سورة
اية:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ

تفسير بن كثير

قد عُلِمَ أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه كيحيى وزكريا وشعيا، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجراً إلى اللّه كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ أجاب ابن جرير على ذلك بجوابين: أحدهما أن يكون الخبر خرج عاماً، والمراد به البعض، وهذا سائغ في اللغة. الثاني أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود، فسلط اللّه تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وهذه نصرة عظيمة، وسنة اللّه تعالى في خلقه في قديم الدهر، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم، ولهذا أهلك اللّه عزَّ وجلَّ قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى اللّه تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحداً، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحداً، قال السدي: لم يبعث اللّه عزَّ وجلَّ رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث اللّه تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا نصر اللّه نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصاراً وأعواناً، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم وقتل صناديدهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده المشرف المعظم، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً، ثم قبضه اللّه تعالى إليه فأقام اللّه تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين اللّه عزَّ وجلَّ، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، ثم لا يزال هذا الدين قائماً منصوراً ظاهراً إلى قيام الساعة، ولهذا قال تعالى { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} أي يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل، قال مجاهد: الأشهاد الملائكة { يوم لا ينفع الظالمين} وهم المشركون { معذرتهم} أي لا يقبل منهم عذر ولا فدية { ولهم اللعنة} أي الإبعاد والطرد من الرحمة، { ولهم سوء الدار} وهي النار، قال السدي: بئس المنزل والمقيل، وقال ابن عباس: أي سوء العاقبة. وقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى} وهو ما بعثه اللّه عزَّ وجلَّ به من الهدى والنور، { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم ملك فرعون، وفي الكتاب الذي أورثوه وهو التوراة { هدى وذكرى لأولي الألباب} وهي العقول الصحيحة السليمة، وقوله عزَّ وجلَّ { فاصبر} أي يا محمد { إن وعد اللّه حق} أي وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، واللّه لا يخلف الميعاد، وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك، وقوله تبارك وتعالى: { واستغفر لذنبك} هذا تهييج للأمة على الاستغفار، { وسبح بحمد ربك بالعشي} أي في أواخر النهار وأوائل الليل { والإبكار} وهي أوائل النهار وأواخر الليل. وقوله تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم} أي يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من اللّه، { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} أي ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه - من إخماد الحق وإعلاء الباطل - بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع { فاستعذ باللّه} أي من حال مثل هؤلاء { إنه هو السميع البصير} ، أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات اللّه بغير سلطان، هذا تفسير ابن جرير.

تفسير الجلالين

{ ولقد آتينا موسى الهدى } التوراة والمعجزات { وأورثنا بني إسرائيل } من بعد موسى { الكتاب } التوراة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى } الْبَيَان لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثْنَاهُ بِهِ كَمَا آتَيْنَا ذَلِكَ مُحَمَّدًا فَكَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْن وَقَوْمه , كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا { وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب } يَقُول : وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل التَّوْرَاة , فَعَلَّمْنَاهُمُوهَا , وَأَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ { هُدًى } يَعْنِي بَيَانًا لِأَمْرِ دِينهمْ , وَمَا أَلْزَمْنَاهُمْ مِنْ فَرَائِضهَا , { وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَاب } يَقُول : وَتَذْكِيرًا مِنَّا لِأَهْلِ الْحِجَا وَالْعُقُول مِنْهُمْ بِهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى } الْبَيَان لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثْنَاهُ بِهِ كَمَا آتَيْنَا ذَلِكَ مُحَمَّدًا فَكَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْن وَقَوْمه , كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا { وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب } يَقُول : وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيل التَّوْرَاة , فَعَلَّمْنَاهُمُوهَا , وَأَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ { هُدًى } يَعْنِي بَيَانًا لِأَمْرِ دِينهمْ , وَمَا أَلْزَمْنَاهُمْ مِنْ فَرَائِضهَا , { وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَاب } يَقُول : وَتَذْكِيرًا مِنَّا لِأَهْلِ الْحِجَا وَالْعُقُول مِنْهُمْ بِهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا} ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: { رسْلنا} والمراد موسى عليه السلام. { والذين آمنوا في الحياة الدنيا} في موضع نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل : هو عام في الرسل والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل : بالانتقام من أعدائهم. قال السدي : ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا. قوله تعالى: { ويوم يقوم الأشهاد} يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: { الأشهاد} أربعة : الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد والسدي { الأشهاد} الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. وقال قتادة : الملائكة والأنبياء. ثم قيل: { الأشهاد} جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج: { الأشهاد} جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس : ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعا أدي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء { ويوم تقوم الأشهاد} بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم) ثم تلا { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا} . وعنه عليه السلام أنه قال : (من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة ملكا يحميه من النار ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال). { يوم} بدل من يوم الأول. { لا ينفع الظالمين معذرتهم} قرأ نافع والكوفيون { ينفع} بالياء. الباقون بالتاء. { ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} { اللعنة} البعد من رحمة الله و { سوء الدار} جهنم. قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى} هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى والنور؛ وفي التنزيل: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} [المائدة : 44]. { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة جعلناها لهم ميراثا. { هدى} بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو هدى؛ يعني ذلك الكتاب. { وذكرى لأولي الألباب} أي موعظة لأصحاب العقول.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 50 - 56

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(الهُدَى) يعني: الدلالة على الطريق الموصَّلة إلى الغاية النافعة، كما قال تعالى في أول البقرة:
{  أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ }
[البقرة: 5] فالدين لم يأتِ ليكلفكم أو يشقّ عليكم، إنما جاء الدينُ رحمةً بكم وليكون مركبَ النجاة والهداية الذين تركبونه فيحملكم ويُوصِّلكم إلى الغاية النافعة لكم { وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ } [غافر: 53] أي: التوراة والإنجيل والزبور.

كل هذه الكتب { هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [غافر: 54] معنى (ذِكْري) أي: تذكرةً لأن الإنسان إذا استمر على طبيعته الأصيلة بدون تأثير بعوامل الفساد تظل مناعة العهد القديم
{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }
[الأعراف: 172] موجودة عنده تحميه، لكنه قد ينسى هذا العهد وينحرف عن الجادة، والإنسان من طبيعته النسيان؛ لذلك تأتي الرسل للتذكرة بهذا العهد الأول. ومعنى { ٱلأَلْبَابِ } [غافر: 54] أي العقول المفكرة المتأملة.


www.alro7.net