سورة
اية:

وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى اللّه فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} أي خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم اللّه ثم إليه يرجعون} ، وقد تواترت الآثار ( أورد ابن كثير عن ابن أبي الدنيا آثاراً كثيرة عن السلف الصالح تدل على اجتماع أرواح الموتى واستبشارهم بزيارة إخوانهم وأقربائهم لهم وأنهم يحسون ويشعرون بذلك ويأنسون بزيارة الأحياء، وقد ضربنا صفحاً عنها خشية الإطالة ) بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر؛ فروى ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم)، وروي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: (إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام) وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال، وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون، يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل اللّه لنا ولكم العافية، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلِّم الرد، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم إن } ما { تُسمع } سماع إفهام وقبول { إلا من يؤمن بآياتنا } القرآن { فهم مسلمون } مخلصون بتوحيد الله.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّد بِمُسَدِّدٍ مَنْ أَعْمَاهُ اللَّه عَنْ الِاسْتِقَامَة , وَمَحَجَّة الْحَقّ , فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الرُّشْد , فَصَارَفَهُ عَنْ ضَلَالَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا , وَرُكُوبه الْجَائِر مِنْ الطُّرُق , إِلَى سَبِيل الرَّشَاد , يَقُول : لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِك وَلَا إِلَيْك , وَلَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد غَيْرِي , لِأَنِّي الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء . وَقِيلَ : بِهَادِي الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتهمْ , وَلَمْ يَقُلْ : مِنْ ضَلَالَتهمْ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا وَصَفْت , مِنْ أَنَّهُ : وَمَا أَنْتَ بِصَارِفِهِمْ عَنْهُ , فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى . وَلَوْ قِيلَ : مِنْ ضَلَالَتهمْ كَانَ صَوَابًا . وَكَانَ مَعْنَاهُ : مَا أَنْتَ بِمَانِعِهِمْ مِنْ ضَلَالَتهمْ .وَقَوْله : { وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّد بِمُسَدِّدٍ مَنْ أَعْمَاهُ اللَّه عَنْ الِاسْتِقَامَة , وَمَحَجَّة الْحَقّ , فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الرُّشْد , فَصَارَفَهُ عَنْ ضَلَالَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا , وَرُكُوبه الْجَائِر مِنْ الطُّرُق , إِلَى سَبِيل الرَّشَاد , يَقُول : لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِك وَلَا إِلَيْك , وَلَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد غَيْرِي , لِأَنِّي الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء . وَقِيلَ : بِهَادِي الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتهمْ , وَلَمْ يَقُلْ : مِنْ ضَلَالَتهمْ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا وَصَفْت , مِنْ أَنَّهُ : وَمَا أَنْتَ بِصَارِفِهِمْ عَنْهُ , فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى . وَلَوْ قِيلَ : مِنْ ضَلَالَتهمْ كَانَ صَوَابًا . وَكَانَ مَعْنَاهُ : مَا أَنْتَ بِمَانِعِهِمْ مِنْ ضَلَالَتهمْ .' وَقَوْله : { إِنْ تُسْمِع إِلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : مَا تَسْمَع السَّمَاع الَّذِي يَنْتَفِع بِهِ سَامِعه فَيَعْقِلهُ , إِلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا , لِأَنَّ الَّذِي يُؤْمِن بِآيَاتِنَا إِذَا سَمِعَ كِتَاب اللَّه تَدَبَّرَهُ وَفَهِمَهُ وَعَقَلَهُ , وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ , وَانْتَهَى إِلَى حُدُود اللَّه , الَّذِي حَدَّ فِيهِ , فَهُوَ الَّذِي يَسْمَع السَّمَاع النَّافِع .وَقَوْله : { إِنْ تُسْمِع إِلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : مَا تَسْمَع السَّمَاع الَّذِي يَنْتَفِع بِهِ سَامِعه فَيَعْقِلهُ , إِلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا , لِأَنَّ الَّذِي يُؤْمِن بِآيَاتِنَا إِذَا سَمِعَ كِتَاب اللَّه تَدَبَّرَهُ وَفَهِمَهُ وَعَقَلَهُ , وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ , وَانْتَهَى إِلَى حُدُود اللَّه , الَّذِي حَدَّ فِيهِ , فَهُوَ الَّذِي يَسْمَع السَّمَاع النَّافِع .' وَقَوْله : { فَهُمْ مُسْلِمُونَ } يَقُول : فَهُمْ خَاضِعُونَ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ , مُتَذَلِّلُونَ لِمَوَاعِظ كِتَابه .وَقَوْله : { فَهُمْ مُسْلِمُونَ } يَقُول : فَهُمْ خَاضِعُونَ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ , مُتَذَلِّلُونَ لِمَوَاعِظ كِتَابه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى} أي وضحت الحجج يا محمد؛ لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم وهدايتهم. وهذا رد على القدرية. { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا} أي لا تسمع مواعظ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقت لهم الهداية. وقد مضى هذا في "النمل" ووقع قوله { بهاد العمي} هنا بغير ياء.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والدلالة على الطريق والهداية إليه لا تتأتَّى مع العمى، خصوصاً إذا أصرَّ الأعمى على عماه، ونقول لمن يكابر في العمى (فلان لا يعطي العمى حَقّه) يعني: يأنف أنْ يستعين بالمبصر، ولو استعان بالناس من حوله لوجدهم خدماً له ولصار هو مُبصراً ببصرهم.

وقوله سبحانه: { إِن تُسْمِعُ... } [الروم: 53] أي: ما تُسمِع { إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ } [الروم: 53] وهؤلاء هم أصفياء القلوب والفطرة، الذين يلتفتون إلى كون الله، يتأملون أسراره وما فيه من وجوه الإعجاز والقدرة، فيستدلون بالخَلْق على الخالق، وبالكون على المكوِّن سبحانه، ولِمَ لا، ونحن نعرف مَنِ اخترع أبسط الأشياء في حياتنا ونُؤرِّخ له، ونُخلِّد ذكراه، ألسنا نعرف أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي، والله الذي خلق الشمس لَهُوَ أوْلَى بالمعرفة.

فإذا جاءك رسول من عند الله يخبرك بوجوده تعالى، ويحل لك لغز هذا الوجود الذي تحتار فيه، فعليك أنْ تُصدِّقه، وأن تؤمن بما جاءك به؛ لذلك الحق سبحانه يُعلِّم الرسل أنْ يقولوا للناس في أعقاب البلاغ
{  وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ... }
[الشعراء: 109].

وفي هذا إشارة إلى أن العمل الذي يُؤدِّيه الرسل لأقوامهم عمل يستحقون عليه أجراً بحكم العقل، لكنهم يترفعون عن أجوركم؛ لأن عملهم غالٍ لا يُقدِّره إلا مَنْ أرسلهم، وهو وحده القادر على أنْ يُوفِّيهم أجورهم.

ومعنى { يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا... } [الروم: 53] يعني: ينظر فيها ويتأملها، ويقف على ما في الكون من عجائب الخَلْق الدالة على قدرة الخالق، فإذا ما جاءه رسول من عند الله أقبل عليه وآمن به؛ لذلك قال بعدها: { فَهُمْ مُّسْلِمُونَ } [الروم: 53].

ثم يقول الحق سبحانه: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن... }.


www.alro7.net