهم عن اللغو كما قال { وإذا مروا باللغو مروا كراما} الفرقان 72 أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه؛ أي لم يشتغلوا به { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي متاركة؛ مثل قوله { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الفرقان 63 أي لنا ديننا ولكم دينكم { سلام عليكم} أي أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم، ولا نسابكم، وليس من التحية في شيء مال الزجاج : وهذا قبل الأمر بالقتال { لا نبتغي الجاهلين} أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 47 - 54


سورة القصص الايات 53 - 57

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يُعلِّمنا أن الذي يريد ديناً حقاً لا بُدَّ أن ينظر إلى دين يأتي بعده بمعجزة، لأنه إذا كان قد آمن حين يجيء بعد عيسى رسول، فوجب عليه أنْ يبحث في الدين الجديد، وأنْ ينظر أدلة تبرر له إيمانه بهذا الدين.

هذا إذا كان الدين الأول لم يتبدَّل، فإذا كان الدين الأول قد تبدَّل، فالمسألة واضحة؛ لأن التبديل يُحدث فجوة عند مَنْ يريد ديناً
{  ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ... }
[الأعراف: 157].

آمنوا به؛ لأنهم وجدوا نَعْته، ووجدوا العقائد التي لا تتغير موجودة في كتابه، وهو أُميٌّ لم يعرف شيئاً من هذا، فأخذوا من أميته دليلاً على صِدْقه.

فقوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ... } [القصص: 54] أي: أهل الكتاب الذين يؤمنون بالقرآن وهم خاشعون لله، والذين سبق وصفهم { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ... } [القصص: 54] أجر لإيمانهم برسلهم، وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

لذلك جاء في الحديث الشريف: " ثلاثة يُؤْتَوْن أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه مثل آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أَمَة - جارية - فأدَّبها فأحسن تأديبها، فأعتقها بعد ذلك، ثم تزوجها ".

وهؤلاء الذين آمنوا برسلهم، ثم آمنوا برسول الله استحقوا هذه المنزلة، ونالوا هذين الأجرين لأنهم تعرضوا للإيذاء ممَّنْ لم يؤمن في الإيمان الأول، ثم تعرَّضوا للإيذاء في الإيمان الثاني، فصبروا على الإيذاءين، وهذه هي حيثية { يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ... } [القصص: 54].

وكما أن الله تعالى يُؤتِي أهلَ الكتاب الذين آمنوا بمحمد أجرهم مرتين، كذلك يُؤتي بعض المسلمين أجرهم مرتين، ومنهم - كما بيَّن سيدنا رسول الله: " عبد مملوك أدى حق الله، وأدَّى حق أوليائه، ورجل عنده أَمَةٌ... ".

ولا يُحرم هذا الأجر الدين الذي باشر الإسلام، وأتى قبله، وهو المسيحية، فلهم ذلك أيضاً؛ لذلك يقول تعالى:
{  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ... }
[الحديد: 25] وأهم هذه المنافع
{  وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ... }
[الحديد: 25] وذكر الحديد، لأن منه سيصنع سلاح الحرب.

إذن: أنزل الله القرآن لمهمة، وأنزل الحديد لمهمة أخرى؛ لذلك يقول الشاعر:
فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أَوْ حَدٌّ مُرْهَف   يُقيم ظباه أَخْدعَيْ كلِّ مائلٍ
فَهَذا دَوَاءُ الدَّاء من كُلِّ عَاقِلٍ   وذَاك دَوَاءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهل
ولي أنا شخصياً ذكريات ومواقف مع هذه الآية { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ... } [القصص: 54] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحيين، وكان من بينهم رجل ذو عقل وفكر، كان دائماً يُواسي المسلمين، ويحضر مآتمهم ويستمع للقرآن، وكانت تعلَق بذهنه بعض الآيات، فجاءني مرة يقول: سمعت المقريء يقرأ:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }
[الأنبياء: 107].

فألسنا من العالمين، قلت له: نعم أُرسِل محمد رحمة للعالمين جميعاً، فمَنْ آمن به نالته رحمته، ومَنْ لم يؤمن به حُرِم منها، ومع ذلك لو نظرتَ في القرآن نظرة إمعانٍ وتبصُّر تجد أنه رحِم غير المؤمن، قال: كيف؟ فقرأتُ له قوله تعالى:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ... }
[النساء: 105] ولم يقل بين المؤمنين
{  بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105].

فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أنْ يُنصف المظلوم منهم، وأنْ يردَّ عليه حقَّه، ثم
{  وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }
[النساء: 106] لأن الله لا يحب الخوَّان الأثيم ولو كان مسلماً.

ثم ذكرتُ له سبب نزول هذه الآية وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن السمين أمانة عند طعمة بن أبيرق المسلم، وكان الدرع قد سُرِق من قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة ذهب يبحث عنه، وكان قد وضعه في كيس من الدقيق، فتتبع أثر الدقيق حتى ذهب إلى بيت زيد بن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته، وأذاع أمره بين الناس، فقصَّ اليهودي ما كان من أمر طُعْمة بن أبيرق، وأنه أودع الدرع عنده على سبيل الأمانة؛ لأنه يخشى عليه أنْ يُسرق من بيته.

وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم؛ لأنه حديث عهد بإسلام، وكيف ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق، ومالوا إلى إدانة اليهودي، وفعلاً عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلاً يُخرجه من هذا المأزق، مع أنهم لا يستبعدون أنْ يسرق ابن أبيرق.

وجلس رسول الله يفكر في هذا الأمر، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي، فيقول له: هذه المسألة لا تحتاج إلى تفكير ولا بحث:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105].

فأدانت الآية ابن أبيرق، ودلَّتْ على أن هذه ليست الحادثة الأولى في حقِّه، ووصفتْه بأنه خوّان أي: كثير الخيانة وبرَّأتْ اليهودي، وصححتْ وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم بالسرقة، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق، وأدانوا اليهودي.

فالآية وإنْ أدانت المسلم، إلا أنها رفعتْ شأن الإسلام في نظر الجميع: المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية، ولو انحاز رسول الله وتعصَّب للمسلم لاهتزتْ صورة الإسلام في نظر الجميع. ولو حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام، وقد أسلموا فعلاً بعد ما حدث؟

وما أشبهَ هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من نظر صاحبه الذي شهد لصالحه، حتى قالوا: مَنْ جعلك موضعاً للنقيصة فقد سقطت من نظره، وإنْ أعَنْتَه على أمره، فشاهد الزور يرتفع رأسُك على الخصم بشهادته، وتطأ قدمُك على كرامته.

وقوله تعالى: { وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ... } [القصص: 54] هذه أيضاً من خصالهم أن يدفعوا السيئة بالحسنة، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى:
{  وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }
[الشورى: 43] { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [القصص: 54] النفقة الواجبة على نفسه وعلى آله، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة، ثم نفقة المروءات للمساكين وأهل الخصاصة.


www.alro7.net