سورة
اية:

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

تفسير بن كثير

ويقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها، كيلا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى اللّه وبصره لطريق النجاة. قال الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب أخبره أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة، فقال: (ألا تصليان)، فقلت: يا رسول اللّه إنما أنفسنا بيد اللّه، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه ويقول: { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} ""أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ ولقد صرفنا } بينا { في هذا القرآن للناس من كل مثل } صفة لمحذوف، أي مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا { وكان الإنسان } أي الكفار { أكثر شيء جدلاً } خصومة في الباطل وهو تمييز منقول من اسم كان، المعنى: وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَلَقَدْ مَثَّلْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل , وَوَعَظْنَاهُمْ فِيهِ مِنْ كُلّ عِظَة , وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ بِكُلِّ حُجَّة لِيَتَذَكَّرُوا فَيُنِيبُوا , وَيَعْتَبِرُوا فَيَتَّعِظُوا , وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول : وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء مِرَاء وَخُصُومَة , لَا يُنِيب لِحَقٍّ , وَلَا يَنْزَجِر لِمَوْعِظَةٍ , كَمَا : 17451 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } قَالَ : الْجَدَل : الْخُصُومَة , خُصُومَة الْقَوْم لِأَنْبِيَائِهِمْ , وَرَدّهُمْ عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ . وَقَرَأَ : { مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ يَأْكُل مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَب مِمَّا تَشْرَبُونَ } . 23 33 وَقَرَأَ : { يُرِيد أَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْكُمْ } . 23 24 وَقَرَأَ : { حَتَّى تُوَفَّى } . ... الْآيَة : { وَلَوْ نْزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس } . ... 6 7 الْآيَة . وَقَرَأَ : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ } 15 14 قَالَ : هُمْ لَيْسَ أَنْتَ { لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارنَا بَلْ نَحْنُ قَوْم مَسْحُورُونَ } 15 15 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَلَقَدْ مَثَّلْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل , وَوَعَظْنَاهُمْ فِيهِ مِنْ كُلّ عِظَة , وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ بِكُلِّ حُجَّة لِيَتَذَكَّرُوا فَيُنِيبُوا , وَيَعْتَبِرُوا فَيَتَّعِظُوا , وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول : وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء مِرَاء وَخُصُومَة , لَا يُنِيب لِحَقٍّ , وَلَا يَنْزَجِر لِمَوْعِظَةٍ , كَمَا : 17451 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } قَالَ : الْجَدَل : الْخُصُومَة , خُصُومَة الْقَوْم لِأَنْبِيَائِهِمْ , وَرَدّهُمْ عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ . وَقَرَأَ : { مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ يَأْكُل مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَب مِمَّا تَشْرَبُونَ } . 23 33 وَقَرَأَ : { يُرِيد أَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْكُمْ } . 23 24 وَقَرَأَ : { حَتَّى تُوَفَّى } . ... الْآيَة : { وَلَوْ نْزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس } . ... 6 7 الْآيَة . وَقَرَأَ : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ } 15 14 قَالَ : هُمْ لَيْسَ أَنْتَ { لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارنَا بَلْ نَحْنُ قَوْم مَسْحُورُونَ } 15 15 '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل} يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية. الثاني : ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في { سبحان} ؛ فهو على الوجه الأول زجر، وعلى الثاني بيان. { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} أي جدالا ومجادلة والمراد به النضر بن الحارث وجداله في القرآن وقيل : الآية في أبي بن خلف. وقال الزجاج : أي الكافرون أكثر شيء جدلا؛ والدليل على الكافر قوله { ويجادل الذين كفروا بالباطل} وروي أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له ما صنعت فيما أرسلت إليك فيقول رب آمنت بك وصدقت برسلك وعملت بكتابك فيقول الله له هذه صحيفتك ليس فيها من ذلك فيقول يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول ولا أقبلهم يا رب وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى هذا اللوح المحفوظ أُمّ الكتاب قد شهد بذلك فقال يا رب ألم تجرني من الظلم قال بلى فقال يا رب لا أقبل إلا شاهدا علي من نفسي فيقول الله تعالى الآن نبعث عليك شاهدا من نفسك فيتفكر من الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يخلى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإن بعضه ليعلن بعضا يقول لأعضائه لعنكم الله فعنكن كنت أناضل فتقول أعضاؤه لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يُكتم حديثا فذلك قوله تعالى { كان الإنسان أكثر شيء جدلا} أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضا. وفي صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال : (ألا تصلون؟ فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا؛ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} )

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 46 - 54


سورة الكهف الايات 54 - 63

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سبق أن تكلمنا عن تصريف الآيات، وقلنا: إن التصريف معناه تحويل الشيء إلى أشياء متعددة، كما يصرّف الله الرياح مثلاً، فلا تأتي من ناحية واحدة، بل تأتي مرة من هنا، ومرة من هناك، كذلك صَرّف الله الأمثال. أي: أتى بأحوال متعددة وصُور شتى منها.

والحق سبحانه يضرب الأمثال كأنه يقرع بها آذان الناس لأمر قد يكون غائباً عنهم، فيمثله بأمر واضح لهم مُحَسٍّ ليتفهموه تفهّماً دقيقاً.

وما دام أن الحق سبحانه صرّف في هذا القرآن من كل مثَل، فلا عُذْر لمن لم يفهم، فالقرآن قد جاء على وجوه شتّى ليُعلم الناس على اختلاف أفهامهم ومواهبهم؛ لذلك ترى الأمي يسمعه فيأخذ منه على قدر فَهْمه، والنصف مثقف يسمعه فيأخذ منه على قدر ثقافته، والعالم الكبير يأخذ منه على قدر علمه ويجد فيه بُغْيته، بل وأكثر من ذلك، فالمتخصص في أيِّ علم من العلوم يجد في كتاب الله أدقّ التفاصيل؛ لأن الحق سبحانه بيَّن فيه كل شيء.

ثم يقول تعالى: { وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } [الكهف: 54] أي: كثير الخصومة والتنازع في الرأي، والجدل: هو المحاورة ومحاولة كل طرف أن يثبت صِدْق مذهبه وكلامه، والجدل إما أن يكون بالباطل لتثبيت حجة الأهواء وتراوغ لتبرر مذهبك ولو خطأً، وهذا هو الجَدل المعيب القائم على الأهواء. وإما أن يكون الجدل بالحق وهو الجدل البنّاء الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة، وهذا بعيد كل البعد عن التحيّز للهوى أو الأغراض.

ولما تحدَّث القرآن الكريم عن الجدل قال تعالى:
{  وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. }
[العنكبوت: 46]

وقال:
{  وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. }
[النحل: 125] " والنبي صلى الله عليه وسلم لما مرَّ على عليٍّ وفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ ليوقظهما لصلاة الفجر، وطرق عليهما الباب مرة بعد أخرى، ويبدو أنهما كانا مستغرقيْن في نوم عميق، فنادى عليهما صلى الله عليه وسلم " ألا تصلون؟ " فردَّ الإمام علي قائلاً: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، إن شاء أطلقها وإن شاء أمسكها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: { وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } " [الكهف: 54]

لأن الإنسان له أهواء متعددة وخواطر متباينة، ويحاول أنْ يُدلّل على صحة أهوائه وخواطره بالحجة، فيقارع الحق ويغالط ويراوغ. ولو دققتَ في رأيه لوجدتَ له هوىً يسعى إليه ويميل إلى تحقيقه، وترى ذلك واضحاً إذا اخترتَ أحد الطرق تسلكه أنت وصاحبك مثلاً لأنه أسهلها وأقربها، فإذا به يقترح عليك طريقاً آخر، ويحاول إقناعك به بكل السُّبل، والحقيقة أن له غرضاً في نفسه وهوىً يريد الوصول إليه.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ... }.


www.alro7.net